يعد هذا الكتاب من أحدث الكتب صدوراً في الولايات المتحدة، ومن أهمها بالنسبة إلى التعمق الموضوعي والإحاطة الميدانية والخبرة المباشرة والعملية بموضوعه،الذي يتناول بداهة تطورات الأمور في مصر العربية منذ أحداث الانتفاضة الوطنية التي بدأت شرارتها في ميدان التحرير في قلب القاهرة، متزامنة مع ما درج عليه النظام السابق في البلاد من احتفال سنوي بعيد الشرطة في 25 يناير من كل عام.

على أن الميزة الجوهرية في هذا الكتاب أنه لم يتبع منهج الوصف  بقدر ما اعتمد منهج تقصي المسار الزمني والتطور التاريخي للأحداث، فكان أن رسم خلفية انتفاضات شعب مصر العربي منذ الإرهاصات الأولى خلال حركة أحمد عرابي ضد الخديوي توفيق في ساحة أخرى من ساحات القاهرة وهي ميدان عابدين، وكان ذلك يوم 9 سبتمبر عام 1881.

ثم يواصل المؤلف تقصّي مسار الحركة الوطنية في البلاد، وخاصة تحت شعار مصطفى كامل ولطفي السيد وهو »مصر للمصريين« الذي تمت ترجمته إلى واقع نابض بالحياة - ثورة 23 يوليو 1952 وقيادة جمال عبدالناصر الذي يرصد المؤلف بموضوعية علمية عدداً من منجزات حقبته وأهمها الانتصاف للفقراء ومضاعفة دخل العاملين في مختلف القطاعات، وخاصة خلال السنوات الفاصلة بين منتصف عقد الخمسينات وأواخر عقد الستينات، إلى أن تحولت مصر  كما يقول المؤلف الأميركي إلى »مصرييْن« من حقبة السادات إلى حقبة مبارك، وهو ما أسلم إلى تفاعل عوامل الانتفاضة والتمرد الذي لاحت أولى تباشيره حتى مع انتفاضة الطلاب في حقبة ناصر في فبراير عام 1968.

في سنة 1884 انعقد في العاصمة الألمانية البروسية برلين مؤتمر شهير ضم القوى الغرب أوروبية التي كانت تتلمظ وقتها للاستيلاء على أجزاء من القارة الإفريقية بعد أن تسامع القوم بما تحوزه تلك القارة السمراء والعذراء أيضا من ركازات معدنية ثمينة وموارد مائية وامكانات زراعية بغير حدود.

حمل المؤتمر اسما مازال مسجلا في دفتر التاريخ الحديث وهو: التسابق من أجل إفريقيا، وبعد انقضاء نصف قرن من ذلك الزمان، وبالتحديد في عام 1938 صدر في انجلترا كتاب مهم من تأليف »جورج أنطونيوس« يتعلق هذه المرة بالعرب بوصفهم أمة وثقافة وتاريخا ومستقبلا، وحمل الكتاب العنوان التالي: اليقظة العربية، ثم انقضت من بعد فترة زمنية قوامها 30 سنة بالتمام والكمال ليأتي عام 1968، فيشهد في فرنسا انتفاضة شباب السوربون وسائر الجامعات الفرنسية بوجه الزعامة التاريخية التي كان يجسدها وقتئذ الجنرال »شارل ديغول«.

ومن ثم تنداح آثار هذه الانتفاضات إلى أقطار شتى في الشرق والغرب (منها مثلاً انتفاضة الطلاب والشباب في مصر اعتراضا على أحكام الطيران المخففة بحق قادة السلاح الجوي المصري في أعقاب نكسة يونيو 1967، إلى أن وصلت آثار هذه الانتفاضات إلى تشيكوسلوفاكيا التي هبّت قطاعات شتى من أبنائها رافعة شعارات الرفض لديكتاتورية النظام الشيوعي التي كان مفروضا على تلك الأصقاع من شرق أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورغم أن الدبابات السوفيتية دخلت وقتها العاصمة التشيكية براغ كي تخمد هذا التمرد الرافض إلا أن الانتفاضة التشيكية كانت قد دخلت التاريخ المعاصر باسمها الشهير:ربيع براغ أو الربيع التشيكي.

نحن إذن إزاء منظومة من التعابير والمصطلحات التي باتت تشكل جانبا جوهريا من الزاد أو التكوين المعرفي لأي مثقف واع ومتابع لأحوال المراحل الحديثة من عمر هذا العالم الذي نعيش فيه.

 

مفردات المنظومة

هي المنظومة التي تجسدها مصطلحات من قبيل السباق أو الصراع من أجل إفريقيا + اليقظة العربية + ربيع براغ أو الربيع التشيكي.

لا عجب إذن أن نتصور أن مراقبي المشهد المصري على مدار العام الحالي كانوا يصدرون بالوعي أو اللاوعي عن هذه المنظومة التعبيرية، حين اختاروا لوصفها تعابير من قبيل »الربيع العربي« تأسيا بربيع براغ، رغم أن الستار لم يفتح عن أول فصول هذا المشهد إلا في عز شتاء عامنا الراهن (25 يناير على وجه التحديد) وبعضهم استخدم مصطلح »اليقظة العربية« في إحالة بديهية إلى كتاب المفكر العربي »جورج أنطونيوس« الصادر كما ألمحنا في عام 1938 مستعرضا بوادر وآليات حركة الانبعاث العربي ثقافيا وسياسيا بعد أن تحرر معظم الوطن العربي، وخاصة في مشارقه من مواريث الحكم العثماني الذي كان قد دام نحوا من أربعة قرون من عمر الزمان.

وعندنا أن مؤلف كتابنا، الكاتب والمحلل السياسي الأميركي »ستيفن كوك« كان متأثرا بدوره بشعار »الصراع من أجل إفريقيا« حين اختار عنوانا لكتابه مجسدا في العبارة التالية: النضال من أجل مصر. ولكن الكاتب الأميركي ما لبث أن نبّه قارئيه إلى أنه كان كفاحا داخليا بالدرجة الأولى، ومن ثم جاء العنوان الفرعي للكتاب موضحا أن المؤلف معنيّ في الأساس بمسير ومصير التاريخ والتطور السياسي بالذات في مصر، منذ حقبة جمال عبدالناصر في الخمسينات وإلى حلول بوادر الربيع المصري العربي في الأسبوع الأخير من شهر يناير من عام 2011.

ولمزيد من الإبانة، وربما لإشعار القارئ بأن المؤلف متابع بدقة للشأن المصري، فلقد استخدم »ستيفن كوك« عبارة ميدان التحرير (كتبها بحروفها العربية) تعبيرا عن كون الميدان الفسيح في قلب القاهرة صار رمزا ديناميا أو تجسيدا حيا لكل المشاهد والمتغيرات، وأيضا لكل الآمال والطموحات التي تراود ملايين العرب في حياة أوسع حرية وأوفر كرامة وعدلا وتطلعا إلى آفاق المستقبل.

سبعة فصول بخلاف المقدمة - تشكل فيما بينها متن هذا الكتاب، تبدأ أولها بشعار »مصر للمصريين« وهو شعار الحركة الوطنية التي شهدتها مطالع القرن العشرين ابتداء من حركة الزعيم المصري الشاب »مصطفى كامل« إلى أن نضج الشعار من خلال الدعوة التي رفع لواءها الأب الروحي للحركة الثقافية السياسية في مصر العربي وهو »أحمد لطفي السيد«.

 

حكاية ضابط شاب

وكم ناضل الكثيرون في محاولات شريفة ودؤوبة لترجمة هذا الشعار في عالم الواقع، تحريراً لمصر، سواء من المحتل الانجليزي أو من الأسرة الحاكمة الألبانية الأصل، لكن تشاء الأقدار أن تتحقق هذه الترجمة على يد ضابط شاب عاش، كما يقول كتابنا (ص10)، بين تاريخين فاصلين في حياته: الأول كان زمانه في ديسمبر عام 1948 وكان مكانه منطقة الفالوجة الفلسطينية في صحراء النقب، والثاني كان مكانة في ميدان عابدين بالقاهرة فيما كان الزمان هو صبيحة الأربعاء 23 يوليو عام 1952. وبديهي أن هذا الضابط كان جمال عبدالناصر.

هنا يتوقف المؤلف ملياً عند تحليل شخصية عبدالناصر (ص41) محاولا وصف أبعادها بموضوعية أميركية بالدرجة الأولى - بمعنى أنها لا تخلو من قسوة التحليل، وخاصة حين يتصور شخصية الزعيم المصري العربي (الراحل) بأنها كانت كما يقول »ستيفن كوك« مزيجا معقدا من الحركة السياسية والقدرة التآمرية ونفعية انتهاز الفرص في إطار من الكفاءة القيادية. لا ينسى المؤلف في السياق نفسه أن يشير إلى ما وصفه بأنه بالجوانب الوطنية القومية في شخصية عبدالناصر، فضلا عما يسميه »كوك« بأنه التزام »ناصر« إزاء قضية العدل، وهو ما دفعه إلى المبادرة غداة 23 يوليو إلى إنصاف فقراء الفلاحين في مصر بإعلان مشروع الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأرض لصالح جماهير الفقراء الذين كانوا يكدحون في زراعتها.

 

إنجازات واحتجاجات

هذه الانعطافة في موضوع الكتاب تقود المؤلف وقارئيه، بالطبع، إلى الفصل الذي يتناول فيه صعود نجم »الضباط الأحرار«. وفي إطار هذا الصعود يسلّم المؤلف بما طرأ من تحسّن على اقتصاديات مصر خلال الحقبة الناصرية منذ أواخر الخمسينات ومطالع الستينات بفضل تحولات جذرية حدثت من نظام إقطاعي بالأساس إلى نظام (أفضل) تقود دفّته الدولة ذاتها، وفي هذا الإطار (ص71) زاد الناتج المحلي الإجمالي زيادة مشهودة أو مثيرة (درامية بتعبير المؤلف)، فيما كان دخل الفرد في مصر يتحسن بصورة متواضعة وإن كانت مطردة قبل أن يشهد انخفاضا ملحوظا في عام 1966 ولكنه ما لبث أن استرد عافيته في عامي 1968 و1969، والمهم أن السنوات الخمس عشرة الفاصلة بين »انقلاب 1952« (تعبير المؤلف) وبين حرب 1967 شهدت زيادة بمقدار الضعف في دخْل العاملين المصريين سواء كانوا يعملون في القطاع المهني أو التجاري أو الكتابي الإداري في الاقتصاد المصري.

 

الرحيل وانقسام مصر

في سبتمبر 1970 رحل عبدالناصر إلى عالم البقاء، ظل الرجل في حياته وبعد رحيله أقرب إلى الرمز أو الأيقونة، حسب تعبير مؤلف الكتاب (ص110)، كان قد قّدم للمصريين هدية تجسدت في بلد مستقل استطاع أن يتحول في سنوات قليلة من بلد تحتله بريطانيا إلى صوت مؤثر ونافذ في العالم النامي. هنا يتحول المؤلف إلى الفصل الرابع من الكتاب الذي اختار له عنوانا مألوفا في أدبيات السياسة المصرية العربية المعاصرة وهو: بطل العبور.

وبديهي أن التعبير أصبح اللقب المفضل لدى خليفة ناصر الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وخاصة بعد نجاح السادات في قيادة معارك أكتوبر 1973 ضد اسرائيل.

من هنا يعمد كتابنا إلى متابعة تطور الحقبة الساداتية ما بين محاولة إزاحة تراث سلفه إلى إطلاق وعود الرخاء والانفتاح الاقتصادي التي حفلت بها خطبه وأحاديثه إلى قوانين العيب التي حرص على إصدارها تقربا من فصائل القوى التي رفعت الشعارات الدينية ولقيت تشجيعا من جانب أقرب معاوني الرئيس السادات، إلى علاقات الرئيس المصري بالسياسي الأميركي »هنري كيسنجر« مما أفضى إلى اتفاقات كامب ديفيد الشهيرة ومن ثم الصلح والتطبيع مع اسرائيل، ثم يتوقف تحليل المؤلف لهذه المرحلة التي استغرقت عقد السبعينات بأكمله لتنتهي عند حدثين محوريين وقع أولهما في 5 سبتمبر عام 1981 حين أودع السادات في السجن أهم القيادات السياسية والدينية في بلده، والثاني في 6 أكتوبر من العام نفسه حين لقي السادات مصرعه فوق منصة العرض العسكري عند طريق النصر شرقي القاهرة.

بعدها يتحول الكتاب إلى الفصل الخامس، وربما يكون أهم الفصول حيث اختار له المؤلف عنوانا لا يخلو من دلالة وإن جاء متأثرا بقصة مدينتين الشهيرة للروائي الانجليزي »تشارلس ديكنز« والعنوان هو: »قصة مصرييْن« بمعنى أن كان هناك مصر الأولى ومصر الأخرى.

والمعنى الأدق والأوسع أن انقسمت مصر في الحقبة الثالثة التي ترأسها بل تسيدها حسني مبارك وعلى مدار 30 عاما إلى طبعتين أو عالميْن. كان هناك »مِصْران« كما قد نقول بعد أن وقع التصدع أو الانقسام الشديد ومن ثم الخطير بين مصر النظام والتزوير وحكم الأقلية الاوليجاركية المستفيدة استغلالا وتربحا في إطار ما أصبح يعرف بداهة تحت مصطلح »اقتصاد المحاسيب«، وبين مصر الأخرى التي ظلت تعاني من حياة الشقاء والقنوط والتعاسة في فيافي الأرياف وعشوائيات الحضر في طول البلاد وعرضها على السواء.

 

من تونس إلى ميدان التحرير

في هذا السياق يوضح المؤلف كيف حل عقد التسعينات ليشهد حسني مبارك وهو يخطو نحو عقده الثامن وسط شائعات وتلميحات بل وغمزات تتناول ما تبقى من قدرات الرئيس الفكرية ومؤهلاته على مواصلة القيادة، فيما استجدت على المسرح شخصية نجله »جمال« ومن حوله ثلة من المنتفعين والمهللين ومن فوقهم تتطاير شعارات ودعوات التوريث.

من هنا كان طبيعيا أن يفضي هذا كله، وبمنطق الأشياء - إلى الحادثة الظاهرة أو الوضعية التي اختارها المؤلف عنوانا للفصل السابع الأخير من هذا الكتاب: الانتفاضة

يذهب المؤلف إلى أن المعركة التي نشبت صراعا حول قضايا السياسة في مصر ومحاولة استرداد وتأكيد روح مصر وجوهر حياتها سبقت ما شهده شهر فبراير 2011 (تنحي رئيس الجمهورية).

ثم يوضح »ستيفن كوك« أن روح التمرد على المتحكمين في مقاليد البلاد كانت قد بدأت مع انتفاضة (ثورة) أحمد عرابي ضد الخديوي توفيق في سبتمبر عام 1881، لكن الأوضاع كانت قد نضجت وتهيأت للانفجار رفضا لأساليب إدارة دفة الأمور في نظام حاكم آخر اسمه حسني مبارك، وخاصة بعد تزييف الانتخابات واتساع الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، وتدهور القدرات الصحية والذهنية للرئيس نفسه وطرح مقولات التوريث، مع ما تزامن مع هذا كله من قيام حركة الاحتجاج المدني تحت مسمى »كفاية«، وهو ما ارتبط مع عودة ودعوة مواطن مصري حامل لجائزة نوبل العالمية اسمه »محمد البرادعي«، ومع اتفاق فصائل الناصريين والمستقلين والوفديين والإخوان المسلمين على إنشاء »حكومة ظل«، إلى أن جاء يوم الاحتفال بعيد الشرطة في 25 يناير 2011.

ورغم أن الاحتفال المذكور كان أمرا معتادا منذ سنوات، إلا أن العنصر المستجد هو أن هذا التاريخ جاء بعد 11 يوما فقط لا غير من انتفاضة تونس وطْرد رئيسها إلى خارج الحدود.

والبقية أصبحت معروفة بفضل ما سُلط من أضواء على تسلسل الأحداث التي اندلعت من ميدان التحرير بالقاهرة.

لكن الذي ليس معروفا هو ما يتعلق ببقية مراحل المسار، المقدر أن تسلكه مصر في مستقبل الأيام: ثمة إشارات تلوح في الأفق كما يقول المؤلف (ص307)، وهي إشارات مختلطة بين وعود التغيير الديمقراطي وبين خطورة التحول إلى نظام تسلطي، ومع هذا كله يضيف ستيفن كوك- فثمة أمر ما برح غاية في الوضوح وهو: أن النضال من أجل مصر مازال متواصلا.