هذا كتاب يتسم بمزايا عدة، أولاها أنه يصدر عن خبرة ميدانية مباشرة ومعايشة حافلة بالتجارب ومستندة إلى دراسة موازية بشأن القضايا التي تناولتها الفصول السبعة التي يتألف منها متن الكتاب. ومن مزايا الكتاب أيضا تلك الصراحة التي اتسم بها أسلوب مؤلفه في طرح المعلومات وتحليل المواقف، ولدرجة أوصلته إلى تشخيص وجود أو بالأدق - إيجاد إسرائيل بأنه حادثة، أو جريمة سرقة وطن من يد أصحابه الفلسطينيين.
هذه الصراحة التي انتهجها المؤلف وهو يطرح الحقائق الصارخة أو الصادمة إلى "درجة التوحش" على نحو ما يشير عنوان الكتاب، هي التي أسبغت على مقولات وأحكام المؤلف قدراً لا بأس به من مصداقية كاتب صحافي غربي لا يملك التخلص بداهة من تصوراته أو حتى تحيزاته بحكم النشأة والمصلحة والتكوين، مع هذا كله فالقارئ المتمعن يجني الكثير من الفائدة من كتاب لا يتورع عن رصد وتحليل نزعة المغامرة الغربية في ربوع الشرق الأوسط، وهي نزعة تنطوي بحكم التعريف على الاستهانة بأقدار منطقة لها تاريخها الحافل في الماضي ودورها الحيوي في الحاضر، بفضل ما تضمه من موارد لا غنى عنها لاستمرار الحياة والتقدم في العالم، فضلاً عن موقعها الحاكم استراتيجيا واتصاليا على خارطة هذا العالم، وبفضل منظور الشمول الذي أطل منه الكاتب على موضوعه فقد وصف النقاد الكتاب بأنه "أقرب إلى نظرة بانورامية على عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001 بكل ما يموج به من تيارات".
لكي يدلل مؤلف هذا الكتاب على سعة إحاطته، وربما عمق إلمامه، بما يدور في منطقة الشرق الأوسط الوطن العربي بالذات فهو يطالع قارئيه مع أولى صفحات كتابه بإهداء طريف يقول فيه:"إلى النجلين العزيزين "أوليفييه" و"زارا".. "أنتم.. عمري".
وبصرف النظر عن استخدام صيغة الجمع بدلا من المثنى، إلا أن مؤلفنا الكاتب الصحافي الأميركي "مارك هوبارد" يشير في آخر كلمتين في الإهداء وقد أوردهما باللغة العربية، إلى معرفته بأغنية أم كلثوم الشهيرة التي صافحت وجدان المستمعين العرب في عام 1964، من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب لتصبح جزءًا أثيرا من تراث الفن العربي المعاصر.
بعدها يفتح المؤلف ستار كتابه على أبعاد المشهد العربي المعاصر، ذلك المشهد الذي يصوره الكاتب الانجليزي بأنه يجمع بين ميراث ثقافي وتاريخي حافل ولغة عربية بالغة الثراء وعمق في الشعور والإيمان الديني، فضلاً عن روح من الدعابة يستعين بها الناس على مواجهة ما قد ينتظرهم في مستقبل الأيام من مشكلات وتحديات يتجسد معظمها كما يقول في مهمة بناء الدولة العصرية الحديثة دولة العدل والقانون وعدم التمييز والحرية والثقة في جدوى ما يتم من إصلاح.
في السياق نفسه ينعي المؤلف على أقطار العالم العربي أنها دخلت القرن الواحد والعشرين دون أن تتعرض حياتها السياسية وأنشطتها الاقتصادية وتوجهاتها الدولية لتلك المؤثرات الإيجابية - كما يصفها كتابنا وهي المؤثرات التي نجمت عن انتهاء الحرب الباردة (في مطلع تسعينات القرن الماضي) وانهيار الاتحاد السوفييتي، وقد أفادت منها في رأيه شعوب وأقطار شرق أوروبا، من أجل إضفاء تغييرات إيجابية على المسارات التي سبق لها انتهاجها، على مدار العقود الأربعة أو الخمسة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية في منتصف عقد الأربعينات من القرن المذكور.
آفة التجزئة
يحاول المؤلف أن يتأمل ما تم تصوره وتخطيطه، وأحيانا تحقيقه وإنجازه، من مشاريع التحديث والتحول الديمقراطي في عدد من أقطار العالم العربي، لكن لا يفوته مع الفصول الأولى من هذا الكتاب أن ثمة مبدأ عروبياً سقط في نظره ضحية لهذه الجهود من التحديث والديمقراطية، هذه الضحية يراها ممثلة في تبدد، وربما ضياع، الشعور القومي، الذي يجمع بين عناصر أمة العرب، سواء في ربوع المشرق الآسيوي أو في أصقاع المغرب الشمال الإفريقي.
مؤلفنا الانجليزي ينبهنا إلى آفة تحمل الوصف المبسط التالي (التجزئة نقيضاً للوحدة أو العروبة)، ويقول المؤلف في هذا الخصوص: لقد ترسخت ظواهر التجزئة الاقتصادية والسياسية في العالم العربي بفعل ما شهدته المنطقة من تفضيل وتعزيز المصالح القطرية بدلا من المصالح القومية (العربية أو العروبية) وبفعل رغبة فرادى الأقطار العربية في الاندماج مع الرأسمالية العالمية.
عن النموذج المصري
في السياق نفسه يتوقف المؤلف عند النموذج المصري خلال السنوات الثلاثين وربما الأربعين الماضية، وفي معرض تحليل هذا النموذج يصفه المؤلف بأنه اتبع طرقا وأساليب من شأنها "التذكير بالتاريخ الاقتصادي في القرن التاسع عشر".
وبديهي أن مؤلفنا يلمح إلى أنها أساليب فات أوانها وأصبحت منتهية الصلاحية مع إطلالة ألفية مستجدة على حياة سكان العالم، فما بالنا وقد كانت رأسمالية القرن الـ 19، التي يتوقف عندها كتابنا في إطار نقده للمسيرة الاقتصادية في مصر خلال العقود الأربعة الأخيرة هي موضوعيا رأسمالية القلة التي تتعيش على استغلال جماهير الكثرة من قوى العمل والإنتاج، وهي بالطبع الرأسمالية التي تكرس حالة التملّك والاستغلال قبل إعلاء قيمة العمل والكفاح الشريف المنتج. وقتها كان القوم في مصر يضعون نصب أعينهم إبرام اتفاقات ثنائية بين الاتحاد الأوروبي وبين الدول العربية طامحين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
وهنا أيضا يضيف مؤلف الكتاب قائلا: هذه المبادرات جاءت لتشكل النهاية الحاسمة للجهود التي سبق إلى الدعوة لها وحشدها جمال عبدالناصر بوصفه الزعيم المؤسس لمصر المستقلة التي تضطلع بدور قيادي، وبوصفه الداعية الأول للقومية العربية الذي سبق منذ عقود خلت إلى تسجيل تأملاته في سطور يوضح فيها أنه يتصور دوراً هائماً على وجهه في ربوع منطقة الوطن العربي، وأن مصر مقدر لها أن تقوم بهذا الدور، لا بوصفه دور قيادة أو زعامة، ولكن باعتباره دور تفاعل وتجاوب مع سائر شعوب هذه المنطقة العربية، وبما يحقق أحلامها ويلبي طموحاتها ويجسد مصالحها القومية المشتركة.
وفي سياق هذه الشراكة في المصالح والمصائر، يركز مؤلفنا الحديث في فصل من أهم فصول الكتاب على الثقافة والهوية والعروبة على نحو ما يسجله في عنوان ذلك الفصل المهم الذي يتناول فيه كما يقول علاقة نسيم البحر برياح الصحراء.
ويعترف المؤلف أن هذه الوشائج التي نراها أصيلة وتاريخية ولها جذورها الضاربة في تربة تاريخ المنطقة، ما برحت تستأثر باهتمام الباحثين والمؤرخين، ولا سيما أولئك المعنيين بأحوال المنطقة واقعها ومستقبلها وكذلك في ضوء أهمية منطقة الشرق الأوسط العالم العربي بجناحيه الآسيوي والإفريقي، وبحكم ما للمنطقة من أهمية استراتيجيه، حاكمة كما يصفونها، فضلا عن كونها الموقع الأساسي أو فلنقل واحداً من المواقع الأساسية للطاقة النفطية السائلة والغازية على السواء، إضافة إلى الطاقة البشرية التي تجسدها شعوب المنطقة بكل ميراثها التاريخي ونضالاتها الراهنة وآمالها في المستقبل.
في هذا السياق يتوقف كتابنا كثيرا عند المستشرق البريطاني الأميركي الشهير "برنارد لويس" الذي يحاول تشخيص الأزمة في الشرق الأوسط بأنها "أزمة الروح المعنوية" (أو أزمة الهمّه) فيما يعمد "لويس" إلى توسيع نطاق هذه الأزمة المعنوية لتشمل فضاء العالم الإسلامي بشكل عام، ومن هنا ينشر لويس مقولاته (أحيانا تجاوزاته كما قد نسميها من جانبنا) في أعمال تحمل عناوين لا تخفى دلالتها أعمال وكتابات من قبيل "أين الخطأ؟" أو من قبيل "الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط".
والدلالة التي لحظها الكتاب هنا تشير بداهة إلى وجود تصادم بين إسلام.. وحداثة، أو هو صراع تعارض بين الإسلام وأسباب التقدم، وكأن الإسلام نقيض الحداثة، وهنا يحاول "برنارد لويس" أن يوظف دراساته خلال عمره الطويل كي يتابع كما يوضح مؤلفنا جذور أزمة العالمين العربي والإسلامي الى زمن سقوط الخلافة العثمانية في عام 1924 على يد الزعيم التركي "كمال أتاتورك" (ص64) حيث يوضح لويس أن هذا السقوط سبقه التصدع والتداعي في كيان هذه الخلافة التي رفعت الشعار الإسلامي، ومن ثم فهو يحدد هذا السقوط بتاريخ معاهدة "كارلوفيتس" سنة 1699 التي كانت إيذاناً بتوقف، ومن ثم انحسار، ظاهرة توسع تركيا العثمانية المسلمة في القارة الأوروبية.
وجاء دور أميركا
وبعد موجات الاستعمار الغربي، التي اجتاحت المنطقة من جانب أقطار عديدة في غرب أوروبا ما بين إسبانيا وفرنسا إلى انجلترا وإيطاليا، جاء النصف الثاني من القرن العشرين ليشهد عاملا مستجدا على ساحة السياسة في منطقة الشرق الأوسط، وهو العامل الأميركي الذي اعتمد سياسة خارجية وصفها المفكر العربي الفلسطيني الراحل "إدوارد سعيد" على نحو ما ينقل مؤلف هذا الكتاب - (ص121) بأنها كانت تصدر عن موقف "استهانة بالغة بالعرب والعالم العربي"، مضيفا أن امتناع صانعي السياسة في أميركا عن اتباع أي نهج للتوازن في سياستهم إزاء الشرق الأوسط، أدى إلى إذكاء الوقود الذي تغذت عليه الأزمة بين العرب والولايات المتحدة.
على الضفة المقابلة من المقولة نفسها يردّ مؤلف كتابنا متسلحا بمنطق الواقعية السياسية أو هي البرغماتية الباردة موضحا، بغير عواطف أو مجاملة، أن السياسة الخارجية لأية دولة إنما تتوخى تحقيق مصالح الدولة المعنية، لا تحقيق مصالح الدولة أو الدول المستهدفة بتلك السياسة، وهو ما يصدق في رأي المؤلف على سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط والعالم العربي.
ثم يجهد المؤلف في تبرير أو تسويغ مقولاته، حين يوضح أن المسألة لم تكن أسراراً مخفية في أضابير الملفات الدبلوماسية ولا في أروقة البنتاغون أو سراديب المخابرات، إنه يوضح بغير مواربة (ص121) أن حاجة أميركا إلى النفط، وبالأدق حاجة الشركات إلى هذه السلعة الاستراتيجية التماساً من جانبها لأسواق رأسمالية جديدة، كانت بالتأكيد وراء استعداد واشنطن للمخاطرة بغزو كامل للعراق، ولكن "قبل وقت طويل كما يضيف مؤلفنا بالحرف من ظهور الدبابات الأميركية في شوارع بغداد في ابريل من عام 2003، كانت سياسات أميركا المعلنة على رؤوس الأشهاد تتطلب تخليص الشرق الأوسط من القادة القادرين على معارضة إسرائيل، وقبلها بوقت طويل يضيف المؤلف كانت واشنطن قد تحولت عن سياسة الاحتواء إلى استراتيجيه "الإطاحة" بالنسبة لنظام بغداد.
صفر في امتحان فيتنام
ثم يحسن المؤلف صنيعاً، عندما يؤكد في فصول لاحقة من كتابه أهمية أن تصدر أية محاولات أو مخططات للإصلاح في العالم العربي من صميم المجتمعات العربية المسلمة في طول المنطقة وعرضها، لا أن يتم فرضها من خارجها بأي حال من الأحوال.
وحين يعرض لتاريخ محاولات بناء الدولة، أو إعادة بنائها في أعقاب حرب العراق في عام 2003، وقد يتصدرها اسم المسؤول الأميركي "بريمر"، يمضي المؤلف موضحاً أن جهود أميركا السابق بذلها من أجل بناء الدولة في مواقع أخرى من العالم كانت دائما تحصل على درجة "صفر" في سجل الإنجاز، وهو يسوق في هذا الصدد تجربة الدولة التي كانت ناشئة كما يسميها في فيتنام الجنوبية "إذ جاءت كياناً اخترعوه.. ثم تركوه كي يموت".
والحاصل هنا أنهم اصطنعوا كيانا غير مزود بأسباب البقاء والاستمرار، فالكيان لابد وأن يأتي معبرا عن الهوية التي ما برح تحديدها أمرا يتسم في نظر مؤلفنا بقدر لا يخفى من التشابك أو الصعوبة.. لماذا؟
يجيب الكتاب على صفحة 164 قائلا: "في العالم العربي تتسم هذه المهمة بمزيد من التعقيد في ضوء التنوع الشديد الذي يضمه ويتسم به المجتمع العربي، وبما يستحيل معه الوقوف عند ركيزة واحدة بعينها تستند إليها الهوية وباستثناء وشيجة بالغة القوة تربط فيما بين أجزاء المنطقة وهي اللغة العربية.
على أن الذي لم يضفه المؤلف في هذا الخصوص أن اللغة ليست مجرد كلام مرسل ولا حروفا مرصوصة في قوائم الأبجديات. إن اللغة المشتركة هي حافظة الثقافة المشتركة وهي آلية نقل هذه الثقافة ومن ثم انتقال الخبرة التاريخية المتراكمة من جيل إلى جيل، وهو ما يكفل لأية جماعة بشرية عنصر الاستمرار، وهو ما يشكل بالتالي ذلك الكيان الإنساني المتبلور ليحمل صفة "الأمة الواحدة" على نحو ما تذهب إليه المدرسة الألمانية في تفسير الظاهرة القومية.
جوهر قضية فلسطين
نلاحظ أيضا أن كتابنا يضيف موضوعيا إلى هذه الشراكة اللغوية، ومن ثم الثقافية والمعرفية، عناصر مستقاة من التجربة التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط، وتتمثل بداهة في كون المنطقة هي مهد الرسالات السماوية الثلاث، كما أنها حاضنة وهاضمة لما سبق من ثقافات العالم القديم بقدر ما تفاعلت مع ثقافات العالم الحديث المعاصر حتى في الحقبة الكولونيالية وما بعدها.
وفي إطار التطرق إلى هذه الحقبة من الاستغلال والقهر الاستعماري يخصص المؤلف الفصل السادس - ما قبل الأخير - من كتابه لحديث عن القضية المحور، والقضية الجوهر بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط العربي والإسلامي على السواء. وهو يحرص مثلا على زيارة بلدة "بحر البقر" في شرقي دلتا النيل في مصر، حيث يستعيد مع أسرة ريفية منكوبة ذكريات العدوان الصهيوني بالطائرات على مدرسة أطفال أبرياء يوم 8 ابريل من عام 1970، حيث راح ضحيته 19 طفلا وطفلة، بعد أن زار بيت واحدة منهم، والتقى والأم العجوز الثكلى التي فقدت طفلتها فيما ظلت فتاة الأسرة الحالية تردد على مسامعه أقوالها التي سجلها الكتاب (ص199) فتشير إلى الإسرائيليين قائلة: "دائما يرددون أقوال السلام.. لكن أفعالهم تختلف أشد الاختلاف، الخيانة تجري في عروقهم".
وربما لم تكن الفتاة المصرية التي لم تعايش شقيقتها الطفلة المغدورة منذ 4 عقود تعرف ما سبق إلى ترديده واحد من هؤلاء الإسرائيليين، والحديث هنا عن "بن غوريون" أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني الذي يسجل له كتابنا بموضوعية ملحوظة عباراته التي أرسلها تحديداً في عام 1969 وقال فيها حرفياً بحق الفلسطينيين: "علينا أن نبذل ما في وسعنا كي نضمن أنهم لن يعودوا قط، ولسوف يموت الكبار فيما سينسى الصغار".
والحق أن مثل هذه المقولات المستفزة ظلت تصاحب طروحات الكتاب حتى سطور الفصل الأخير الذي يعترف فيه مؤلفنا، الكاتب الانجليزي "مارك هوبارد"، بأن ثمة 3.5 ملايين لاجئ فلسطيني مازالوا ضحايا للفاشية الأوروبية التي تولد عنها الاندفاع نحو إيجاد إسرائيل، وما هم سوى ضحايا كما يضيف المؤلف )ص294) للاستعمار الأوروبي الذي سهّل سرقة بلد بأكمله اسمه فلسطين من الفلسطينيين.
عدد الصفحات: 331 صفحة
تأليف: مارك هوبارد
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: وست فيو، نيويورك،
