يحاول هذا الكتاب أن يمشي على حبل مشدود، حين يسعى إلى التوفيق بين مقولات إباحة حمل السلاح الناري للمواطن العادي في أميركا بموجب التعديل الثاني لدستور الولايات المتحدة انطلاقا من حرص «الآباء المؤسسين» الذين تولوا كتابة الدستور المذكور مع فاتح عقد التسعينات من القرن الثامن عشر على الأمن، وبين بنيان الأخطار الفادحة التي نجمت وما برحت تنجم عن هذه الإباحة، متمثلة.

كما هو معروف، في جرائم وحوادث بالغة الخطورة شهدت استخداما للأسلحة النارية، مما أدى إلى مصرع الكثيرين وأحيانا إلى ما يقارب المذابح الجماعية داخل مدارس أو مساكن أو جامعات، وفي هذا السياق يتطرق الكتاب إلى أهم مؤسسة (أو أهم لوبي) لتكريس وإدامة الحق في حمل السلاح لدى المواطنين العاديين، متمثلة في «جمعية البندقية الوطنية» التي مازالت تعد في مقدمة مواقع النفوذ والتأثير على القرار السياسي وعلى النهج الاقتصادي في الولايات المتحدة، وخاصة في حقبة الرئيس «رونالد ريغان» .

حيث يعمد الكتاب إلى مقارنتها بجماعات «حزب الشاي» اليمينية التي أعلنت في الآونة الأخيرة - وعلى أساس مبادئ الحزب الجمهوري المعارض دعواتها المناهضة لمصالح الفقراء والطبقات الوسطى في المجتمع الأميركي. وفي السياق نفسه يوضح الكتاب أهمية العمل على الأقل من أجل ترشيد أو تحجيم الحق في إحراز واستخدام السلاح وهو ما أوضحته في قضية جوهرية قرارات المحكمة العليا في أميركا.

 الدستور هو أبو القوانين، تلك هي المقولة المعتمدة لدرجة التكريس بين صفوف فقهاء القانون في كل أنحاء الدنيا. وربما يصل هذا التكريس، بمعنى الاحترام الفائق والتوقير العميق للوثيقة الدستورية، إلى حد يسود فيه التصور أحيانا بأن الدستور صك يجب التمسك به على نحو يستعصي على التبديل أو التغيير في بعض الأحيان.

وبديهي أن هذا قول غير صحيح، فالدساتير هي صكوك إنسانية في المقام الأول، وبمعنى أنها نتاج للاجتهاد البشري الذي يصيب ويخطئ من ناحية، كما أنه لابد وأن يراعي تطور الأحوال ومتغيرات الظروف عبر الزمن من ناحية أخرى.

من جانب آخر، هناك من يسمح بعملية تعديل الدستور، محذرا بأنها ينبغي تحصينها بقدر لا يخفى من التحفظات، وبمعنى أن يتم التعديل، أي تعديل، بشق الأنفس كما يقولون.

ومن عجب أن الواقع والممارسات الدستورية ذاتها تشير إلى نهج آخر في هذا المقام.

 حدث في 1787

والنموذج المطروح هنا هو دستور الولايات المتحدة، بوصفه، وبوصفها أيضا من أحدث النماذج الديمقراطية في بناء الدول وفي كتابة الوثيقة المحورية الأم كما يسمونها تلك التي تحمل اسم الدستور.

والواقع أن الدستور الأميركي يتم تطبيقه وتفعيل مواده واتباع بنوده ومبادئه تفعيلا وإعمالا (بكسر الهمزة) من خلال تعديلات شتى.

في عام 1787 اجتمع «الآباء المؤسسون» من أجل وضع وكتابة دستور الدولة الوليدة التي عرفت باسم الولايات المتحدة الأميركية، وكان ذلك بداهة بعد أقل من 11 سنة من إعلان الاستقلال الذي جاء محّصلة لحرب الاستقلال التي خاضوها ضد المستعمر البريطاني، كما هو معروف.

وفي 21 يونيو من عام 1788 صادقت 9 ولايات على الوثيقة الدستورية، ومن ثم فقد بدأ نفاذها رسميا منذ عام 1789 ، أي بمصادفة تاريخية من تاريخ اندلاع الثورة الفرنسية وحتى كتابة هذه السطور.

مع هذا كله، فمازال أصدقاؤنا الأميركان يحكمون بموجب وثيقة طبقوها على مدار هذه الفترة التي زادت بداهة على 200 سنة ولكن بموجب تعديلات شتى كانوا يعمدون إلى ادخالها على دستورهم سواء بالنص الذي يخضع لرأي المواطنين، أو بالتفسير حسب ما إليه عليه السلطة الثالثة في البلاد ممثلة بالطبع في المحكمة العليا.

 27 تعديلاً للدستور

نحن لا نتحدث عن تعديل أو تعديلين، بل نتحدث عن 27 تعديلا خضع لها الدستور الأميركي وبدأ أولها في عام 1791 وإلى أن جاء أحدثها في عام 1992، حين طرحوا التعديل متعلقا بالمكافآت التي يتقاضاها أعضاء مجلسي النواب والشيوخ خلال فترة ولايتهم في كونجرس الولايات المتحدة.

لكن الذي يعنينا في المقام الحالي هو التعديل الثاني بالذات للدستور الأميركي هو بالتحديد التعديل الذي أباح ولا يزال يبيح حمل السلاح للمواطن الأميركي العادي، باعتبار ذلك يعد حقا من حقوقه على نحو ما يقول التعديل المذكور الذي يرجع تاريخه بدوره إلى عام 1791.

وفيما تحظر بلدان شتى في طول العالم وعرضه إحراز السلاح دون ترخيص رسمي يستند بداهة إلى مبررات عملية وأسباب وجيهة تقدرّها السلطة المقررة المختصة، فما زال هذا التعديل الدستوري ساري المفعول لدرجة التبجيل على امتداد الرقعة الأميركية حيث لم تقصر أفلام هوليوود إياها في تصوير وقائعه واستخداماته على يد أبطالها من نجوم السينما، الذين كانت حياتهم وحواراتهم مزيجا من عبارات الكلام وطلقات الرصاص.

لكن هذا كله كان على سطح الأحداث، حيث كان هذا السطح يخفي دعوات وتنبيهات وصراعات: بين الذين يحبذون استمرار حمل المواطن العادي لأسلحة القتل الفتاكة على نحو ما يحميه التعديل الثاني من الدستور، وبين الذين باتوا يرفضون هذا الانتشار الذي يرونه ظاهرة مَرَضية وخطيرة أفضت، كما شهدت وتشهد به حوارات القتل المنفلت والجماعي أحيانا في الشوارع والمنتديات والمساكن ومعاهد التعليم في بقاع شتى من وطنهم الأميركي.

هكذا دخل إلى معجم المصطلحات السياسية وربما خطاب الحياة اليومية في أميركا تعبيران متلازمان هما: الحرب باستخدام السلاح ومكافحة حمل (واستخدام) السلاح.

 أستاذ القانون الدستوري

هذان التعبيران هما بالضبط محور مقولات الكتاب الذي نشره أخيرا البروفيسور «آدم وينكلر» أستاذ القانون الدستوري بالجامعات الأميركية واختار له موضوعا عبرت عنه كلمات العنوان الفرعي للكتاب على النحو التالي: المعركة بشأن الحق في حمل السلاح في أميركا.

ولأن مؤلف الكتاب يحيل بداهة، وعلى نحو ما أسلفنا، إلى التعديل الثاني للدستور الأميركي، فهو يحاول إيضاح التلازم بين السماح باقتناء وإحراز واستخدام السلاح حيث أصبح لكل ولاية بند في دستورها الخاص يؤكد هذا الحق لساكينها، لكن ما برحت أميركا في رأي المؤلف أيضا - تدعو إلى رقابة وسيطرة تستهدف مكافحة هذا الجانب والحد من حق مواطنيها بالنسبة لإحراز واستخدام السلاح.

وفيما تبدو مثل هذه القضايا وكأنها تعني أميركا ومواطنيها بالدرجة الأولى، فالحق أن المتغيرات التي استجدت طوال عام 2011 بالذات على المشهد الجماهيري الشعبي العام في مواقع شتى من مشارق عالمنا العربي ومغاربه أدت كما نتصور إلى ظاهرة جديدة مؤداها أن مشكلة حمل السلاح وانتشاره في يد عناصر من غير السلطات الرسمية المسئولة والمؤهلة أصبحت تقترب من حدودنا اليعربية، حيث باتت تشير إلى خطورتها حجما وتواتر جرائم الثأر والاختطاف والسرقات المسلحة وقطع خطوط النقل والمواصلات، وكلها تهدد بالطبع أوضاع التنمية والأمن والسلام الاجتماعي.

من جانبه يبادر مؤلف كتابنا إلى قراءة متأنية، قد نَصفُها بأنها رشيدة وحصيفة ومتزنة في التعديل الدستوري، الذي أباح لمواطنيه حمل السلاح منذ 220 من عمر الزمان الحديث.

يخلص البروفيسور «وينكلر» إلى أن «الآباء المؤسسين» ومنهم واضعو الدستور لم يبيحوا حمل السلاح على إطلاقه لكل من يرغب من مواطنيهم، بل كانوا كما يوضح في سطور الكتاب يجردون هذا الحق من المواطن الأميركي الذي يفشل (يسقط) في اجتياز اختبار سياسي لقياس مدى ولائه للثورة الاستقلالية الأميركية.

هذا فضلا عن حق وكلاء الدولة المخولين، وأعوانها الرسميين كان من سلطتهم بل ومن واجبهم التفتيش على هذه الأسلحة وتدوينها في السجلات الحكومية، بل كان من حق الدولة إذا ما دعت الضرورة أن تحول بين مواطنيها وبين حمل السلاح إذا ما كان الأمر يُفضي إلى مشاكل واحتكاكات ومصادمات تستعيض عن حوار المنطق بحوار الطلقات.

 «جمعية البندقية» ونفوذها

هنا يشعر قارئ هذه النوعية من الكتب بأن مؤلفه، إذ يرمي قفاز التحدي، فكأنما يسبح المؤلف ضد التيار، وهو تيار عارم، عات، شديد الاضطرام كيف لا وسطور كتابنا ومقولات كاتبه تتحدى واحدة من أكبر التجمعات الأهلية في طول أميركا وعرضها.

نتحدث عن جماعة اللوبي وبالذات عن المؤسسة التي تحمل الاسم التالي:

جمعية البندقية الوطنية (إن. آر. إيه) بكل مواردها المالية الطائلة وبكل إمكاناتها ونفوذها المستمد خاصة من «لوبي» تصنيع الأسلحة الشخصية والخفيفة والإتّجار بها فضلا عن علاقات هذا اللوبي بمن يصطفيهم من أعضاء الهيئة التشريعية ومتنفذي الحكومة الفيدرالية في واشنطون.

وقد ظهرت كرامات «جمعية البندقية» إياها بوصفها أخطر «لوبي» مؤثر في مجال تكريس حمل وإحراز وانتشار السلاح في أميركا. من خلال تأييدها للرئيس الأسبق ريغان الذي جاء من أفلام هوليوود القديمة وبثقافة كانت محدودة إزاء العالم والعصر (عقد الثمانينات) لكن الرجل ما لبث أن نَعِم بفضل تأييدها بولايتين وتأييد واسع النطاق.

فيما تصدت جمعية البندقية نفسها لمحاولات رئيس أسبق أيضا هو «بيل كلينتون» لإضفاء قدر من التحكم أو السيطرة أو الترشيد والانضباط على مبدأ إباحة حمل واستخدام السلاح، وكان أن أجهضت هذه الجهود، رافعة بالطبع شعارات الحرية وملوّحة أيضا بالتعديل الثاني من دستور البلاد.

في كل حال يشير الكاتب «ميتشكو كاكوتاني» في نقده لكتابنا (نيويورك تايمز 9/10/2011) إلى أن مؤلف الكتاب ظل يحاول جاهدا أن يشق طريقا وسطا بين أنصار حمل السلاح بغير ضابط أو رابط مهما كانت فداحة العواقب، وبين دعاة فرض السيطرة على حمل السلاح، ولو أدى ذلك إلى التصادم مع مبدأ (تعديل) دستوري عاش في حياة بلادهم عشرات وعشرات من السنين.

 دعوة لنبذ التطرف

وكان بديهيا أن تتمحور مقولات الكتاب على دعوة إلى نوع من التوافق التراضي أو الحلول الوسط بين الفريقين.

من هنا تدعو فصول هذا الكتاب إلى نبذ التطرف من الجانبين: ما بين القول بأن جهود ترشيد أو تقنين حمل السلاح هي التي أسهمت في كارثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2011، وهو المنطق نفسه الذي مازال يدفع جماعة البندقية السالفة الذكر إلى مهاجمة منظمة الأمم المتحدة في دعوتها إلى التصدي في جدول أعمالها الدولي إلى انتشار الأسلحة الصغيرة، والأسلحة الشخصية والخفيفة بين أياد غير مسئولة، وبين الجهات الداعية إلى منع هذا الانتشار وتحريم الاتجار في تلك النوعيات من الأسلحة المدمرة التي أصبح حملها وتداولها يهدد الأمن القومي لأميركا.

ويبدو أن محاولة استرضاء المتشددين هي التي دفعت الخبير الدستوري مؤلف الكتاب إلى رفض ما يصفه بأنه مقولات «المتطرفين» تلك الداعية إلى أن تصبح أميركا أشبه بانجلترا حيث تؤثّم القوانين الإنجليزية حمل الأسلحة النارية وما في حكمها من وسائل القتل وآلات الدمار.

على الجانب الآخر من القضية يتوقف الكتاب مليا عند الحكم الصادر عن المحكمة العليا في عام 2008. ورغم أن الهيئة المذكورة خلصت إلى حماية حق الأفراد في حمل الأسلحة، إلا أنها ارتأت في الحكم نفسه أن ثمة أشكالا عديدة من تدابير السيطرة على الأسلحة تتسم أيضا بأنها موافقة للدستور.

ورغم صعوبة هذه السباحة الخطرة وسط أنواء الدعوتين تأييدا لحمل الأسلحة ورفضنا لها، فقد تجلت قدرات المؤلف بالذات عندما عرض لجوانب التأثير التي باتت تمارسه جماعات الضغط لصالح انتشار إحراز الأسلحة على مجريات وقرارات السياسة الأميركية، حيث توضح الصفحات كيف أصبحت «جمعية البندقية» قوة سياسية يحسب لها كل حساب في اتخاذ القرار السياسي بالولايات المتحدة.

وكيف عمد أركانها وقادتها إلى بسط نفوذهم الذي امتد من دنيا السلاح إلى مجالات الرعاية الصحية وحملات تمويل المرشحين بل لم يتورعوا عن التداخل حتى في عمليات تعيين قضاة المحكمة العليا، رغم أنها أعلى مستوى قضائي في البلاد. بيْد أن المؤلف يستدرك في هذا السياق موضحا أن هذا الاستشراء في نفوذ «جمعية البندقية» حدث في عام 1977 بعملية انقلاب في قيادتها أدت إلى تولي مقاليدها بيد فريق المتشددين تعصبا لحمل السلاح ونشره بين أيادي الأميركيين على اختلاف المستويات والأعمار والثقافات.

وكان هذا اتجاها نحو اليمين المتشدد، وهو أشبه، كما يحذر كتابنا أيضا، بالاتجاهات المستجدة مؤخرا في المشهد السياسي الأميركي متمثلة في جماعات «حزب الشاي» التي يرعاها الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة بكل أجندته المتعارضة مع مصلحة جموع البسطاء والفقراء وأفراد الطبقة الوسطى في البلاد.

يخلص المؤلف مع السطور الأخيرة من الكتاب إلى التحذير ممن يسميهم «مجانين السلاح» الذين يشغفون بتبادل وإحراز آلات الدمار بدعوى الدفاع «المشروع» عن النفس والممتلكات، وهو يقارن بداهة بين أيام الغرب المتوحش خلال القرن التاسع عشر، حين كان العيار منفلتا وسلطة الدولة شبه غائبة والمجتمع تكاد تحكمه عصابات مسلحة، وبين ما آلت إليه الأحوال مع ألفية جديدة أثبتت فيها الدولة وجودها ومفروض عليها أن تؤكد هيبتها، شريطة أن لا تترك الدولة قراراتها وسلوكياتها نهبا لجماعات المصالح التي ما برحت تدعو إلى نشر السلاح، وهو ما يؤدي كما حدث فعلا إلى مصارع الأفراد بل إلى عمليات الإرهاب الداخلي التي طالما روعت الآمنين بين حين وحين.

 تأليف: آدم وينكلر

عدد الصفحات: 361 صفحة

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة نورتون، نيويورك،2011