يحرص هذا الكتاب بأسلوب السرد والتحليل على متابعة المسار التاريخي للجماعة البشرية التي تحمل صفة الأتراك التركمان، منذ بواكير تاريخهم الطويل حين نشأوا شعوبا في مناطق حشائش وشجيرات الاستبس بوسط القارة الآسيوية، وبعدها هاجروا على شكل قبائل وبطون وفروع وعشائر حيث اتجهوا غربا، عبر بحر قزوين والبحر الأسود وأصقاع القوقاز إلى حيث استقر بهم المقام في هضبة الأناضول وما جاورها شرقي البحر الأبيض المتوسط وعند مناطق ومضايق حاكمة من النواحي الاستراتيجية في البوسفور والدردنيل.

ومن خلال هذا المنظور الجغرافي والحراك البشري المتمثل في تلك الهجرات الكثيفة، يرصد الكتاب طبيعة التطورات الدرامية التي تحولت بها هذه الجماعة الآسيوية المهاجرة إلى حيث نبغت بين صفوفها قيادات وزعامات تاريخية كان من بينهم بداهة "عثمان" الذي يعد رأس الدولة الإمبراطورية التي فرضت وجودها وسطوتها ونفوذها على تاريخ العالم، على مدار قرون بدأت منذ القرن الخامس عشر وانتهى مجدها كما يوضح كتابنا - مع انتهاء الحرب العالمية الأولى في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، وخلال هذه الفترة الزمنية المطولة يحرص الكتاب على متابعة مراحل التطور والازدهار التاريخي للدولة التركية، وخاصة على يد أكبر حكامها سليم الأول الذي غزا مصر والشام، إلى محمد الثاني فاتح القسطنطينية إلى سليمان القانوني في أواخر القرن السادس عشر.

 

جاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا إلى أقطار عربية في الشمال الأفريقي بدأها كما هو معروف بالقاهرة فسلطت مزيدا من الأضواء المتجددة على الشأن أو العامل التركي في منطقة الشرق الأوسط - العربي بشكل خاص، وفي ساحة السياسة العالمية بشكل عام.

أردوغان هبط في مطار القاهرة في يوم من أيام سبتمبر الماضي حيث كان في صحبته 200 من رجال الأعمال ومنظمي المشاريع الأتراك، ولكن كان في عقله ووجدانه جدول أعمال ربما يفوق في أهميته ومراميه أهمية رجال الأعمال أنفسهم، كيف لا وقد حفت بالزيارة المذكورة، أفكار وحوارات وطروحات وتوقعات تدور كلها حول التجربة التركية، سواء في مجالات التحول السياسي، من دولة يهيمن العسكريون على مقاليدها ومرافق حياتها بوصفهم كما كان يقضي الدستور حراسا للتجربة أو التركة الكمالية الموروثة بداهة من أيام المؤسس الأول للجمهورية في أنقرة كمال أتاتورك ( 1881- 1938) أو سواء، وهذا هو الأهم، في مجالات التقدم التقني والتنمية الاقتصادية الاجتماعية وهو العامل الأساسي الذي عزز، وما برح يعزز، مكانة تركيا على الصعيد الدولي.

 البداية السحيقة

في كل حال فمازال الشأن التركي يشكل واحدا من محاور الاهتمام العربي والشرق أوسطي والبحر متوسطي، وربما الاتحاد أوروبي بشكل عام، خاصة في ضوء الطموح التركي المشروع من حيث المبدأ والكفاءة أيضا إلى أن تشغل تركيا مكانة متقدمة وربما رفيعة ضمن مجموعة العشرين من أقطار العالم المتقدمة بصورة أو بأخرى. في ضوء هذا كله، تأتي أهمية الكتاب الذي نلقي عليه بعض الأضواء فيما يلي من سطور:

وربما تتمثل ميزة الكتاب في أنه لا يستسلم لإغراءات متابعة الشأن التركي خلال الفترة الراهنة الحافلة بدينامية الأحداث وأجندة التطلعات: ما بين الدور الذي تتطلع أنقرة واسطنبول إلى الاضطلاع به في محيطهما الإقليمي شرقي وجنوبي البحر المتوسط، وصولا إلى قارة أفريقيا من الشمال إلى القلب وما دونهما وما بين تطلع تركيا إلى نيل عضوية الجماعة الأوروبية ومن ثم الاتحاد الأوروبي بعد أن كانت قد تقدمت بطلبها ربما منذ فواتح الستينات من القرن الماضي.

إن كتابنا يهتم بالسياق الزمني والتطور التاريخي والنشأة الأولى للكيان الذي يحمل اسم تركيا بلدا وكيانا وشعبا على السواء. من هنا يحمل الكتاب عنوانه المعروف: الأتراك في تاريخ العالم. ترصد بدايات الكتاب مراحل فجر التاريخ، الذي تشكلت معه الجماعة التركية منذ 2000 سنة أو نحوهما، وجاء هذا التشكيل ليس على أساس جذور حضارية أو عوامل نشوء وتطور ووجود ضاربة وقتها في تربة هضبة الأناضول، الواقعة شرقي البحر المتوسط، ولكن جاء الوجود التركي على أساس آليات هجرة جماعية وكثيفة ومتعددة الموجات من مناطق الوسط المركزي لقارة آسيا، إلى حيث توسَّع هذا الوجود ليؤسس، كما يوضح مؤلف كتابنا كارتر فندلي.

ما أصبحنا نعرفه في زماننا الراهن بـ"تركيا" إلى جانب خمس جمهوريات "ما بعد سوفيتية" كما يصفها البروفيسور "فندلي" تتخذ مواقعها ولا تزال في مناطق الوسط من القارة الآسيوية وتستند إلى مواريث ثقافتها التركية بالدرجة الأولى. في عبارة لها دلالتها، يذهب الكتاب إلى أن الوجود التركي راجع في الأساس إلى "دياسبورا"، بمعنى حركة هجرة وتدفق من متاهات وفيافي الاستبس، مناطق الحشائش والمراعي الآسيوية، إلى حياة جديدة اقتضت من هذا العنصر التركي عملا دؤوبا وصلابة لا تحدّ ومهارات ظل يكتسبها بالتعلم وبالتجربة والخطأ إلى حيث تحولت الحياة التركية من مستوى إلى مستوى مختلف تمام الاختلاف.

 من الرعي إلى الدولة

تتابع فصول الكتاب هذه التحولات التركية من مستوى شعب رعوي ومستوى جماعات مهاجرة إلى مستوى أكثر استقرارا وأعلى رقيا، هو مستوى الدولة، ومن ثم مستوى الإمبراطورية.

ويرصد المؤلف، خلال هذه المتابعة التاريخية، حقيقة المنجزات التي حققها العنصر التركي في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولقد ترددت في الفترة الأخيرة تعابير ومصطلحات لها دلالتها الخاصة في دوائر الرصد والتحليل السياسي، وجاء في مقدمتها المصطلح التالي:

 "العثمانيون الجدد".

والمصطلح يصدق بداهة على جيل المحدثين من الساسة والمسؤولين الأتراك وفي مقدمتهم أركان حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومنهم بالذات وزير خارجية أنقرة الحالي أحمد داوود أوغلو. وربما تكون كلمة السر أو الأصل التي يتوقف عندها كتابنا هي "عثمان".

وهو المؤسس أو الرمز للكيان الهائل الذي ظل يحمل اسم "الإمبراطورية العثمانية" التي تكونت وبسطت نفوذها على مناطق شاسعة تمتد من وسط وجنوبي أوروبا إلى شرقي وجنوبي البحر المتوسط، وكان ذلك كما يوضح كتابنا خلال العقود الزمنية المتوالية، التي تقع بين بدايات القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر (عصر التكوين والتوطيد)، وكان أول حكام هذه الإمبراطورية هو "عثمان" رأس الأسرة التي انحدر من أصلابها قادة كبار وفاتحون عظام جاء على رأسهم بالطبع السلطان محمد الثاني المعروف بلقب محمد الفاتح، الذي دانت له القسطنطينية في الموقعة المشهودة التي مازالت تشكل منعطفا متميزا في سجل التاريخ العالمي.

وقد حدثت في عام 1453 للميلاد، إيذانا بسقوط الإمبراطورية البيزنطية وارتفاع نجم إمبراطورية الأتراك العثمانيين بل كان في ذلك الفتح كما يؤكد كتابنا ما جاء ليشكل عوامل بلورة واكتمال الهوية التركية كما عرفتها الحقب الزمنية التي توالت منذ منتصف القرن السادس عشر وامتدت إلى منتصف القرن التاسع عشر للميلاد.

ثم يتابع كتابنا المسار التاريخي للإمبراطورية العثمانية دولة الخلافة العلية كما كانت تسمى في أصقاع المنطقة العربية، موضحا كيف بلغت أوج ذروتها في ظل سليم الأول، الذي استولت جيوشه على الشام ومصر في عامي 1516 و1517 على التوالي، فيما بلغت ذروة مجدها الحضاري مع حكم السلطان سليمان "القانوني" كما تسميه المراجع العربية، وهو أيضا سليمان "العظيم" كما يصفه مؤلف كتابنا جريا على تسمية الحوليات الأوروبية المعنية بالتاريخ الحديث، وكان ذلك مع العقود الأولى من القرن السادس عشر.

 موعد مع الإسلام

نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف لا يقتصر في بحثه التاريخي على الألفي سنة التي بدأت بالهجرات التركية من فيافي الاستبس الآسيوية إلى شرقي البحر المتوسط، ولما تنته مع الدولة العثمانية ثم الجمهورية التركية التي أنشأها أتاتورك، كما هو معروف مع السنوات الأولى من عشرينات القرن العشرين، إن كتابنا يوغل بحكم التخصص في سرد وتحليل السياق التاريخي للجماعة التي تحمل وصف "الترك" عبر الزمان والمكان، مبينا مدى ما اكتنف تاريخ وتطور هذه الجماعة، التركية، التركمانية من تشابكات وتعقيدات عبر ما جسد وجودها الطويل من قبائل وفروع وبطون، وصولا إلى تكوين الدولة التركية الحديثة بكل ما ضمته فوق رقعتها من شعوب وملل وقوميات وتيارات خاصة، وقد كان الإسلام هو دين الدولة الإمبراطورية المترامية الأطراف.

وفي هذا السياق أيضا توضح "المجلة الأميركية للدراسات التاريخية" كيف أن الإسلام هو الجسر الذي عبرت عليه الجماعة البشرية التركية إلى حيث التبلور والرشد والشعور بالرسالة التاريخية التي ترجمتها إلى بناء دولة وبلورة حضارة وإنشاء كيان يحفظ اسمها عميقا في سجل التاريخ.

 عن التركي والتركماني

وفي السياق نفسه يشير المؤرخ التركي "كمال كربات" إلى ما يوضحه كتابنا من وجود شعوب عديدة تحمل صفة التركي أو التركماني، وإن كانت تجمعها الجذور المشتركة المستمدة من أصولها في مناطق وسط آسيا، وفي السياق نفسه أيضا يتابع كتابنا تطورات هذا الكيان التركي التي استجدت، وخاصة مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين بدأ الضعف والوهن يدّبان في أوصال هيكله الإمبراطوري، خاصة في ضوء شيوع الاستبداد ومعاناة ظواهر التعثر والتخلف عن مسيرة وإنجازات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولاسيما في مضمار الثورة الصناعية، فضلا عن نوازع الأطماع الإمبريالية التي ظلت تساور قوى الاستعمار الغربي ، انجلترا وفرنسا بالذات، من أجل وراثة التركة العثمانية ، تركة رجل أوروبا المريض كما كانوا يقولون، وفي مناطق الشرق الأوسط العربي بالذات.

وقد تبلورت هذه التوجهات التي جمعت بين استضعاف الكيان التركي بين مطامع القوى الإمبريالية المتحفزة في أوروبا ثم بين حركات الاستقلال التي اجتاحت وسط وجنوبي أوروبا عن الدولة العثمانية التركية وعلى نحو ما يذهب إليه مؤلف هذا الكتاب - في قضية ظلت محورية ومطروحة على مدار عقود القرن الثامن عشر ولفترةاستطالت إلى القرن التاسع عشر بل وإلى السنوات الاستهلالية من القرن العشرين وتحت المسمى التالي: المسألة، الشرقية.

يوضح كتابنا أيضا أن هذه القضية المسألة الظاهرة بدأت بتطور روسيا في عهد عاهلها التاريخي القيصر بطرس الأكبر (1672-1725) من دولة آسيوية أو دولة أوروبية طرفيّة تعاني تخلفا موروثا من أيام القرون الوسطى إلى حيث اتخذت روسيا سبيل التقدم والتصنيع والتنوير لتصبح دولة أوروبية بحق. وتشاء الأقدار أن يتزامن مع هذا التقدم الروسي تراجع تركي شهدته أيام القرن الـ 18 وتجلت آثاره التي يسجلها هذا الكتاب في واقع الحروب العديدة التي نشبت بين تركيا وروسيا والمدعومة بحليفاتها الأوروبيات ممن كانوا يحسدون تركيا على "ممتلكاتها" في البلقان وجنوب ووسط أوروبا، فما بالنا بموقع تركيا الحاكم استراتيجيا بالنسبة لحركة الكشوف الجغرافية والتبادل التجاري وحركة غزو أعالي البحار بأساطيل الدول الكبرى الطالعة والطامعة على السواء.

وهو موقع السيطرة على مضايق الدردنيل والبوسفور التي تجعل من اسطنبول (الآستانة كما عرفتها الشعوب العربية أيامها) قطبا محوريا للصلة بين الشرق والغرب وأيضا بين الشمال والجنوب على خارطة عالم ذلك الزمان، وكل زمان.

ويكفي كما يقول مؤلفنا أن تنشب خلال القرن التاسع عشر وحده أربع حروب وصراعات عسكرية بين روسيا القيصرية وتركيا العثمانية الإمبراطورية، حيث كان الطرفان يتبادلان نتائج النصر والهزيمة بينهما، وكان ذلك حسب نوعية التحالفات التي كان هذا الطرف أو ذاك يتمكن من إبرامها وتفعيلها، وفيما خرجت روسيا مهزومة من حرب القرم (1853-1856) إلا أن تركيا عاودت الصراع العسكري لتخرج هذه المرة مهزومة في الحرب الرابعة التي نشبت خلال الفترة (1877-1878) وبعدها استطاع السلطان التركي عبدالحميد (1842-1918) أن يضم ألمانيا إلى المعسكر التركي، حيث منح مستشارها العتيد بسمارك امتياز مد خط سكة حديد بغداد، ثم عمد الخاقان البادشاه العثماني إلى التوسع في استخدام المزيد من ضباط ألمانيا الأكفاء كخبراء في الجيش التركي.

ولأن للقدر تصاريفه الخاصة والعجيبة، فقد أتى القرن العشرون ليشهد توطيد هذا التحالف التركي الألماني، وبالتالي كان منطقيا، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، أن تصّف تركيا في أواخر عهودها الإمبراطورية العثمانية إلى جانب المعسكر الإمبراطوري الآخر، الذي كان يضم إمبراطورية "الهابسبورغ" في النمسا وهنغاريا ويضم "الهوهنزلورن" في ألمانيا، كان ذلك في الحرب العظمى (الأولى) عام 1914.

وبعدها انتهت الحرب المذكورة في عام 1918 بهزيمة المحور التركي النمساوي الألماني ولصالح كل من فرنسا وانجلترا اللتين حرصتا على "وراثة" أملاك الإمبراطورية التركية في مناطق شتى من الشرق الأوسط والوطن العربي. وفي الفصول الأخيرة من هذا الكتاب، يتابع القارئ ما تم من عملية يمكن وصفها بأنها "لملمة" الأجزاء المتناثرة من كيان تركيا، وإعادة انبعاث الروح الوطنية الطورانية في كيانها، وبذل محاولات متعمدة من جانب زعيمها أتاتورك ورفاقه للفصل بينها وبين تاريخها المشرقي بل والإسلامي، والتوجه ببوصلتها نحو الغرب الأوروبي.

وما كان لمثل هذه العمليات التاريخية الموجعة أن تستمر، لقد بدأت هذه الجراحات مع العقود الأولى من القرن العشرين، ولكن ها هي التجربة، بل العبرة التاريخية، توصّل تركيا إلى حيث تجاهد وتناضل من أجل استعادة أدوارها المشرقية الإسلامية، في إطار من التوازن الموضوعي بين ثقافتها الأصيلة وشراكاتها التاريخية وبين مقتضيات التطلع إلى الأمام حيث تسعى تركيا كما يؤكد سياسي تركي شاب هو عمر فاروق قلايجي، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الحاكم في أنقرة إلى أن تكون "من أفضل 10 دول في العالم".

 المؤلف: كارتر فون فندلي

عدد الصفحات: 320 صفحة

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر:مطبعة جامعة اكسفورد