هذا الكتاب يتناول بداهة أهم الفتوحات التي تمت على يد العرب المسلمين على صعيد رقعة شاسعة تنبسط من وسط آسيا وأصقاع شبه القارة الهندية، وتمتد إلى أقصى الشمال الأفريقي ومنه عبر المضيق وصولا إلى شبه جزيرة ايبيريا وعبورا آخر منها إلى حوض نهر الرون وجنوب فرنسا، وبينما تناول عنوانه الرئيس مسار وظروف ودوافع ونتائج هذه الفتوحات، التي انطلقت أساسا من مناطق القلب في شبه الجزيرة العربية، التي اختارتها السماء مهبطا للوحي المقدس وموئلا لظهور الرسالة المحمدية فقد اختار المؤلف عنوانا فرعيا للكتاب يقول بالتالي: كيف أدى الإسلام إلى تغيير العالم الذي نعيش فيه؟. والمعنى الذي يقصده المؤلف هو أن الفتوحات العربية الإسلامية لم تكن مجرد عمليات عسكرية، ولكنها كما يوضح الكتاب بتفصيل علمي واف أسفرت عن تغييرات حضارية وتحولات ثقافية أدت إلى توسيع رقعة عالم الإسلام والمسلمين بفضل اتباع آليات الحكم العادل وانتهاج سلوكيات التسامح العقائدي حيث طبق الفاتحون باستمرار قاعدة "لا إكراه في الدين". ومن إيجابيات الكتاب أيضا أن المؤلف يختار الرجوع إلى المصادر الأصلية ويتعمد الإحالة باستمرار إلى مراجع الكاتبين والمؤرخين الثقات من العرب والمسلمين مستعينا في ذلك بمعرفته للغتين العربية والفارسية وهو ما أضفى على الكتاب مصداقية معلومات الدرجة الأولى وأهمية المعارف المباشرة على نحو ما يقول به المؤرخون.
الفتوحات العربية التي يقصد إليها هذا الكتاب هي الفتوحات الإسلامية التي انطلقت من قلب شبه الجزيرة باتجاهات شرقها وشمالها ثم غربها عبورا للبحر الأحمر إلى حيث ألقت مراسيها الأولى على السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وعلى مشارف السواحل الشرقية للمحيط الأطلسي، فيما يوصف بأنه بلاد المغرب الأقصى.
ويتميز مؤلف هذا الكتاب البروفيسور "هيو كيندى" بأنه أمضى سنوات طويلة وجادة في تعلم اللغة العربية ومحاولة إجادتها ثم أضاف إلى ذلك تعلم اللغة الفارسية، وبهاتين الوسيلتين استطاع مؤلف كتابنا أن يمتلك إلى حد ملحوظ إن لم يكن مرموقا ناصية القدرة على عرض وتفصيل، وأحيانا سرد وتحليل وتفسير تلك الأحداث الكبرى التي شكلت منعطفات أساسية في مجرى التاريخ العالمي، كيف لا وقد حّولت العرب مع إرهاصات وتباشير فجر الإسلام من شعب متشرذم إلى حيث أصبحوا أمة طامحة متبلورة الكيان تمسك سيف الفتح في اليُمنى فيما تقدم أنساقا ثقافية وقيما أخلاقية في اليسرى.
في السياق نفسه يسجل المؤلف، من واقع دراساته للمراحل الأولى من انتشار الإسلام أن الأساليب الدبلوماسية، بمعنى محاولات التفاهم والتجاذب والتفاعل مع المسلمين الرواد وخاصة في حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كانت أكثر أهمية وأسبق فعالية من اللجوء إلى الغزوات المسلحة على مستوى شبه الجزيرة العربية.
ويضيف البروفيسور "كيندى" موضحا أن رسول الإسلام أجاد استثمار شبكة واسعة من العلاقات التي كان يستمدها من أصوله القرشية ومن استقامة شخصيته، حيث كانت هذه الشبكة، كما يؤكد مؤلف الكتاب، وليس السيف هي التي أدت إلى ظاهرة الوفود التي جاءت من بقاع قصية مختلفة في أنحاء شبه الجزيرة العربية كي تبايع النبي وتعلن دخولها أفواجا في العقيدة الجديدة بعد أن وجدت في تعاليمها ما كانت هذه الشعوب تطمح إليه من خلاص معنوي ومادي على السواء. صحيح كما يتصور المؤلف الإنجليزي أن المنعة العسكرية هي التي كفلت بقاء النواة الأولى لأمة الإسلام، ولكنها لم تكن الأداة الرئيسة في انتشار الدعوة المحمدية خلال حياة صاحبها عليه الصلاة والسلام.
من الرسول إلى الخلفاء
ويواصل المؤلف رصده وتحليله لتطورات الأحداث خلال الحقب الزمنية التي تلت عصر الرسول ومن بعده الخلفاء الراشدين موضحا أن الفتوحات الإسلامية في الأمصار والأقطار المحيطة بشبه الجزيرة إنما اعتمدت بالدرجة الأولى على أهل الصحراء، وهنا يستدرك المؤلف موضحا أن الصحاري العربية لم تكن كلها متماثلة ولا تتبع من ناحية الجغرافيا أو أساليب الحياة مسارا نمطيا واحدا، وإذا كانت شعوب الأنويت، الاسكيمو في الشمال القطبي لديها كما يقول مؤلفنا ألف كلمة وربما أكثر للدلالة على أنواع الجليد وأصناف الثلوج المحيطة ببيئات تلك الشعوب، فإن عرب الجزيرة كانت لديهم ولاشك أجرومية ثمينة ومتنوعة للدلالة على نوعية البيئات الصحراوية ما بين البوادي المقفرة ومغارات الربع الخالي إلى مناطق عيون المياه وواحات الزرع والنبات، حيث كان أهلوها يقيمون وينتجون ويتاجرون بقدر ما كانوا يقيمون مواسم الإبداع الشعري ويُصغون في أسواقهم وتجمعاتهم إلى أقوال الحكماء وأحيانا إلى سجع الكهان.
من هذه الخلفية التي امتزجت فيها لمحات التاريخ بأوضاع الجغرافيا، يتحول كتابنا إلى رصد وتحليل الفتوحات الأولى التي شهدها عصر ما بعد البعثة ابتداء بزمن الصديق ومن بعده ابن الخطاب، وخاصة ما يتصل بفتح الشام على يد خالد بن الوليد الذي يعزو إليه المؤلف توحيد فصائل الجيوش الإسلامية واستهلال عمليات فتح دمشق من بابها الشرقي مع مواصلة الانتصارات إلى فتح حمص وقنسرين ثم خوض جولات النصر الفاصلة في معركة اليرموك، وهو ما أضفى على ابن الوليد كما يضيف المؤلف "شهرة خاصة بوصفه قائدا عظيما ومازالت تحمل اسمه حتى الآن شوارع وساحات عديدة في جميع أنحاء العالم العربي المعاصر.
الإيمان هو الأساس
في هذا السياق يلاحظ المؤلف أن قوات المسلمين لم تكن تصدر بالدرجة الأولى عن منعة عسكرية من حيث العتاد والذخائر وسائر آلات الحرب ووسائل القتال، بقدر ما كانوا ينطلقون من واقع إيمان راسخ ومعنويات عالية جداً وروح وثابة تستشرف مستقبلا يزدهر فيه دين الإسلام باتساع رقعته وزيادة عدد المؤمنين برسالته في العدل والحرية، وذلك خلافا لما حاول بعض المستشرقين ومنهم برنارد لويس ترويجه من أكاذيب لتشويه الإسلام والمسلمين.
يكفي كما يضيف كتابنا أن دمشق كانت تحت حكم الروم البيزنطيين، وكان فتح المدينة الكبيرة يستوجب فرض الحصار على أسوارها، ولم يكن المسلمون يملكون فيما يبدو أي آلات يُعتد بها أو وسائل للحصار، فكان أن استعاروا السلالم الحربية المطلوبة، من دير مسيحي كان واقعا في جيرة العاصمة الدمشقية!
ثم يتحول منظور الكتاب إلى فتح فارس، حيث يسترعي اهتمام المؤلف الإنجليزي مشهد الحوار الذي دار بين القائد "رستم" جالسا على عرش مموه بالذهب وسط قاعة فخمة حافلة بالأرائك الوثيرة ومزينة بأفخر أنواع الأبسطة والسجاد، وبين المبعوث الموفد من القائد المسلم "سعد بن أبي وقاص" وكان اسمه "ربعي بن عامر التميمي". وهنا يحيل أيضا البروفيسور "هيو كيندى" إلى موسوعة مؤرخنا "ابن جرير الطبري" الذي وصف المبعوث المسلم بأنه جاء إلى "رستم" على فرس أشعث أغبر حاملا سيفا لامعا ولكن في غمد من قماش رخيص إضافة إلى درع حمراء مصنوعة من جلد البقر... الخ.
في بلاد ما وراء النهر
وربما جاء هذا على عكس ما لقيته الفتوحات الإسلامية في مناطق أقصى الشرق المفضية إلى أواسط آسيا، وهي مناطق ما وراء نهر جيحون (أو أموداريا) لدرجة أن اقتضى الأمر نحوا من 100 سنة كاملة فصلت ما بين فتح المسلمين منطقة "مرو" عام 651 للميلاد وبين عبور الكتائب العربية نهر جيحون في عام 751. وعلينا أن نلاحظ في هذا السياق بالذات كيف يستثمر مؤلف هذا الكتاب إجادته للغة الفارسية وإطلالته الأكاديمية على التاريخ والثقافة السائدة مما أعانه على رسم صورة شاملة بانورامية كما قد نسميها لمسار ونتائج الفتوحات العربية الإسلامية لمناطق ما وراء النهر، في خراسان وصولا إلى الأصقاع الواقعة في قلب القارة الآسيوية التي عاشت فيها شعوب شتى تستمد جذورها من الثقافات الفارسية والتركية والمغولية والآذرية، وهو ما أدخل الترك بالذات في بوتقة الإطار الإسلامي إلى حيث اندفعت تدفقات هجراتهم من وسط آسيا عبر بحر قزوين إلى سكنى هضبة الأناضول شمال شرقي البحر المتوسط وتأسيس دولة إمبراطورية تركية عاشت حتى عشرينات القرن الماضي تحت شعار "الخلافة العثمانية".
في هذا الإطار نصادف كقارئين علامات بارزة ومضيئة على الطريق"قتيبة بن مسلم" وفتح سمرقند في وسط آسيا (715 للميلاد) "أسد بن عبدالله" ثم "نصر بن سيار" بكل إسهامهما في توطيد ركائز الدولة والوجود الإسلامي في تلك الجهات التي كانت جديدة تماما على عرب شبه الجزيرة.
ويتوقف كتابنا بالتأمل عند ظاهرة انتشار مد الفتوحات العربية الإسلامية إلى أقصى الشرق وأقصى الغرب على السواء، وعلى الرغم من اعتراف مؤلف الكتاب بالقلة النسبية للمعلومات المتوافرة علميا بشأن فتح العرب المسلمين لمناطق السند في شبه القارة الهندية، إلا أنه يلمح إلى أن أرض السند طالما شغلت خيالات العرب الأولين بوصفها أرض العجائب والغرائب وموئل الكنوز النفيسة من الذهب والبخور والتوابل الثمينة وأعشاب الطبابة، أرض المنّ والسلوى كما كانوا يسمونها، وأرض فاكهة الموز التي كانوا يطمحون إلى تذوقها، ويوضح المؤلف أن العرب عرفوا اسمها من لفظة "سندهو" في لغة الهند القديمة السنسكريتية (وهي بالمناسبة اللغة الأم للغات الهندو- أوروبية المعاصرة) وفي إطار الحديث عن السند يلمع، بل يتألق اسم واحد من أقرباء "الحجاج بن يوسف"، هو "محمد بن القاسم الثقفي" بوصفه القائد الشاب الذي له الفضل في فتح بلاد السند وجعلها جزءا من عالم الإسلام والمسلمين.
وهنا يقرن مؤلفنا بين اسم "محمد بن القاسم" وأسماء قادة مسلمين كبار أدت إنجازاتهم إلى تحولات جذرية في مسار التاريخ، ومنهم مثلا "قتيبة بن مسلم" في خراسان. ثم منهم أيضا "موسى بن نصير" في أفريقيا و"طارق بن زياد" في الأندلس، وبفضلهم حققت المناطق جنوب وشمال البحر المتوسط التي يفصلها مضيق جبل طارق المعروف تقدما ناجحا على نحو مثير للإعجاب على حد تعبير مؤلف الكتاب فلم تكن قد انقضت سنوات خمس إلا وقد استطاع المسلمون من عرب وافدين من بلاد المشرق، وبربر من سكان أصقاع شمال أفريقيا أن يبسطوا سيطرة الجيوش الإسلامية على ما يكاد يكون شبه جزيرة ايبيريا.
إلى أسبانيا وفرنسا
ويواصل المؤلف متابعته التاريخية في هذا المضمار ليوضح كيف أن طموحات الفاتحين العرب المسلمين لم تكن لتقف عند جبال البرانس الفاصلة بين أراضي أسبانيا وفرنسا، بل ظلت قوات المسلمين تواصل شنّ هجماتها على وادي نهر الرون الذي يشق بدوره الأراضي الفرنسية، وطبعا لا يفوته أن يتوقف عند موقعة "بواتييه" المعروفة أيضا باسم موقعة "بلاط الشهداء" التي يصفها المؤلف أيضا بأنها تمثل ذروة الفتوحات العسكرية العربية للأراضي الفرنسية، ويرجع تاريخها إلى عام 732 للميلاد ومازالت تشكل علامة فارقة على الحدود التي انتهت إليها مسيرة تقدم الفتوحات العربية الإسلامية في رقعة غرب أوروبا، ويومها كان طبيعيا أن يردد الأوروبيون مقولة أن المسلمين، قد نالوا جزاءهم بعد أن تسببوا في تخريب بلاد الغال (بمعنى فرنسا).
وفيما تابع كتابنا عبر فصوله الأحد عشر مسار الفتوحات الكبرى التي شهدت غزوات المقاتلين المسلمين، فقد كانت هذه الفتوحات في مجموعها الغالب تدور فوق أديم اليابسة، وربما لهذا السبب اختار البروفيسور "هيو كيندى" أن يخصص الفصل العاشر (قبل الأخير) للحديث عن فتوحات المسلمين العرب في مياه البحر الذي كان جديدا بالطبع على أبناء البوادي وسكان الصحراء، ولكن المؤلف يتابع معركة "ذات الصواري" التي دارت في مياه البحر المتوسط زمن الخليفة الأموي "معاوية ابن أبي سفيان" عام 654 للميلاد وفيها حقق المسلمون انتصارهم بقيادة "عبدالله بن أبي السرح" وقد وصف المؤلف هذه النتيجة بأنها جاءت لتضع حدا لتفوق الدولة الرومانية الشرقية (بيزنطة) التي كانت تنعم بالهيمنة المطلقة على أرجاء البحر الأبيض المتوسط. ثم يوضح المؤلف كيف أن فتح أقطار شمال أفريقيا، ما بين تونس إلى المغرب الأقصى، وبخاصة بعد تأسيس دار صناعة السفن في تونس زاد اهتمام المسلمين بالبحر، وعمدوا إلى بناء السفن المدنية والحربية وتكوين الأساطيل وتدريب البحارة وبفضل هذا الاهتمام والتقدم المحرز في إطاره أمكن التوسع في الوجود العربي وأتيحت سبل انتشار الثقافة الإسلامية العربية وخاصة في جزر البحر المتوسط التي مازالت تواريخها حافلة بمجالي هذا التراث العربي المسلم وفي مقدمتها جزيرة رودس وجزيرة قبرص وجزيرة مالطة.
الكتاب: الفتوحات العربية الكبرى
عدد الصفحات: 568 صفحة
تأليف: هيو كيندى
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بارك ونفيلد

