سبق لمؤلف هذا الكتاب أن تعّرض لموضوع الفعل الإبداعي والشخصية الابتكارية في كتابه الصادر بعنوان: أطر العقل، وكان تركيزه في كتابه السابق على مناهج التحليل والصياغة النظرية، وها هو كتاب العقول المبدعة يأتي بمثابة تطبيق لهذا النهج النظري، وخاصة أنه اتخذ نماذجه كما يقول الكاتب الأميركي روبرت أورنشتاين على أساس اختيار عدد محدود من أعمق الشخصيات تأثيرا في القرن العشرين. وقد تتبع الكتاب عبر فصوله التسعة مسار بزوغ وتطور ونضج ملكات الابتكار ومواهب الإبداع على مستوى كل شخصية من تلك الشخصيات، التي أحسن المؤلف أيضا اختيار تنوعها ما بين أينشتاين في تخصص الفيزياء والرياضيات إلى سترانسفكي في الإبداع والتأليف الموسيقي، وما بين توماس اليوت في التجديد الشعري إلى حد التثوير، كما قد نقول، إلى فرويد الذي تُشكل تجديداته إضافات وربما فتوحات رائدة في مجالات العلوم النفسية وفي مقدمتها بالطبع أسلوب التحليل النفساني، هذا فضلا عن الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي الذي يفرد له هذا الكتاب فصلا حافلا يتابع فيه سيرته التي بدأت مع النشأة في جنوب أفريقيا، وتجلّت معالمها الابتكارية ومواهبها في مضمار الدعوة والمقاومة الوطنية من أجل تخليص الهند من الاحتلال الإنجليزي، الذي ناءت به الهند منذ آخر القرن الثامن عشر وحتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين.
سيول متدفقة من برقيات العزاء ومن رسائل الإعراب عن الأسف والحزن العميق اجتاحت الفضاء الالكتروني في طول الكرة الأرضية وعرضها ، وكلها تأسف لرحيل رجل واحد وافته المنيّة في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري، وقبل رحيل ستيف جوبز مؤسس منظومة آبل الالكترونية المعروفة كانت جهوده وابتكاراته تملأ ساحات الأرض وتشغل أجواز الفضاء بقدر ما ظلت تشغل بال واهتمامات الملايين من البشر على اختلاف الأعمار والمشارب والمستويات والجنسيات.
ولسوف تقال وتكتب عن سيرة هذا المبدع الأميركي المولود في الأساس لأب عربي وأم أميركية معلومات شتى وإشادات بغير حدود، ولكن جوهر المسألة سيظل في رأينا ملخصا في حقيقة محورية هي باختصار شديد: إن هذا الرجل كان موهوبا بعقل مبدع ووجدان مجبول على التجديد والابتكار. وإن هذا العقل المبدع أدى ببساطة شديدة إلى تغيير العالم. ومن هذه الحقيقة البسيطة يأتي اهتمامنا بالكتاب الذي نتعامل مع أبوابه الثلاثة وفصوله العشرة فيما يلي من سطور، وعنوان كتابنا هو: عقول مبدِعة.
وبديهي أن العقول المبدعة والشخصيات التي تجسّد الإبداع بأفكارها وطروحها هي التي تؤدي إلى تغيير العالم، إلى الأفضل بطبيعة الحال.
أسرار العقل البشري
يصدق هذا بصورة أو بأخرى على شخصيات وأسماء اختارها مؤلف هذا الكتاب، البروفيسور هوارد غاردنر، الذي يجمع في تخصصه واهتمامه بين علوم التربية وعلوم الطب النفسي والعصبي.
من هنا جاءت اهتماماته كما يتضح من سيرته الشخصية بأسرار المخ البشري تلك العطيّة العبقرية التي وهبتها رحمة السماء للبشر كي ترنو بهم بين حين وحين إلى استشراف مستقبل أفضل وأنبل.
الكتاب يسعى طوال صفحاته التي زادت على 460 صفحة إلى استكشاف وتحليل أو تشريح كما يقول المؤلف موهبة التجديد أو الابتكار التي اتسمت بها شخصيات كان لها، ومازال لها، تأثير بالغ العمق في تاريخ البشر، المعاصر بالدرجة الأولى.
في هذا المضمار نلاحظ أن المؤلف عمد إلى اختيار تشكيلة، أو فلنقل نماذج متنوعة من هذه الشخصيات أو العقول المبدعة: ما بين عالم السياسة (غاندي) إلى مجال العلوم الطبيعية (اينشتاين) ومن دنيا الموسيقى (سترافنسكي) إلى ميدان الإبداع الشعري (اليوت) وعالم الإبداع التشكيلي (بيكاسو). ويحز في النفس بطبيعة الحال أنه، وباستثناء الروح العظيم المهاتما غاندي فإن اختيارات هذا الكتاب ظلت مقصورة بداهة على شخصيات تنتمي إلى حضارة الغرب وثقافته. ومرة أخرى وباستثناء اينشتاين داعية النظرية النسبية المحسوب بصورة أو بأخرى على أميركا فإن أغلب الخيارات جاءت من أوروبا سواء من شرقها الروسي ممثلا في الموسيقار إيغور سترافنسكي أو من غربها ممثلا في الرسام الاسباني بابلو بيكاسو، أو من وسطها ممثَّلا في النمساوي رائد التحليل النفساني سيغموند فرويد.
عن عالمنا العربي والإسلامي
وقبل أن نرمي المؤلف بالتحيز أو نوجه إليه تهمة المركزية الأوروبية، كما يقول المصطلح المتواتر، فإن علينا في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وربما العالم الثالث بشكل عام، أن نندفع بمشاعر هي مزيج من الغيرة البناءة ومن التطلع الطامح إلى أن يكون لنا نصيب نحن أبناء الجنوب كما يسموننا من هذه العقول المبدعة أو هذه الشخصيات الابتكارية التي يزدان بعطائها سواء كان اتفاق القوم معه أو كان اختلافهم عليه، وجه الحياة في زماننا المعاصر.
وحسب النهج الذي اتبعه مؤلف هذا الكتاب فإن الشخصيات العقول المبدعة التي توقف عندها بالدرس والتحليل التشريح حسب تعبيره قد جاءت إبداعاتها كي يفيد منها سكان العالم بغير تمييز عند مرحلة بعينها أو عند جنسية أو منطقة بذاتها، وهو ما يضفي على مثل هذه النوعية من الدراسات بُعدا إنسانيا هل نقول عولميا في نهاية المطاف.
ونلاحظ منذ الفصول الاستهلالية من كتابه، أن المؤلف يذهب إلى أن ثمة خصائص مشتركة تجمع بين أصحاب العقول المبدعة، وبمعنى أن ليس ثمة سمة فريدة أو نسيج وحدها، ولدرجة أنه يرصد مرور 10 سنوات في كل حالة من حياة المبدعين المشمولين بالكتاب قبل أن تتجلى كرامات المبدع أو المبتكِر، وبمعنى أن المسألة لا تتمثل بالعموم في نبوغ مفاجئ وكأنه وحي منزل من أعلى، بقدر ما أن الأمر يستغرق ، كما يوضح مؤلفنا عقدا من السنين أو نحوه يشهد ما قد نصفه بأنه نضوج خمائر الإبداع أو تحوّل الابتكار من مرحلة استنبات البذور إلى ربيع البراعم ومن ثم ظهور الثمار اليانعة عند موسم القطاف.
والطريف أن المؤلف ركّز في بحثه على فترة قصيرة نسبيا من عمر عالمنا، ولكنها كانت ومازالت، حقبة بالغة الأهمية في رسم خارطة العالم الحديث وتشكيل القوى الفاعلة على ساحته، وهي بالذات فترة الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) وكانت كما يشير المؤلف هي مرحلة البزوغ أو التهيؤ للدور الذي كان مقدرا أن تؤديه كل من شخصيات هذا الكتاب (6 مبدعين من الرجال وتزيد عليهم مارتا غراهام(1894-1911) والتي تعد بدورها من رواد فن الكوريوغرافي أو فن الرقص الحديث).
التمرد الإيجابي
وينطلق المؤلف من مقولة أخرى تفيد بأن أهم ما اتسمت به سير وإبداعات هؤلاء الرواد هي أنهم، وقد ولد معظمهم مع أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن إبداعاتهم انطلقت من المبدأ الصحي والصحيح، الذي يقول إن ما سبق في مراحل الماضي من القرن المذكور كان ينبغي مفارقته ومخالفته وربما التمرد أو الثورة عليه باعتبار أن هذا التمرد الإيجابي هو السبيل الوحيد لإبداع أنساق جديدة واستشراف آفاق مبتكرة مع استهلال عقود القرن العشرين.
ويقضي منهج الكتاب أيضا بتدارس مثلث العوامل أو هَرَم العناصر التي شكلت مهادا ومنطلقا لابتكار كل من أصحاب هذه العقول المبدعة، حيث تتمثل قمة المثلث الهرم في المبدع الفرد نفسه: طفلا وأستاذا في مجاله، في حين يتمثل الضلع الأول من المثلث في مكِّونات البيئة الأسرية الاجتماعية والثقافية التي عاش فيها. ومن هذه المكونات كما يوضح كتابنا ، ما يمثله أفراد الأسرة ثم الأقران والنظراء والأصدقاء وصولا كما يقول المؤلف إلى سنوات النضج حيث يوجد المنافسون وأحيانا القضاة (على شكل النقاد والمحكمين) فضلا عن جموع المعجبين أو المؤيدين والأنصار، أما الضلع الآخر للمثلث فيجسده بالضرورة العمل الابتكاري أو المنتج الإبداعي بكل ما يتصل به من رموز ومحاور تتجلى حسب التخصص في المجال العام، سواء جاء هذا التجلي على شكل مقاومة وطنية ضد احتلال بريطاني للوطن بدأت حقبته من أيام القرن الثامن عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين (غاندي: 1869-1948) أو كان لوحة إبداعية تدين فظائع الحرب وتحمل اسم قرية إسبانية تعرضت لهذه الفظائع وحملت اسم غرنيكا (بيكاسو: 1881-1973) أو كانت قصيدة ملحمية شكّلت تحولا ثوريا كما قد نقول في عالم الإبداع الشعري المعاصر وحملت اسم الأرض الخراب (اليوت: 1888- 1965) أو كانت طرحا في مجال العلوم الفيزيائية تبلورت معالمه في إبداع متكامل حمل اسم نظرية النسبية وأفضت بعض تطبيقاته العملية إلى تحطيم الذرّة واكتشاف الطاقة النووية (اينشتاين: 1879-1955) أو كان تحولا جذريا في مجال الإنسانيات بتأسيس تخصص التحليل النفسي ونقله من ساحة الخرافة إلى مضمار التخصص العلمي غوصا في أعماق النفس البشرية ومحاولة كشف أسرار العقل الباطن والملاحة في أغوار اللاشعور (فرويد: 1856-1939) فضلا عن إبداع أعمال موسيقية مازالت مودعة وموقرة ضمن بانثيون الأعمال الكلاسيكية في القرن العشرين وفي مقدمتها معزوفة بتروشكا ودراما طقوس الربيع (سترافنسكي: 1882-1971).
بين الرقص والوطنية
ومن عجب أن المؤلف يتوقف مليا كي يفرد فصلا موجزا من كتابه يقرن فيه بين اثنين من شخصيات الكتاب ربما يبدو من الوهلة الأولى ألا يجمع بينهما رابط أو صلة مشتركة. وإلا فما الذي يجمع بين زعيم وطني أقرب في سيرته ومسلكيته إلى النساك والزهاد وبين رائدة من أميركا في فن تصميم وأداء الرقصات الحركية، نتحدث بالطبع عن كل من الزعيم غاندي والفنانة مارتا غراهام.
بيد أن المؤلف يوضح لقارئيه أن الذي يجمع بين الشخصيتين هو تلك الرابطة العجيبة التي يلخصها فيما يلي: عنصر الأداء الحركي واستخدام الجسد البشري لإبلاغ رسالة محددة ما إلى جموع المتلقين، ثم يضيف المؤلف موضحا أن غاندي ومارتا كانا بارعين في مهارة الأداء الأول حين كان يخرج على الناس ساترا الجسد بخرقة من نسيج رخيص، والثانية حين برعت في فن التصميم الحركي لجموع المؤدين مما كان يزود جمهور المشاهدين بطاقة من التحمس والمتعة في آن معاً.
لكن الاثنين كانا يؤديان الدور انطلاقا من أفكار ومعتنقات كانا يؤمنان بها، الأول من أجل الوطن والأخرى من أجل الفن.
على أن كتابنا، وبفضل اتباع منهج علمي في معالجة الموضوع، لم يغفل عن حقيقة بديهية مؤداها أن المبدع مهما كان قدره هو كائن بشري، هو إنسان أولا وقبل كل شيء.
من هنا عمد المؤلف (ص363) إلى نشر جدول تخطيطي مبسّط يعرض فيه لعوامل القوة والإيجابية، وأيضا عوامل الضعف أو السلبية في حالة كل من العقول المبدعة التي شكلت كما أسلفنا موضوع هذا الكتاب.
وجاء الجدول على النحو التالي:
* فرويد: من عوامل قوته ما يتمثل في قدراته على تدقيق استخدام ألفاظ اللغة وعلى صك وإبداع وصياغة مصطلحات، ما لبثت أن دخلت قاموس العلوم السيكلوجية ومنها التحليل النفساني بالدرجة الأولى. لكن ما كان ينقص فرويد، في تصور المؤلف هو إلمامه بفنون الموسيقى بوصفها جانبا أساسيا في حياة الأجيال المعاصرة.
* بيكاسو: كان متفوقا بالطبع في الفن التشكيلي، وقد أبدع الرمز المعروف الذي يمثل حمامة السلام، لكن كان ينقصه الثقافة المنظمة والإلمام بالتخصصات الفكرية اللازمة لرسام كبير.
* غاندي: كان متفوقا من حيث الشخصية وقدرة الإقناع والحوار اللغوي، ولكن كان ينقصه برأي المؤلف الإطلالة على إبداعات الفنون.
* توماس اليوت: كان متميزا لدرجة فائقة بالطبع في معالجة لغة الشعر وفي حصيلة التكوين الثقافي والخلفيات المعرفية ولكن كان يعوزه التعامل بلغة الجسد سواء في مجال النشاط البدني أو الألعاب الرياضية وما في حكمها.
* أما اينشتاين: فميزته البديهية كانت، بالطبع، تتمثل في تفوقه النابغ في عالم الرياضيات فيما كان من عيوب شخصيته كما يضيف المؤلف (ص364) عدم مبالاته بالآخرين.
في كل حال، نستطيع أن نسجل مدى الإعجاب المشوب بالتوقير الذي يكنّه المفكر الأميركي، مؤلف كتابنا إزاء الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي الذي يفرد له أكبر فصل من فصول هذا الكتاب (الفصل التاسع). وهو يعمد إلى تصدير الصفحة الأولى من الفصل المذكور بصورة فوتوغرافية لا سبيل إلى التعرف على صاحبها الذي يطل علينا ممسكا عصا طويلة وقد بدا حليق الرأس مرتديا ثوبا أبيض بالغ البساطة فضلا عن سحنة مربعة وأذنين بارزتين، أقرب ما يكون إلى الصور المنقوشة على معابد قدماء المصريين، ثم يبادرنا المؤلف ليوضح أن الصورة هي للمهاتما غاندي في عام 1914 (كان عمره يناهز وقتها 45 سنة) فيما يختار للفصل المذكور عنوانا يؤكد قدرة غاندي رغم هذه البساطة البادية ، على التأثير بعمق، أو على ممارسة نوع من السطوة، كما يلمح العنوان، على الآخرين، خاصة وأن جانب الإبداع الابتكاري في شخصية الزعيم الهندي إنما يستمد أصوله، كما يوضح هذا الفصل من الكتاب (ص352) من حقيقة أن غاندي اختار أن يبدع في المجال الأخلاقي وفي ساحة القضايا المعنوية (غير المادية)، وربما كان هذا هو السبب في مدى الإعجاب العميق الذي كان يكنه عالم النسبية اينشتاين إزاء الزعيم الوطني الروحي لشبه القارة الهندية.
وهنا يسجل مؤلفنا في ختام الفصل المذكور آراء اينشتاين التي قال فيها: لقد أثبت غاندي أن بالإمكان رصّ صفوف البشر واستجماع أسباب قوتهم، لا من خلال لعبة المناورات أو المكائد السياسية المعتادة، ولكن عن طريق نموذج معرفي يتجسد في سلوكيات سامية أخلاقيا، وفي زماننا الراهن الذي يشهد انحدارا أخلاقيا مطلقا، كان غاندي هو رجل الدولة الوحيد الذي يرمز بحق إلى علاقة إنسانية أسمى وأنبل على صعيد ساحات السياسة.
الكتاب: عقول مبدعة
عدد الصفحات: 464
تأليف هوارد غاردنر
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: هاربر كولنز، نيويورك، 2011
