على الرغم من تعمق مؤلف هذا الكتاب البروفسور والمؤرخ البريطاني نيال فيرغسون في دراسة وتحليل السياق الحضاري والوقائع التاريخية، وخاصة منذ عصر النهضة الأوروبية، إلا أن كتابه يأتي محصلة لنظرة مغايرة أطل منها مؤلفه البروفيسور نيال فيرغسون أستاذ التاريخ (وعلم الإدارة والتجارة) في جامعة أكسفورد (بريطانيا) ثم جامعة هارفارد (الولايات المتحدة). والنظرة المستجدة مفادها ضرورة إصدار كتاب في وقائع التاريخ الحديث، الأوروبي بالذات، على نحو من التبسيط والتشويق بحيث يروق لأجيال الشباب الناشئ الذين يرى المؤلف أنهم يفتقرون، بسبب سوء المناهج التعليمية، إلى صورة شاملة الأبعاد للتاريخ. ومن هؤلاء الشباب ابن وابنة مؤلف الكتاب شخصيا.

 أما الدافع الثاني لهذه النظرة من التشويق إلى التبسيط فترجع إلى أن هذا الكتاب كان بمثابة المادة الأساسية التي استند إليها مسلسل شبه درامي عن الحضارة، تم عرضه في شكل برامج تسجيلية على شاشة القناة الرابعة من التلفزيون البريطاني.

وفي كل حال فقد جهد المؤلف في إلقاء نظرة بانورامية على تكوين ومصائر الإمبراطوريات الغربية البريطانية والفرنسية بالذات فيما وصف إطلالة أميركا على العالم عند منتصف القرن العشرين بأنها "إمبراطورية في حالة إنكار" إلى أن أوصلته متابعته العلمية إلى ضفاف الحقيقة التي ما برحت تشهد بصعود نجم جديد في أجواء ساحة التنافس العالمي واسمه: الصين.

 

هناك عبارة ظلت تتردد أصداؤها على طول عقد التسعينات من القرن العشرين، وبالتحديد منذ أن نشر البروفيسور صمويل هنتنغتون، أستاذ علم السياسة بجامعة هارفارد أطروحته التي ذاع صيتها في ذلك الحين تحت عنوانها الشهير التالي: تصادم الحضارات.

في ذلك الكتاب يذهب مؤلفه إلى تكريس سطوة الحضارة والمفاهيم وأساليب التفكير والسلوك الغربية في مقابل سائر المفاهيم والأفكار والسلوكيات. ومن هنا جاءت مقولته التي ظلت تتردد في سطور كتاب "تصادم الحضارات" مجسَّدة في العبارة التالية: الغرب والآخرون وبالمصادفة كانت العبارة في إيقاعها الإنجليزي تتردد على أساس نوع من الجناس اللغوي الأقرب إلى إيقاع الشعر على النحو التالي: "ذي وست، آند ذي رست"

 

مؤرخ من انجلترا

انقضى على هذه العبارة، وطبعا على صدور كتاب الأستاذ هنتنغتون ما يقرب من عشرين عاما، بل رحل المؤلف الأميركي نفسه عن عالم الأحياء في العام الماضي.

لكن تشاء الأقدار أن تنبعث العبارة المذكورة بكل شحنات معانيها وبكل إيقاعات رنينها، لكن في انجلترا هذه المرة، حيث اتخذها كاتب مهم وشهير هو البروفيسور نيال فيرغسون عنوانا فرعيا لأحدث كتاب أصدره في الفترة القريبة الماضية، وجاء عنوان الكتاب الرئيسي والفرعي على نحو يقول: "الحضارة: الغرب والآخرون".

والطريف أن المؤلف، بكل شهرته الواسعة، وبكل سمعته وإنجازاته الأكاديمية المعترف بها، لا يلبث أن يصارح قارئه بأنه عمد إلى وضع هذا الكتاب من أجل "عيون" الجيل الطالع الجديد، وقد استوحى هذه الفكرة من واقع احتياجات ابنه وابنته بالذات إزاء ما يتطلعان إليه من معرفة دروس التاريخ،

وفي هذا السياق يصرح المؤلف في تصدير الكتاب قائلاً: "لقد راودني شعور بأن الجيل الذي ينتمي إليه الابن والابنة لا يستوفي حقه المشروع من ناحية معرفة التاريخ، بمعنى أن أبناء هذا الجيل الناشئ لا تتوافر لديهم أبعاد الصورة الكاملة. وقصارى مناهج التعليم (في الغرب) أن تقدم لهم أشتاتا متناثرة وشذرات لا تغني ولا تسمن، وهي تدور في العادة حول أدولف هتلر (زعيم ألمانيا النازية) من هنا يضيف مؤلفنا فقد "عقدت العزم على أن أضع كتابا يكون في متناولهم، بحيث يأنسون إليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا".

والحق أن البروفيسور فيرغسون اختار أن يجيب عبر صفحات كتابه عن سؤال محوري يقول بما يلي: كيف تسنى اعتبارا من عام 1500 للميلاد لحفنة من الكيانات السياسية الصغيرة الواقعة في أقصى الغرب من كتلة اليابسة الأوروبية (قارتي أوروبا وآسيا) أن تبسط سيطرتها على بقية العالم؟

وعندنا أن المؤلف لايزال مبهورا، فيما نتصور، بفكرة مثل هذه السيطرة الواسعة وحقيقة وتاريخ هذا النفوذ الإمبريالي، كما لابد وأن نسميه من جانبنا، وقد تمتعت بمقاليده تلك القلة القليلة من دول غرب أوروبا التي ضمت وقتها أقطارا من قبيل أسبانيا، البرتغال، إيطاليا، فيما كان على رأسها فرنسا، ناهيك عن بريطانيا.

 

تجربة الغرب الاستعمارية

ويبدو أيضا أن المؤلف مازال على إعجابه بتجربة هذا النفوذ الغرب أوروبي، لا من منطق ما شهدته تلك الفترة الإمبريالية الاستعمارية من بسط السيطرة واستغلال مقاليد شعوب المستعمرات، بل من منطلق ما جرت إضافته، برأي مؤلف كتابنا، إلى معجم التجارب البشرية وسجل الخبرة التاريخية لعالمنا من مفاهيم ومؤسسات مازال المؤلف يراها إيجابية وبناءة ودافعة لمسير الحضارة رغم كل السلبيات.

ويبلور كتابنا هذه القيم الإيجابية تحت 6 عناوين رئيسية هي: التنافس - العلم - الديمقراطية - الطب - توسيع الاستهلاك - قيمة العمل.

وقد عمد المؤلف إلى تخصيص فصل بأكمله من فصول كتابه من أجل عرض وتحليل ونقد كل من تلك القيم الست، التي يرى أنها لقيت من يترجمها على يد بريطانيا، خلال حقبة إمبراطوريتها الإمبريالية في المرحلة الممتدة من القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين، ثم على يد الولايات المتحدة من واقع طروحاتها وديناميات حركتها التي ظلت تصدر عن منطلق الهيمنة والتطلع إلى دور الشرطي الدولي، وهو دور ارتبط كذلك بترجمات شتى في قواميس السياسة الدولية المعاصرة، وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج أميركا قوة كونية ظافرة، وهو ما مهد في ترجمة مبدئية إلى دور القطب العالمي الأول المنافس للقطب الروسي (الثاني) مع انتصاف القرن العشرين، أو هو في ترجمة ثانية إيجابية هذه المرة، دور العم سام الذي دخل حلبة هذه المنافسة بين القطبين، رافعا لافتة كتب عليها "وكالة المعونة النقطة الرابعة" وحاملاً لافتة أخرى مكتوباً عليها "مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا التي دمرتها سنوات الحرب"، وربما رفع لافتة ثالثة هي أسلوب الحياة الأميركية الذي راق ولايزال يروق لأجيال شتى في عالمنا، حيث جمع بين الطرافة والبساطة وسهولة المحاكاة، ابتداء من سراويل الجينز وليس انتهاء بعلكة الشوينجام ودرامات هوليوود، ثم موسيقى الروك آند رول الصاخبة بغير حدود.

 

سؤال تاريخي حائر

والحق أنه في غمار الاندفاعة نحو استعراض تجليات (أو ايجابيات) الحقبة الاستعمارية، وخاصة ما يتعلق بإضافة مخترعات واكتشافات من قبيل طاقة البخار أو قاطرة السكة الحديد أو عقار البنسلين واتصالات البرق والهاتف ثم محرك السيارة ودخول الراديو والتلفاز إلى حياة الناس، هذه الاندفاعة جعلت كاتبنا يتحدث بحماس عن فكرة الحضارة على نحو ما عاشته أقطار أوروبية، مثل انجلترا في الهند أو فرنسا في غرب أفريقيا، صحيح أنه لا يبرر السلبيات الخطيرة التي تزامنت مع هذه الأوضاع الكولونيالية، لكنه يحاول التهرب منها حين يطرح سؤالاً يقول: ترى، ماذا كان البديل؟.

وفي محاولة للإجابة يمضي المؤلف موضحا أن الأوضاع التي كانت تعيشها تلك الأصقاع في آسيا أو في إفريقيا، خلال الأزمنة السابقة على مجيء القوى الكولونيالية، لم تكن أفضل ولا كانت تتسم بالعدل ولا بأي صورة من صور الرفاه، بل كانت تستبد بها آفة التخلف ولعنة الظلم في كل حال.

مع هذا كله، لا يفوت المؤلف أن يوضح كيف أن الأوضاع في بريطانيا، وطنه الأم، لم تعد تسر المثقف أو الأكاديمي في الفترة الحالية بالذات، يقول في سطوره إن الإساءة إلى حرية الصحافة والتعبير لم تعد تطاق حاليا في بلد مثل بريطانيا، وإن هذا كان دافعه أن يترك كرسي الأستاذية الموقر في جامعة أكسفورد، ثم يجتاز غمرات المحيط الأطلسي، قاصدا نيويورك، حيث مازال يعيش ويمارس التدريس في جامعات أميركا.

 

6 قيم و6 تحليلات

في كل حال يتميز كتابنا بما ساقه من تحليلات بشأن كل واحدة من القيم الست التي تميزت بها الحضارة الغربية، وهي التي أدت كما يتصور المؤلف إلى أن ظلت أوروبا (ومن بعدها أميركا) تنعم بمقاليد السيادة من منطلق التفوق الحضاري على مدار عشرات السنين، هذه الصورة التحليلية تمضي أبعادها المختلفة على النحو التالي:

(1) المنافسة: نبعت من حقيقة انقسام غرب أوروبا، منذ عصر النهضة إلى كيانات (دول ودويلات) سياسية صغيرة ومتناثرة، بل كانت متنافسة أو حتى متناحرة في بعض الأحيان، هذه الروح التنافسية هي التي دفعت بدول أوروبا إلى التماس ساحات جديدة لتحقيق ذاتها، وهكذا تحولت الأوضاع في القرن الخامس عشر، حيث كانت الصين كما يوضح المؤلف هي أكثر حضارات العالم تقدما إلى حيث تحركت دول غرب أوروبا في دينامية مشهودة، بينما توالت الأزمات على الصين فكان أن ركنت إلى حياة من العزلة ومنها إلى الركود حتى أواخر القرن العشرين.

(2) العلم: بدأ العلم مع تباشير عصر النهضة، وعلى نحو ما يرصد المؤلف، إنجازا إسلاميا. لكن حالت صراعات المذاهب والطوائف وتخلف المشتغلين بالأمور العقيدية في عالم الاسلام دون انتشاره، وهنا تلقفت الأمر أوروبا مزودة باكتشاف آلة المطبعة وفن الطباعة، ودخلت عصر الاكتشافات والمخترعات التي كان أولها تطوير الأسلحة وهو ما زود الغرب بأكبر ميزة نسبية في هذا المجال.

(3) التدوين والتقنين: وتلك مهارة برع فيها الإنجليز فكان نجاحهم في إنشاء مستعمراتهم في أميركا بعد اكتشافها، وهو نجاح في التعامل مع صكوك تملّك الأرض بوصفها أصل الثروة وفي بلورة وترسيخ حقوق التملك مقارنة مع فشل مستعمرات الأسبان في أميركا اللاتينية، حين تركز همهم على تجميع الثروات واكتناز كميات الذهب التي ضاعت وتبددت في نهاية المطاف.

(4) الطب الحديث: وهنا يشير الكتاب إلى ما تميزت به السيطرة الفرنسية في أقطار أفريقيا، وخاصة ما يتصل باكتشاف التطعيم بالأمصال وأدوية التحصين من الأمراض المتوطنة والمعدية وخاصة الجدري والملاريا والحمى الصفراء.

(5) الاستهلاك: بمعنى تكريس قيمة السوق وتوسيعها وزيادة الإنتاج وتفعيل قوانين العرض والطلب.

(6) قيمة العمل: وباعتبار العمل هو السبيل الأساسي الذي يفضي إلى تحقيق الذات الفردية وتحقيق الثروة المادية وتحقيق المكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي في آن معاً، وفيما يشيد المؤلف بتكريس قيمة العمل في الغرب، مما منحه مكانته المتميزة في مراحل مضت، فهو لا يملك سوى الاعتراف بعودة الصين في مراحل محدثة إلى تكريس قيمة العمل، مما أصبح يمنحها مكانتها السامقة التي تتمتع بها على ساحة العالم الذي نعيش فيه.

 

الغرب والصين

المهم أنه خلال صفحات هذا الكتاب يشعر القارئ المتمعن بأن المؤلف كان يطرح أفكاره، ويرتب سطوره، وعينه اليمنى على صعود نجم الصين حاليا في سماوات النفوذ الدولي الاقتصادي بالذات، بينما كانت عينه اليسرى تتابع ظاهرة يصفها البروفيسور فيرغسون بأنها "نهاية 50 سنة من الهيمنة الغربية".

وتبدو المقارنة حادة بل قد تكون صارخة، لدرجة أن يذهب الناقد الأميركي كاتوكاني إلى القول بأنها لم تعد تتصل بمسألة الصِدام بين الشرق والغرب، بل أصبحت تتعلق بما إذا كان الطرف الأضعف حاليا، ويمثله بنظر مؤلف الكتاب كل من أميركا وأوروبا سوف تطّوح به المقادير من حالة الاستضعاف الراهنة إلى حالة التداعي والانهيار الكامل.

وفي هذا السياق تقول سطور الكتاب: إن الأزمة المالية التي بدأت في صيف عام 2007 يتعّين فهمها على أساس أنها عنصر يؤدي إلى التعجيل بتيار فاعل حاليا نحو تصدّع نسبي يصيب نفوذ الغرب ومكانته.

والمؤلف هنا ينبّه إلى أن هذا التصدع أو الاضمحلال لم يأت بغتة، ولكن كان من أخطر أسبابه ما يتمثل في أزمة "المديونية" التي أنشبت مخالبها في اقتصادات الغرب على مدار الحقبة الراهنة.

وفي هذا السياق أيضاً يمضي المؤلف مفسراً على سبيل التفصيل فيضيف قائلًا: ابتداء من عام 2001، وعلى مدار فترة قوامها الآن عشر سنوات لا تزيد، تضاعَف الديْن الفيدرالي في أميركا من نسبة 32 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي ليصل في عام 2011 الراهن إلى نسبة 66 في المائة نسبة الثلثين إن شئت التدقيق.

وقد نتصور أن المؤلف أيضاً تغلب عليه في بعض فصول الكتاب مهنة المؤرخ المحترف، وهو في هذا السياق بالذات شغوف بالمقارنات التاريخية، التي يجيد بحق فنّ صياغتها.

ولعل أهم مقارنة تاريخية تعقدها فصول الكتاب هي تلك التي قارنت بين حال القوى أو الدول الغربية الخمس، وهي أميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وقد كانت تستأثر في عام 1990 بنسبة 44 % من الإنتاج الكلي من الصناعات التحويلية في العالم كله، لكن هذه المكانة السوبر كما قد نصفها - تبددت وتهاوت لتفسح المجال لصالح مجموعة الاقتصادات الناهضة الصاعدة التي تتربع الصين على قمتها ومعها ولو بدرجات متفاوتة كل من روسيا والهند والبرازيل.

والمؤلف يرجع ذلك إلى ما شهده العقدان الأخيران في جيلنا، سواء من جراء الانقسامات داخل أميركا ذاتها أو داخل الاتحاد الأوروبي، فضلاً عما يصفه كتابنا بأنه التوسع الموغل إلى حد الإجهاد في القوة العسكرية الأميركية بكل ما تنطوي عليه من تكاليف، فضلاً عن صعود المارد الصيني بخطى واثقة ومتواصلة بغير انقطاع.

من هنا ينتهي الكتاب بسطور تطرح تساؤلات حائرة من قبيل: هل يصبح مصير الغرب (وحضارته) أقرب إلى مصير روما القديمة وحضارتها.

الكتاب لم يطرح إجابات محددة، لكن القارئ يدرك ولا شك أن روما حددت مصيرها، برغم ما كانت عليه من منعة وقوة في ميادين شتى: لقد بدأت إمبراطورية روما بوصفها قوة استعمارية فرضت سلطتها على أقوام وأقطار وشعوب في العالم القديم، ومن ثم يتوجب على الغرب أن ينقذ نفسه وشعوبه وحضارته حين يكف عن موقف "نحن، والآخرون" بل يمضي إلى حيث يتوافق مع سائر شعوب الأرض، تفاعلا وتعاونا وتواؤما بغير احتكار للقوة أو استعلاء بجبروتها.