يتميز المنهج الذي اتبعه المؤلف في وضع مادة هذا الكتاب بأنه لا يقتصر فقط على التطرق الى قضايا الإعلام وظاهرة الاتصال الجماهيري، ولكنه يعمد بصورة موضوعية الى الربط بين مسار الإعلام ومسار السياسة ضمن سياق حركة التطور التاريخي التي يتابعها الكتاب، من بداية القرن السابع عشر الذي شهد اكتمال نضوج الاختراع الفاصل الذي جسدته مطبعة "غوتنبرغ" البسيطة بكل ما حفّها من تغيير ثوري في حركة النشر والإصدارات، ومن ثم الاتصال على مستوى العالم.. ويتابع الكتاب هذا التطور مع التركيز على ما شهدته الولايات المتحدة خلال أواخر القرن المذكور، وبالذات ما يتعلق بقضايا حرية التعبير، ومن ثم حرية الصحافة، من حيث ارتباطها بالتعديل الأول من دستور الولايات المتحدة، ثم يربط المؤلف بين التطورات المستجدة في مجالات السياسة، وأيضا في مجالات الإنجازات التكنولوجية، وبين تطور الإعلام سواء على مستوى الوسيلة أو الرسالة، فضلا عن ربط هذا كله مع التغييرات الديموغرافية والتربوية في أميركا ما بين زيادة الهجرات من خارجها وتدفق الهجرات في داخلها على شكل موجات النزوح من الأرياف والبراري الى حيث إقامة تجمعات كثيفة في المدن الكبرى والمراكز الحضرية، مع التوازي بين هذا كله وبين دخول المخترعات الأحدث والأكفأ في حياة الناس: ما بين تطوير السكة الحديد الى اكتشاف الكهرباء والبرق والهاتف وصولا الى اللاسلكي، وكان هذا كله بمثابة روافد صبت جميعا في تطور الإعلام والاتصال المعاصر.

هذا الكتاب يكاد يسبح في بحوثه ضد التيار. الكتاب كما يتضح من عنوانه يتناول قضايا الإعلام، وبالأدق جذور الميديا، أو كما نترجمها في لغتنا العربية بأنها وسائل (أو وسائط) الاتصال الجماهيري، ويكاد يلوح إجماع علمي على أن الاتصال بوصفه علما تبلورت أسسه وتجسدت صياغاته واستقرت مباحثه وآلياته مع الفترة التي شهدت انتهاء الحرب العالمية الثانية عند منتصف عقد الأربعينات من القرن العشرين. بعدها، ومنذ توالي سنوات عقد الخمسينات، بدأت في الظهور المؤسسات الأكاديمية التي تعرف في زماننا باسم معاهد الاتصال أو كليات الإعلام.

لكن كتابنا بكل ضخامته (3 أبواب تضم 12 فصلاً عبر صفحات تبلغ من حيث العدد 484 صفحة) يسعى الى أن يعلمنا كيف أن تاريخ الإعلام، الميديا والسياسات والتوجهات والرسالة التي يتم بثها، هو تاريخ بعيد، بل موغل في مسيرة الزمن، بحيث يستوجب الرجوع في دراسته وتقصي مساره ومتابعة تطوره عقودا بل قرونا من عمر الزمن.

ويكمن السبب في هذه الاستعادة التاريخية أولاً في أن مؤلف الكتاب يجمع من حيث التخصص الأكاديمي بين علوم الاتصال وعلوم السياسة أو هي قضايا الشأن العام كما يقول المصطلح الأميركي. وثانيا في أن كتابنا معنّي بتدارس الصلة الوثيقة، أو هي الرابطة العضوية، التي تجمع بين الإعلام والسياسة، ومن ثم كان على المؤلف أن يبدأ من جذور هذه الرابطة كي يكشف، كما يذكر نقاد هذا الكتاب، عن حقيقة أن السياسة هي التي أوجدت الإعلام، وظلت حاضنة له بالسلب والإيجاب على السواء.

من هنا تطالعنا الفصول الأولى من كتابنا وهي تتناول المبحث الذي يدور حول الموضوع التالي: الأصول السياسية للإعلام الحديث.

وينطلق هذا المبحث من فترة بعيدة نسبياً في تاريخ التطور الإنساني، وبالتحديد من القرن السابع عشر وهو "عصر العقل" كما يعرف في الأدبيات الأوروبية، وفي هذا السياق الذي يبدو الآن بعيداً إن لم يكن موغلا في زماننا، يسجل الكتاب كيف جاء القرن المذكور ليجني ثمرة يانعة ناضجة أو شبه ناضجة لأهم اختراع شهدته أوروبا والعالم من بعدها، وهي الطباعة الحديثة.

لقد قطع هذا الاختراع منذ توصل إليه الألماني "غوتنبرغ" (1397-1468) أشواطا طويلة من التطور والتجريب الى أن استوى وسيلة ناجعة تحولت من جهود الطابع الفرد "المطبعجي" كما يقول التعبير الدارج الى أن أصبح مع حلول القرن 17 أو كما يوضح الكتاب، دارا للطباعة ومحلاّ مختارا للأفراد الراغبين في إصدار ونشر بمعنى تعميم ما يساورهم من سوانح وأفكار على جموع الناس.

هكذا كانت الآلة الطابعة البدائية التي خرجت إلى الوجود في عام 1450 هي أول لبنة كما يقول المؤلف في ذلك الصرح الذي شهد تطورا عبر العصور الى أن حقق في لحظتنا التاريخية الراهنة نجاحا مرموقا إن لم يكن مذهلا تحت الاسم التالي: تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

وكان الجسر الرابط بين مطبعة "غوتنبرغ" وتكنولوجيا المعلومات هو "الكلمة" التي تحمل المعلومة والرأي والفكرة، ومن ثم تشيَّد على أساسها المراحل الثرية والمختلفة التي صنعت حضارة الإنسان.

عن دور السياسة

هنا أيضا أدت السياسة دورها في شحذ وتطوير عمليات النشر وتعزيز جهود التعميم والإصدار. ويتوقف الكتاب ملّياً عند ما شهدته انجلترا مع مطالع القرن 17 من اشتداد حمى التنافس السياسي بين جموع المحافظين والعمال (كانوا يعرفون باسم الويجز والتُوري)، وكان طبيعيا أن تؤدي هذه المنافسة الى اختيار وتطوير وسائل تنقل آراء كل من الفصيلين كسبا لجموع الأنصار والمؤيدين. وكان طبيعيا أيضا أن ينتقل هذا التنافس الى الأسواق وإلى الفضاء الاقتصادي، وخاصة مع اشتداد ساعد الأفكار الرأسمالية، التي نادى بها بعد ذلك "آدم سميث" (1723-1790). ثم كان طبيعيا كذلك أن ينتقل هذا النشاط من النموذج البريطاني فيعبر البحر إلى أصقاع شتى من القارة الأوروبية، بل ليعبر المحيط الأطلسي إلى العالم الجديد، الذي أصبح يعرف فيما بعد بالولايات المتحدة الأميركية، حتى عندما كانت مستعمرات بريطانية لم تنل استقلالها إلا في عام 1776 كما هو معروف.

في هذا السياق بالذات يلاحظ مؤلفنا (ص55) ظاهرة التزامن أو التوازي بين الخدمات البريدية في تلك الفترات البعيدة وبين نشاط إنشاء وتحرير وتوزيع الصحف، ولعل في هذه الملاحظة ما يفسر دلالات الأسماء التي خلعوها على الصحف الرائدة التي تم إنشاؤها وكثير منها مستقى أساسا من معجم البريد، أسماء من قبيل نيويورك بوست، واشنطون بوست، نيويورك هيرالد.. الخ (ونستطيع أن نلحظ الظاهرة نفسها في مسمياتنا العربية من قبيل: الجوائب، السفير، البشير، النذير، الطيار.. الخ).

المهم أن الصحافيين الرواد كانوا يخوضون في بحور لم يسبق أن خاضها أحد، وكان محور الاهتمام أيامها هو حرية الصحافة بعيدا عن رقابة الحكومات أو ملاحقة المصالح الاقتصادية أو إغضاب عامة الناس.

هاملتون وحرية الصحافة

من هنا يقف كتابنا ملياً عند ما شهدته مدينة نيويورك في مرافعة رئيس أميركي هو "الكسندر هاملتون" تحدث فيها عن حرية الصحافة، وكان ذلك في عام 1804 قائلا: "إن حرية الصحافة تعني الحق في نشر الحقيقة دون الوقوع تحت طائلة العقاب، على أن يتم ذلك انطلاقا من دوافع شريفة ولأغراض لها ما يبررها في حالة طرح أفكار متعمقة (سلبية) بحق الحكومة أو هيئة القضاء أو الأفراد..".

من هنا جاء الدستور الأميركي لينص في أول تعديلاته على حرية النشر وحرية الصحافة، انطلاقا من تكريس حرية التعبير، وبفضل هذه الفسحة من الحرية كان من نصيب أميركا أن تشهد كما يقول مؤلفنا أول ثورة في مجال الإعلام. وقد تجسدت هذه الثورة في ظاهرة التحول الجوهرية من صحف الأفراد إلى خلق شبكات الصحف ومجامع الأنباء. كما كان من عوامل هذه الثورة أيضا ذلك النشاط الذي كانت تموج به مكاتب البريد في مدن أميركا وأريافها، حيث نشطت وتوسعت في توزيع الصحف، وساعدها في هذا النشاط تطور السكة الحديد وظهور وسيلة التراسل البرقي عن طريق التلغراف، فضلا عن النجاح في محو أمية المواطنين الأميركيين، وهو ما حدث في النصف الأخير من القرن 19 بوصفه الفترة التي شهدت بدورها جهودا حثيثة بذلتها كندا ودول شتى في غرب أوروبا بالذات، كي تضاهي أميركا وتلحق بمسيرتها من أجل توسيع نشاط الإعلام مقترنا بتوسيع رقعة التعليم.

الإعلام ليس معزولاً

والحاصل أننا على طول متابعة ما قدمه هذا الكتاب من أفكار وطروحات، نحمد للمؤلف ذلك المنهج الذي اتبعه في معالجة القضايا المختلفة التي تعالجها مباحث الكتاب، وفي صدارة عناصر هذا المنهج العلمي ما يلي:

إن الإعلام على اختلاف أساليبه وآلياته لا يمثل مؤسسة منفصلة أو مستقلة من مؤسسات المجتمع الحديث: الإعلام من حيث الفكرة والتطور على نحو ما تؤكد فصول هذا الكتاب - هو نسق متشابك مع سائر الأنساق يتفاعل معها ويؤثر فيها ويتأثر بها، يستوي في ذلك، كما أسلفنا، عربة البريد (الكوتش) التي تجرها الخيول وتحمل الصحف من الحواضر الى البراري والبوادي في أميركا بقدر ما يستوي التلغراف الذي أصبح يقدم لقارئ الصحيفة أخباراً مستجدة، طازجة، كما قد نقول، بقدر ما تستوي سبل التواصل الأحدث عهدا والأكثر كفاءة، تلك التي يعرض لها كتابنا في فصل كامل (الفصل السادس) تحت عنوان بسيط هو:

الهاتف والكابل واللاسلكي، وإذا كان الهاتف قد دخل حياة الناس في أواخر القرن 19، فإن اللاسلكي الذي قدمه العبقري الإيطالي "ماركوني" (1874-1937) مع مطالع القرن العشرين كان هو الاسم الذي عرف به الناس وسيلة إعلامية كانت ثورية بدورها مع العقود الأولى من القرن الماضي، هذه الوسيلة هي الراديو.

وهذه الوسائل الثلاث التي دخلت حياة الناس ما بين عام 1876 - مولد الهاتف الى عام 1920 -مولد الراديو المذياع، كان همّها الأساسي أداء مهمة الإبلاغ أو الإعلام (بكسر الهمزة).

الهجرة وأثرها في الإعلام

هي الوسائل نفسها التي مهدت السبيل أمام ظاهرة الإعلام الجماهيري، أو الظاهرة التي نشأت وتجلت في أميركا بالدرجة الأولى خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ومن عجب كما يلمح الكتاب أن هذه الظاهرة الجماهيرية تولدت بفعل زيادة تدفق موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة من أوروبا ومن أنحاء شتى من عالم ذلك الزمان، وفيما أدت الهجرة إلى زيادة حجم السكان المتطلعين إلى متابعة أخبار وتطورات أقطارهم الأصلية، البلد الأم، كما يقال، وخاصة مع نشوب الحرب العالمية الأولى، فقد جاءت فترة ما بعد الحرب المذكورة كي تشهد هجرات - داخلية هذه المرة في أميركا، بمعنى نزوح أعداد كثيفة من البراري والأرياف الأميركية إلى الإقامة في المدن الكبرى (المتروبول) وسائر المراكز الحضرية، هذا التكاثف والتقارب والتحشد في السكن والمعايش في المدن اقتضى نمطا مستجدا في النشاط الإعلامي من أجل مخاطبة تلك الحشود المتعلمة والواعية والمتطلعة الى المزيد.

هكذا نشأت وتطورت الظاهرة التي يرصدها الكتاب تحت العنوان المبسط التالي: الاتصال الجماهيري.

بيد أن الأمر لم يكن سهلا كما قد نتصور، صحيح أن النشاط الإعلامي اتسع نطاقه بقدر اتساع جماهيريته لكن الصحيح أيضا أن التوجه إلى ملايين الناس، ومنهم البسطاء ومنهم أرباع المتعلمين ومنهم أجيال الشباب ومنهم النساء، شكّل في الأساس تحديات تمثلت في البحث عن النغمة الصحيحة أو التوجه السليم في صياغة وبث الرسالة الإعلامية.

هنا تواترت الأحاديث في أميركا عن حرية الإعلام وحرية النشر وحرية الإصدار، وبهذا شهدت أوائل القرن العشرين مطارحات، وربما مشاحنات ومعارك فكرية وسياسية بشأن حرية التعبير، وهو ما دعا إلى العودة للتعديل الأول في الدستور الأميركي المتعلق بهذا النمط من الحرية، بل دعا على نحو ما يعبر المؤلف في عنوان الفصل الثامن من الكتاب الى "إعادة اكتشاف" التعديل الأول (من الدستور).

السينما والاتصال الجماهيري

وفيما شهدت عشرينات القرن دخول اللاسلكي أو هو الراديو كما أسلفنا حياة الناس في أميركا وخارجها، فقد جاء عقد الثلاثينات ليضيف أبعادا وتحديات جديدة إلى صناعة الاتصال والإعلام.

هنا يتحدث كتابنا في الفصل السابع عن الصور المتحركة، عن صناعة متكاملة ومستجدة أيامها هي صناعة السينما.

وهنا أيضا يُسترعى انتباهنا مع قدر لا يخفى من العجب أن يعمد المؤلف، وهو أستاذ مرموق في مجالي الإعلام والسياسة، الى أن يُسلك السينما ضمن دنيا الإعلام والاتصال، موضحا في هذا السياق (ص295) أن أميركا لم تكن في البداية رائدة في هذا المضمار، بل كانت الريادة في عالم السينما معقودة لفرنسا على وجه الخصوص، وفي السياق نفسه يوضح المؤلف كيف كانت هذه الصناعة في أول وفودها إلى أميركا تحت سيطرة جماعات متزمتة من أبناء طائفة البروتسانت، ثم ما لبثت أن وقعت في يد جموع المهاجرين، وكان أغلبهم كما يضيف كتابنا - من اليهود، فيما كان أهل الثقافة الأميركيون خلال سنوات عديدة من مطالع القرن يصنفون السينما في خانة النشاط الاستهلاكي المبتذل وغير الرفيع، أين هي في تصورهم آنذاك من كونسيرات الموسيقى الكلاسيكية أو من زيارات المتاحف أو مشاهدة الأعمال المسرحية، الكلية الاحترام، لكن السينما ما لبثت أن شقت طريقها بوصفها وسيلة تواصل جماهيرية وممتعة أيضا، ساعدها على ذلك ما طرأ من تقدم كما يقول كتابنا على تكنولوجيا الكهرباء.

ثم دخلت الى حلبة الإعلام الأميركي ومنه إلى العالم بطبيعة الحال، ظاهرة أخرى بالغة الخطورة، وهي: الإعلان. وهي الظاهرة التي أفرزتها حقيقة اقتصادية محورية يتسم بها يجمع البروفيسور "بول ستار" بين التخصص في علم الاجتماع والشؤون العامة وعلوم الإعلام والاتصال الجماهيري، وهو يشغل موقع الأستاذية في واحدة من كبرى الجامعات الأميركية وهي جامعة "برنستون". وبحكم اهتمامه بالإعلام فهو يشارك في الإشراف على تحرير مجلة فكرية سياسية هي "أميركان بروسبكت" وقد انعكس اهتمامه بعلم التاريخ في طبيعة الدراسات الأكاديمية التي أنجزها من منظور رؤى شاملة إلى الظواهر الاجتماعية الثقافية حيث يعمد المؤلف إلى الربط بين الظواهر التي لا تنعزل عن بعضها البعض، كما حصل مثلاً في دراسته السابقة بشأن التحول الاجتماعي للطب الأميركي التي نال عنها جائزة "بولترز" في مجال الصحافة وجائزة "بانكروفت" في مجال التاريخ الأميركي. هذا الاهتمام بشمول الظواهر الاجتماعية الثقافية انعكس بدوره في كتابه الذي نوليه الاهتمام في ما يلي من سطور، حيث يطل على تطور الإعلام والاتصال الجماهيري من منظور السياق التاريخي الذي يتابع فيه اختراع المطبعة ثم اكتشافات البرق والهاتف واللاسلكي والصور السينمائية المتحركة، حيث يربط بين هذا كله وبين تطور حرية الصحافة من ناحية وتغيرات الصورة الديموغرافية للمجتمع ومنجزات التكنولوجيا من ناحية أخرى، هذا فضلاً عن مقارنات عقدها المؤلف، لمزيد من إيضاح الصورة بين تطور الإعلام في أميركا وتطوره في أقطار أخرى، وخاصة في كندا وأوروبا، خاصة وقد عمد المؤلف الى الربط بين هذا كله وبين مستجدات السياسة على الصعيد الدولي.

المجتمع الرأسمالي وتتمثل في توسيع نطاق الملكية الخاصة لوسائل الاتصال الجماهيري.

وفي هذا الخصوص يقول البروفيسور "ستار" مؤلف هذا الكتاب (ص363): إن مسار البث الإعلامي الأميركي الذي نشأ في عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، جاء ليشغل موقعا لا ترتاح إليه تقاليد وأعراف حرية الصحافة والإعلام، لقد تمثلت عناصر هذا المسار في إصدار تراخيص ولوائح وفي السيطرة على الشبكات الإعلامية وفي سيطرة جموع المعلنين ووكالات الإعلام. ولأن أميركا على خلاف الدول الأوروبية تحفل بالمئات من محطات البث الإعلامي الخاضعة للملكية الخاصة والعائدة الى أفراد، ورغم أن ليس ثمة رقابة حكومية مباشرة على أنشتطها، إلا أن الهيئات الاتحادية كانت تمارس سطوتها من خلال منح أو منع التراخيص من أجل مباشرة هذا النوع من النشاط.

ثم نلاحظ مع نهايات هذا الكتاب أن المؤلف يتوقف في بحثه الشامل عند عام 1941، وهو العام الذي يراه المؤلف فاصلا، سواء في تاريخ أميركا أو تاريخ العالم، أو حتى تاريخ الإعلام والاتصال الجماهيري بشكل عام.

ديسمبر عام 1941 هو التاريخ الذي دخلت فيه أميركا أتون معارك الحرب العالمية الثانية بكل ما أفضت إليه من تغييرات في خارطة الدنيا.

الموعد نفسه الذي أوقفت فيه السلطات الفيدرالية سجل البث التجاري طيلة سنوات الحرب التي وضعت أوزارها عام 1945.

وهو أيضا الموعد ذاته الذي بدأت فيه حلقات السلسلة من الأحداث والتطورات التي انتهت مع السنوات الأخيرة من الأربعينات، فكان أن أوصلت أميركا ذاتها إلى أن أصبحت على نحو أو آخر القوة رقم واحد في ميدان السياسة العالمية.