يتابع هذا الكتاب بصفحاته التي قاربت الخمسمئة صفحة تاريخ مدينة زاهرة هي من أقدم عواصم العالم وأشدها ازدهارا، وهي العاصمة الإيطالية روما، ويتميز نهج الكتاب بأنه يصدر عن حزمة متكاملة من أساليب المعالجة إذ يجمع بين تقليب صفحات التاريخ، بادئا من تلافيف الأساطير القديمة التي نسبت إنشاء الحاضرة الإيطالية المتروبول الكبرى إلى شخصية أسطورية بدورها هي "رومولوس" الذي عثرت عليه وأرضعته(!) واحدة من إناث الذئاب على ضفاف نهر التيبر، فكان أن شب عن الطوق، ليصبح قائدا أو حاكما ثم مؤسسا لمدينة حملت وما برحت تحمل اسمه في سفر التاريخ.
على أن الكتاب يتميز أيضا بعدم الانبهار إزاء مآثر روما، حيث يحرص المؤلف على توخي الموضوعية قدر استطاعته بين استعراض المجد المعماري، الكلاسيكي الباذخ الذي مازالت تعتز به روما، التي يلاحظ المؤلف أيضا مدى شغفها العجيب بالمياه على نحو ما تشهد به ظاهرة العشرات من النافورات المنتشرة في أنحاء المدينة وساحاتها ، ومع ذلك لا يتورع المؤلف الاسترالي أيضا ، عن التطرق إلى سلبيات روما، سواء في الماضي حين كان ثلث سكانها من العبيد، أو في الحاضر القريب المفعم بالمآخذ خلال حكم رئيس وزرائها السابق "بيرلسكوني".
روما هي واحدة من أقدم الحواضر في العالم. يرجع تاريخها إلى قرون عديدة قبل ميلاد المسيح. ورغم أن جمهرة المؤرخين يستطيعون تقصّي نشأة هذه المدينة أو تلك من حواضر عالمنا ، إلا أن نشأة المدينة التي يعرض لها الكتاب الذي نصاحبه في هذه السطور مازال يحوطها غموض الأسطورة ومتعتها في آن معاً.
كيف لا وقد تحادث رواة الزمن الكلاسيكي القديم عن أخويْن ألقت بهم المقادير والأطماع والصراعات في مياه نهر "التيبر" الذي يشق بقعة في شبه الجزيرة الواقعة في جنوب أوروبا والمطلة على البحر الأبيض المتوسط.
تمضي الأسطورة كي تصاحب ما تم من إنقاذ الأخويْن اللذين جنح بهما الصندوق إلى ضفاف "التيبر". وبعدها تضيف الحكاية، الخرافية بالطبع، أن تلقفت الطفلين ذئبة، نعم ذئبة تولت إرضاعهما من حليب، الذئاب، بالطبع، إلى أن عثر عليهما واحد من رعاة المنطقة، اختارت له الأسطورة العتيقة اسم "فاوستولوس" الذي تولى تربية الطفلين إلى أن استوى أقواهما بدنا وأمضاهما عزيمة شابا عفيا وجنديا مقداما، وما لبث أن سجل اسمه في التاريخ حين عمد إلى بناء مدينة جديدة ذات أسوار منيعة.
وهج الأسطورة
نتحدث عن أسطورة الفتى "رومولوس" الذي تحادثت بسيرته ، مع أخيه "ريموس"، حوليات القرن الرابع قبل الميلاد.
ورغم ما أحاط سيرة "رومولوس" من ضباب الأساطير، ومنها ما يصل إلى أن نهايته الشخصية حانت حين اختفى عن أنظار مواطنيه دون أن يعثر له على أثر، إلا أن اسمه ما لبث أن خرج من تلافيف هذا الضباب الكلاسيكي، كي يظل محفورا في ذاكرة الناس، كيف لا وقد جعلوا من هذا الاسم العتيق عنوانا للمدينة الزاهرة التي جعلها مؤلفنا "روبرت هيوز" موضوعا لكتابه الحافل الذي قاربت صفحاته الخمسمائة: روما هي عاصمة إيطاليا التي تغنى بها الشاعر اللاتيني الأشهر "فرجيل" (ت. عام 19 قبل الميلاد) في ملحمته الكبرى بعنوان "الإليادة" واصفا روما في إيقاع شعري يقول: "مدينة تعلو على حدود الزمان وقيود المكان، هي عطية أهداها إلى الدنيا مجد مؤثّل وفخار بغير نهاية".
يحمل كتابنا عنوانه الوحيد المتمثل في اسم العاصمة الإيطالية: روما. لكن عنوانه الفرعي يمضي موضحا المحاور التي تتحرك على أساسها مقولات الكتاب وهي محاور ثلاثة يعرضها المؤلف على النحو التالي: المحور الثقافي + المحور البصري + المحور الشخصي.
مدينة على التيبر
على امتداد الصفحات، يشعر القارئ أن هذه المحاور المقولات المتشابكة إنما تصّب مع نهاية المطاف في محاولة من جانب المؤلف في تبيان أن عظمة المدينة أي مدينة أو أي عاصمة ، لا يمكن أن تستمد بهاءها من واقع ثراء بلادها وحسب، ولا فقط من خلال تميّز موقعها الطبيعي الجغرافي ولا حتى بفضل عراقة تاريخها الطويل.
يكاد المؤلف يصدر في هذا السياق بالذات عن رؤية ثاقبة سبق وأن وردت في دراسة متعمقة أخرى لظاهرة نشوء المدن والعواصم في عالم الحضارة الإنسانية.
( نتحدث هنا عن الكتاب المهم الصادر عن تاريخ المدن وتطورها في العالم (من تأليف الباحث الأميركي "جويل كوتكن"،) ويذهب فيه "كوتكن" إلى أن عظمة "روما" لا ترجع إلى كونها واقعة على نهر "التيبر" الذي لا يراه الكاتب الأميركي نهراً يوازي في أهميته مثلا أنهارا عظيمة مثل الفرات أو النيل،"، ولا أن مدينة روما ظلت تنعم بمزايا من حماية طبيعية بفضل التلال السبعة الواقعة من حولها، إن مصدر عظمة روما هو ما تميزت به من شعور فريد بأن لها رسالة حضارية ورؤية متميزة تجاه عالمها وزمانها، ولهذا سكنتها أفواج متزاحمة من جموع البشر، بحيث أن أصبحت أول "ميجا سيتي" بمعنى أول عاصمة كبرى أو أول حاضرة مهيمنة في التاريخ، وهي حقيقة دفعتها إلى أن يكون رائدها في حل مشكلات سكانها هو دوام البحث عن الجديد من منظور الإبداع وتوخي الإبتكار.
الفكرة والمدينة
هذا المنظور عن الإبداع الإنساني هو الذي دفع واحداً من محللي نقاد كتابنا هو الناقد الأميركي "ميتشكو كاكوتاي" إلى أن يحاول تلخيص فحوى الكتاب ومحوره كما أسلفنا هو مدينة روما فيقول: إنها فكرة بقدر ما أنها مدينة.
وهذا القول إنما يحدد بدقة الهدف الذي يتوخاه الكتاب، الذي يجهد مؤلفه كثيرا في التأكيد على أن المدينة لا تستمد أمجادها من الأماكن الصمّاء بقدر ما تستقيها من احتواء المدينة على أماكن ومواقع ذات دلالات ورموز وتواريخ وذكريات إيجابية تضيف إلى حصيلة ما تتمتع به البشرية، عبر تاريخها، من مآثر وإنجازات.
وهذا يصدق كما يوضح الكتاب على روما التي لا تزال كما يصفها المؤلف أيضا مستودعا زاهرا لإبداعات المعمار الكلاسيكي فضلا عن كونها مركزا للسلطة البابوية ، رأس المذهب الكاثوليكي في العالم، وهو ما جعل العاصمة الإيطالية تمثل ، كما يصفها المؤلف، "تجسيدا حيا لإبداعات المجد الإنساني البشري" بقدر ما أنها ترمز في الوقت نفسه إلى "أخطاء الضعف البشري".
وفيما نفهم حكاية المجد الإنساني الذي لايزال مجسدا كما هو معروف في تجليات المعمار، الذي تزدان به جنبات روما ومسالكها ودروبها وهو ما يركز عليه مؤلف كتابنا بحكم تكوينه واهتماماته وخبرته السابقة، حين كان يشغل موقع الناقد الفني لمجلة "تايم" الأميركية ، إلا أن من حق المؤلف أن نحمد له أيضا نظرته الموضوعية، بمعنى غير المأخوذة أو المنبهرة إلى تراث الحضارة الرومانية اللاتينية التي ارتبطت بها روما، أصلا وتاريخا وتطورا.
من هنا ينّبه المؤلف إلى الرومان، وهم أول من سكنوا روما، لا يجوز التعامل مع سلوكياتهم بمنطق الإنبهار أو الإعجاب على طول الخط، إذ كانوا على عكس أسلافهم من أهل الحضارة اليونانية قدماء الإغريق قوما تعيب سلوكياتهم نزعة أقرب إلى البربرية، وكان منهم كما يقول الكتاب أيضا الانتهازيون والوصوليون ومحدثو النعمة وغلاظ القلوب، وربما ظلوا يستأثرون بإعجاب العالم إذ لم يغرقوا أنفسهم شأن الإغريق في بحار الفلسفة والتنظير ، بل كانوا يتعاملون مع حياتهم في روما وغيرها بأسلوب يجمع كما يضيف المؤلف بين المظهرية المغرورة والعنف المفرط والثراء الشديد، أو كان سلوكهم مزيجا من هذا كله في آن معا.
بين المعمار والآداب
على أن كتابنا يتميز كذلك بعدم اقتصار المؤلف على جوانب الفنون البصرية التشكيلية، وخاصة ما يتعلق بروعة المعمار أو البناء والتشييد. المؤلف يمضي كي يستشرف آفاق وإبداعات روما في مجالات الفكر والفن والآداب، دون أن تفوته الاهتمامات بما شهدته روما عبر تاريخها الحافل الطويل من سلوكيات ووقائع وشخصيات وإنجازات وتراجيديات أيضا في مجالات السياسة والحكم والشأن العام.
من هنا نطالع صفحات الكتاب وقد ترددت عبر سطورها أسماء فنانين تشكيليين إعلام مثل "مايكل أنغلو"، وأسماء أدباء مبدعين مثل "فرجيل" إلى جانب أسماء زعماء في الدين مثل البابا "سكتوس الخامس" وقادة تاريخيين مثل الإمبراطور "أغسطس" فضلا عن زعماء سياسيين مثل "بنيتو موسوليني" قرب منتصف القرن العشرين.
ولعل أطرف ما يطالع قارئ هذا الكتاب تلك الملاحظة الدقيقة التي يسجلها المؤلف موضحا ذلك الشغف العجيب من جانب روما بعنصر "المياه" وهو ما يتجلى في عشرات النافورات المنبثة في دروبها وساحاتها وسائر مسالكها، وأهمها بالطبع ما أطلقوا عليه نافورة الحظ أو ينبوع العشاق الذي يستقبل عشرات، بل مئات العملات النقدية من جيوب الزائرين والعاشقين والملهوفين أملا في قراءة سفر الآتي على نحو ما يتصورون.
وفيما يعترف مؤلفنا بأن سينما هوليوود لم تقصر في تمجيد روما وتكريس أجمل صورة لها وبما يكاد يصل إلى جعلها بالوهم المزوق بألوان الطيف الطبيعية أقرب إلى مدينة السحر والخيال إلا أن المؤلف لا يتردد في أن ينزل بقارئه إلى أرض الواقع التاريخي على الأقل، حين يتحدث عن "روما الحقيقية" على نحو ما يسميها وهو يقصد روما بقيادة أعظم حكامها الامبراطور "أغسطس"، ويطلق عليها بدورها وصف "كلكتا على البحر المتوسط".
بمعنى أن روما على خلاف الصورة الهوليوودية المنمقة أو هي المزوقة كما قد نسميها المدينة التي كانت أيام الرومان كانت مدينة مكدسة بالإزدحام، ومعرضة للفوضى، ومحتوية كما يصفها المؤلف على أبنية كانت ترتفع وقتها إلى ست طبقات، ولكنها كانت معرضة لمفاجآت أو صدمات الانهيار أو حرائق النيران التي طالما كانت تودي بأرواح السكان.
وصمة العبودية
ولعل ما يهمنا أكثر في مثل هذا السياق، ما يوضحه المؤلف أيضا بالنسبة لنوعية سكان روما في زمنها الغابر، صحيح أن المرحلة الكلاسيكية من حياة الحاضرة الإيطالية شهدت وخلّفت تراثا باذخا في دنيا الإبداع الفن والابتكار المعماري، وصحيح أيضا أن روما عاشت أمجادا وانتصارات، إذ كانت على مدار قرون عاصمة الإمبراطورية والحضارة اللاتينية العريقة، لكن هذا كله إنما يتضاءل في تصورنا إزاء حقيقة يطرحها أمامنا مؤلف هذا الكتاب على الوجه التالي:
. "" 159 !.
مع هذا كله يرسم المؤلف صورة مغايرة إلى حد كبير لسفر الحياة الكلاسيكي من عمر روما ، وخاصة حين يتحول إلى الحديث عن روما القرن العشرين. صحيح أنها حفلت أيامها بأسماء مبدعين في دنيا الأدب مثل المسرحي "لويجي بيرانديللو" أو مثل الروائي "ألبرتو مورافيا"، وصحيح أيضا أنها ضمت أسماء نجومية في دنيا الإبداع السينمائي مخرجين رواد بالذات في قامة "دي سيكا" و"فيلليني" إلا أن المؤلف لا يلبث ينعي على روما أنها لم تقدم للعالم على مدار السنوات الخمسين الأخيرة سوى النذر اليسير من العطاء الثقافي والسياسي أو الفني بشكل خاص، وفيما يمكن أن نراجع مؤلفنا في مثل هذه الأحكام التي قد نقول انها مرسلة أو مجحفة إلى حد ما ، إلا أن المؤلف لا يلبث أن يوضح أنه إنما ينطلق في مثل هذه الأحكام من واقع تحليله للمرحلة الأخيرة التي شهدت حكم رئيس وزراء إيطاليا السابق "سيلفيو بيرلسكوني" بكل ما شابها من مآخذ ومشاكل وسلبيات.
على كل حال، يخلص المؤلف وتخلص صفحات كتابه إلى القول بأن روما رغم كل ما علق بصورتها مؤخرا من سلبيات ، إلا أن أمجادها التليدة مازالت باقية وتشهد بأن بإمكانها أن تفتح صفحة جديدة، واعدة في كتاب المستقبل.
المؤلف: روبرت هيوز
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: دار الفرد نوف، نيويورك، 2011
عدد الصفحات: 499 صفحة
