صدر هذا الكتاب مع إطلالة خريف عام 2011 الحالي، وفي فترة ما زالت تشهد تحركات وانتفاضات اجتماعية يعبر فيها منظموها في مناطق وول ستريت نيويورك وفي ولايات شتى من أميركا عما أصاب جموع الناس هناك من عواقب الأزمة الاقتصادية التي نجمت أساساً عما أصبح يعرف باسم طمع الشركات ونزعة مديريها ورؤساء مجالس إدارتها إلى تضخيم ثرواتهم وزيادة ما يتمتعون به من امتيازات.

وجاء ذلك على حساب أجيال من البشر الذين ظلوا يعانون البطالة وعدم الاستقرار المعيشي على مدار السنوات الأخيرة، وخاصة منذ اندلاع أزمة الديون العقارية في عام 2008. وقد اختار المؤلف أن يركز على عوامل يراها من الأهمية بمكان في هذا الخصوص، وهي العوامل الحضارية، أو العوامل غير المادية التي لا تصّب بالضرورة في مسار الاقتصاد رغم كل أهميته في هذا السياق.

وفي هذا الخصوص عمد المؤلف إلى انتقاد نفوذ الشركات والمؤسسات الكبرى ودورها في تمويل حملات انتخاب القادة الذين لا يلبثون ينطقون باسم مصالحها على اختلاف المواقع في المجالس النيابية.

كما طرح المؤلف 7 نصائح رآها بالغة الأهمية من أجل تعديل المسار الاقتصادي الحكومي الاجتماعي في بلاده، فضلاً عن توجيه الانتقاد إلى نزعة الإفراط المسرف وغير المسؤول لدى مواطنيه في استهلاك كل شيء؛ ابتداء من الطعام، وليس انتهاء بساعات مشاهدة التلفزيون.

 

تكاد جمهرة المحللين تتوافق على أن هذا الكتاب يصدر كي يشكل في نهاية المطاف ما يمكن وصفه بأنه خارطة طريق يجهد المؤلف في أن يرسم معالمها كي يوضح لأميركا البلد الذي ينتمي إليه معالم السبيل إلى استعادة موقعها الفاعل في الداخل ومكانتها المؤثرة في خارج الحدود.

ولا يملك القارئ المتمعن سوى أن يربط بين مضمون الكتاب الذي نطالع صفحاته في سياقنا الحالي وبين التوقيت الذي صدر فيه.

فها هو كتابنا يصدر وسط أنواء العواصف السياسية التي باتت تجتاح المشهد الأميركي الراهن، وتنطلق أعاصيرها من مواقع باتت تتردد أسماؤها في طول العالم وعرضه ما بين وول ستريت إلى أوكلاند إلى أماكن أخرى، وخاصة إلى الشرق والشمال من الولايات المتحدة (ما زالت الأمور هادئة ومستقرة، أو شبه مستقرة في مناطق الغرب الأميركي حيث كاليفورنيا وجاراتها.

ويرجع الفضل في ذلك، على نحو ما يجمع عليه المراقبون في أميركا إلى وجود مواقع سوبر متقدمة وسوبر واعدة، وخاصة ما يتصل بفرص العمل ومن ثم امكانات الاستقرار الاقتصادي والتقدم التكنولوجي ولاسيما في وادي السيليكون الشهير الذي أصبح نموذجاً يحتذى بكل مقياس للتقدم العلمي الفائق والتطبيقات التكنولوجية التي تستند إلى أحدث المنجزات وأهم المبتكرات في دنيا تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي يعد الحاسوب الإلكتروني محوراً لها.

 

الأزمة والعولمة

وفضلاً عن أهمية توقيت صدور الكتاب، فما زالت طروحاته تحوز الاهتمام، أولاً لأن مؤلفه أكاديمي بارز أضاف إلى ثراء خلفيته العلمية تجربة حافلة في العمل سنوات عديدة في سلك المنظمات الدولية، وثانياً لأن التشخيص الذي طرحه على صفحات كتابه (325 صفحة) لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية؛ بمعنى الجوانب المادية البحتة من أزمة أميركا في الوقت الحالي.

ولكن تشخيص البروفيسور ساكس امتد ليشمل الجوانب الأخلاقية والروحية اللامادية من الحياة الأميركية، وخاصة في زمن العولمة التي تحتاج من الدارسين بل ومن عامة المتابعين مزيدا من الإمعان في المتغيرات التي جاءت بها إلى حياة الناس.

من هنا يعمد المؤلف إلى إهداء كتابه إلى والديه لأنهما يجسدان في تصوره الشخصي طبعا تلك القيم التي يراها غائبة أو غائمة في الحياة والحضارة المعاصرة بشكل عام، ويلخصها في القيم المحورية الثلاث التالية: العدل والتراحم والسعادة.

هي قيمة العدل بالدرجة الأولى، تلك التي بات الناس يفتقدونها في المجتمعات التي ما زالت تصنَّف في خانة التقدم والرفاه والثراء، وفي مقدمتها مجتمع أميركا على سبيل المثال.

من هنا يقسم المؤلف مقولاته في هذا الكتاب إلى بابين أساسيين. الباب الأول ويتألف من 8 فصول ويحمل العنوان التالي: الصدمة الكبرى (بمعنى الصاعقة أو الفادحة).

وهذا الباب معنّي أساسا بتشخيص الأدواء التي بات يعاني منها المجتمع الأميركي، وأهمها ما يلي: (ونحن نحيل حرفيا إلى عناوين فصول هذا الباب الأول: ضياع الرفاهية أكذوبة (أوهام) السوق (الرأسمالية) الحرة انقسام الأمة (بين الذين يملكون احتكاراً والذين لا يملكون حرماناً إذ تلوح أمامهم أشباح البطالة والفقر وفقدان السكن المعيشي المعقول) ظاهرة العولمة الجديدة (بكل تحدياتها) المجتمع (الأميركي) الذي بات يعاني آلام التشتت وخطورة التصدع والانشطار.

وبديهي أن البروفيسور جيفري ساكس يحسن صنعاً في تصورنا عندما لم يقصر جهوده في الكتاب وهو ما يفعله كثيرون على مجرد التشخيص وإعادة التشخيص وكفى، إن مؤلفنا لا يفرغ من مرحلة التشخيص بكل صراحتها ودقتها وأمانتها مع النفس ومع الواقع، إلا ويتحول إلى الباب الثاني الذي يكاد يفوح بالوعد أو الأمل عبر فصوله الخمسة.

الطريق إلى الرخاء يتخذ الباب الثاني عنواناً يقول بالتالي: الطريق إلى الرخاء. وتمضي فصوله كي تتناول موضوعات من قبيل المجتمع الواعي بمعنى المجتمع المسؤول، ومن قبيل إدراك أن للتحضر والتقدم ثمنا يتعين أن يدفعه الفرقاء المعنيون، فضلا عن ضرورة الوعي بالتحديات المستجدة والجوهرية التي جاءت بها سنوات الألفية الجديدة بكل ما واكبها من تغيرات على خارطة النفوذ السياسي والمَنَعة الاقتصادية في عالمنا (تأمل مثلاً تحوّل دولة مثل الصين من كيان بدأ منبوذا في منتصف القرن الماضي، ثم أصبح متفاعلا مع آخر عقود القرن المذكور.

بل تحوّل إلى حيث فرض نفسه مع سنوات القرن الجديد إلى أن جاء مفتتح هذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ليشهد المجامع الأكاديمية والدوائر السياسية والاقتصادية في أميركا وهي تصوغ توصيفا حافلا بالدلالة وبالتوتر أيضا كي يصدق على صين الفترة القريبة القادمة وهذا الوصف يقول بالحرف ما يلي: الصين: القوة العظمى الحتمية.

ويختتم كتابنا بفصل بالغ الأهمية، يحاول فيه المؤلف بلورة محاور سبعة يتصورها لازمة لصلاح ونجاعة مؤسسات وأساليب الحكم في بلاده، ونلاحظ أنه يركز في مقدمة هذه الروشَّتة على دور المؤسسات المالية الكبرى والكيانات الاقتصادية العملاقة في أميركا تلك التي تتدفق من خزائنها سيول من الأموال التي يتم إنفاقها على شكل تبرعات أو هبات، الخ، من أجل نجاح (أو فشل) ممثلي الشعب في مجلسي النواب والشيوخ وأيضا في مجالس الولايات وسائر وحدات المحليات، وطبعا لابد من ترجمة هذا الثمن المدفوع إلى ميزات وامكانات يجنيها من يدفعون، وهو ما يتم في الغالب على حساب مصالح العامة والبسطاء من مواطني الولايات المتحدة.

 

قالت المحكمة العليا

هناك بالطبع من يذهب إلى أن هذه المؤسسات والاحتكارات العملاقة تصب أموالها وعطاياها في شرايين المجتمع في التحليل الأخير. لكن مؤلفنا يحيل في هذا السياق بالذات (ص237) إلى فتوى صادرة عن المحكمة العليا في الولايات المتحدة، وتقول في هذا الخصوص ما يلي: صحيح أن هذه الشركات الكبرى تقدم مساهمات هائلة إلى مجتمعنا، ولكنها لا تمثل في واقع الأمر أعضاءً ينتمون إلى هذا المجتمع.

ولقد نعلق من جانبنا موضحين أن الفيصل كما تراه أعلى سلطة قضائية في أميركا إنما يتعلق أساسا بالانتماء الوطني. ومن هنا تمضي الفتوى القضائية كي تضيف قائلة: إن الموارد المالية والهياكل القانونية والتوجهات العملية لتلك الشركات (والمؤسسات العملاقة) إنما تثير شواغل مشروعة تتعلق بالدور الذي تقوم به هذه الشركات في العملية الانتخابية.

في ضوء هذا كله، وربما لتبسيط هذا كله، يعمد مؤلف الكتاب على نحو ما ألمحنا إلى نصائحه السبع التي يتصور أن من شأن الأخذ بها وتفعيل مضامينها أن يفضيا إلى نمط رشيد أو شبه رشيد - من أنماط الحكم في الولايات المتحدة. والنصائح السبع تجري على النسق المبسط التالي:

(1) وضع أهداف دقيقة ورسم منطلقات وغايات واضحة.

(2) حشد وتعبئة الخبرات التي لابد من الإفادة من طاقاتها في شتى المجالات.

(3) وضع خطط طموحة للتنفيذ تستغرق سنوات عدة.

(4) الوعي المستمر بآفاق المستقبل البعيد وما ينطوي عليه من مستجدات وتطورات.

(5) إنهاء سطوة أو تحكم الشركات في مقاليد وتوجهات الحكم (هذه النزعة التحكمية يصطنع لها المؤلف مصطلحاً مستجداً على معجم العلوم السياسية وهو كوربوراتوكراسي، وهو الأقرب إلى معنى سيطرة أو حكم الشركات والمؤسسات.

(6) استعادة نفوذ الإدارة العامة (التي تتوخى صالح أوسع قواعد المواطنين دون الاقتصار بداهة على المصالح الخاصة فئوية كانت أو فردية).

(7) الأخذ بنظام اللامركزية (وهو يقضي بعدم تركيز أو تكثيف السطوة والنفوذ وصنع القرار في يد فرد أو فئة أو حتى سلطة مركزية).

 

الإرادة السياسية

وبدهي في تصورنا أن مثل هذه النصائح إنما تحتاج في المحل الأول إلى توافر إرادة سياسية من أجل الأخذ بها وتفعيل مضامينها، وبدهي كذلك أن مثل هذه الإرادة السياسية لن تتوافر أو تتحقق إلا مع توافر نوع من التوافق الوطني بين أفراد أي شعب أو أية أمة في زماننا.

لكن مؤلف الكتاب يرى أن ثمة انقساما أصاب شعبه وبلاده، وخاصة بشأن مدى صلاحية ونجاعة الأخذ بنظام الرأسمالية المنفلتة أو المتحررة من أي قيد، حتى ولو كان قيد الحكومة القومية المفروض أن تمارسه الحكومة بوصفها السلطة المسؤولة عن الإدارة الكلية للاقتصاد والسياسة والشأن الاجتماعي بشكل عام.

في هذا الخصوص يرى المؤلف (ص30) أن أول ما وجه إلى هذه المؤسسة الحاكمة والمسؤولة من سهام جاء مع رئاسة رونالد ريغان في عام 1980، الذي نادى يومها بالعمل على تهميش دور الحكومة وتحجيم ما تضطلع به من مسؤوليات، وهو ما أفضى بداهة إلى تضخيم بل واستشراء دور الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة بكل ما يصدرون عنه من أجندات ترمي إلى تحقيق أضخم ربح ممكن في أقصر زمن متاح، دون اعتبار لأي عوامل أخرى تتعلق بمصالح جموع المواطنين.

يقول المؤلف في هذا السياق: مع هذا كله فالأثر الرئيسي لثورة ريغان لم يكن يتمثل في مجرد طرح سياسات جديدة، بل جاء مجسدا في تلك المواقف والسياسات لدور الحكومة ومسؤولياتها، فضلا عن عدم اكتراث (بمعنى احتقار أو ازدراء) لجموع المواطنين الفقراء الذين كانوا يعتمدون على الحكومة من حيث دعم معايشهم، ثم واكب هذا الموقف دعوة للأغنياء للتنصل من مسؤوليتهم الأدبية (الأخلاقية) إزاء بقية المجتمع (الأميركي).

والحاصل يضيف المؤلف أن الرئيس ريغان ساعد على غرس المفهوم الذي يقول إن المجتمع يمكن أن يحقق أقصى فائدة، لا من خلال التأكيد على أهمية الدور البَّناء والمسئولية الاجتماعية التي لابد وأن يتحمل تبعاتها الأثرياء، ولكن من خلال العمل على خفض الضرائب التي يدفعونها (بدعوى) إطلاق العنان أمامهم من أجل إقامة وإدارة المشروعات الاقتصادية.

هكذا انقسم المجتمع الأميركي منذ حقبة ريغان على مدار الثمانينات إلى أغنياء وفقراء، وهكذا حق لمؤلف هذا الكتاب أن يدمع مجتمعه بآفة التشتت أو الانشطار والانقسام.

هنا نحمد للمؤلف أيضا أنه لم يقصر الأمر على مجرد انتقاد حقبة ريغان، التي ما برحت أيقونة الإعجاب بالنسبة لمفكري ومنظِّري وساسة الحزب الجمهوري حتى الآن، ورغم أن التوجه العام لمثل هذه النوعية من الكتب يتمثل في نوع من الانحياز، على نحو أو آخر، لجموع الفقراء، إلا أن مؤلفنا يحرص على موضوعية التحليل حين يوضح (ص133) أن من عوامل المشكلات التي ما برحت تواجه المجتمع الأميركي ما يتمثل في أن أفراد هذا المجتمع ما برحوا مشاركين في الخطأ، يصدق ذلك بالنسبة للأغنياء والفقراء على السواء.

يقول البروفيسور جيفري ساكس: لابد من القول في نهاية المطاف إن الأميركان هم الذين اختاروا قادتهم عند صندوق الاقتراع. ثم يضيف قائلا إن الأميركيين ظلوا يتصرفون على نحو قصير النظر إلى حد بعيد وهم يحاولون إدارة ميزانياتهم وتدبير معايشهم، والحق يؤكد مؤلف الكتاب أن الأميركيين سمحوا لأنفسهم بأن يقعوا ضحايا في براثن دعاية الشركات، فكان أن أساءوا التدبير، وكان أن سقطوا بشكل خطير في حمأة الديون، وهو ما أفضى بهم إلى إعلان الإفلاس في نهاية المطاف.

ومن عجب، كما يقول البروفيسور ساكس، أننا ما برحنا نشهد عشرات الملايين من الأميركيين ممن لا يزالون يكررون (آفة) الإفراط في الاستهلاك اليوم ثم إعلان ندمهم على هذا الإفراط في الغد. وهم يبالغون سرفا في أمور شتى: في المأكل، وفي الديون وفي المقامرة، بل ويسرفون حتى في مشاهدة برامج التلفزيون، بل يدفعهم هذا الإسراف إلى صنوف أخرى من آفة الإدمان.

 

نحو نوعيات أنفع للناس

المهم في الأساس هو مدى الشعور بالمسؤولية، ومن ثم الاضطلاع والنهوض بتبعاتها، هذا هو الجوهر الذي أدى بأميركا على مدار عقود مضت، ليس إلى إنتاج سلعة أفضل ولا تحقيق مردودات مادية أكبر، ولكن إلى إنتاج نوعيات أفضل وأرقى وأنفع من.. البشر.

وهنا لا ينسى المؤلف (ص263) أن يذكِّر قارئيه بأسماء أعلام أفادوا بلدهم ونفعوا البشرية بشكل عام، أعلام من قبيل، أندرو كارنيجي داعية السلام، ثم وارين بوفت الملياردير الذي يطالب بمزيد من الضرائب ومزيد من التبعات كي يتحملها الأغنياء، فضلا عن بيل غيتس الذي مازالت مآثر ابتكاراته التكنولوجية تفيد العالم، وما برحت توجهاته المؤسسية لفعل الخير تعم الملايين عبر الجنسيات والثقافات والقارات.

عدد الصفحات: 325صفحة

تأليف: جيفري ساكس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة أكسفورد لندن، 2011