صدر هذا الكتاب في شهر يونيو الماضي، وفي غمرة الاحتفال بمرور 200 سنة على مولد الكاتبة الأميركية "هارييت بيتشر ستو" مؤلفة رواية "كوخ العم توم".

وقد اختار له مؤلفه، وهو أستاذ متميز بجامعة مدينة نيويورك عنوانا يومئ على عكس مقولة الشاعر العباسي "أبي تمام" إلى أن الكُتْب قد تكون أكثر إنباءً، وبمعنى أمضى وأشد فعالية، من السيف.

وتلك حقيقة يدلل عليها المؤلف، فيما تصدّق عليها الأحداث، ومفادها أن من الأعمال الفكرية والطروحات النظرية والاجتهادات الفلسفية ما يمكن أن تنجم عنه تغييرات جذرية في حياة البشر وفي مسارات الحضارة الإنسانية، وهو ما تجسده بالفعل أفكار رواد كبار، مثل أرسطو وأفلاطون، أو اجتهادات مفكرين وفلاسفة في قامة الفارابي أو ابن سينا أو ابن رشد، أو روائيين ومبدعين من طراز ديكنز في انجلترا أو بلزاك في فرنسا أو ملفيل في أميركا أو تولستوي وتشيكوف في روسيا أو نجيب محفوظ في الوطن العربي. والحاصل أن رواية "العم توم" صورت فظاعة حياة العبيد في الولايات الجنوبية بأميركا.

ومن ثم أدت إلى إذكاء الصراع بين مالكي الرقيق ودعاة تحريرهم، وهو ما تجسد في اندلاع الحرب الأهلية الأميركية في ستينات القرن التاسع عشر، ومن ثم إلى قرار الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن بتحرير العبيد، الأمر الذي نال معه "كوخ العم توم" شهرة مستفيضة وذيوعا واسعا لدرجة ترجمته إلى معظم لغات العالم.

 

 

 

كان يوم 14 يونيو الماضي مناسبة احتفال خاص أحيته أوساط أدبية وسياسية وإنسانية في طول العالم وعرضه. صحيح أن فعاليات هذه النوعية من الاحتفالات كانت متواضعة أو خافتة نسبيا، ولاسيما في خضم الأحداث الصاخبة الجسام التي يمر بها العالم، إلا أن المناسبة لم تكن لتفوت دوائر أميركية، وربما أوروبية أو افريقية، معنية بقضايا حقوق الإنسان على وجه الخصوص.

لقد جاء ذلك اليوم 14 يونيو 2011 - ليوافق ذكرى مرور 200 سنة على مولد المبدعة الأميركية التي نشرت كتابا كان من شأنه أن يفّجر ثورة في ميدان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية على وجه الخصوص.

نتحدث عن "هارييت بيتشر ستو". الأديبة الأميركية التي ولدت في 14 يونيو عام 1811 ورحلت إلى عالم البقاء في أول يوليه من عام 1896.

وفي إطار الاحتفالات التي أشرنا إليها، أعاد الناس إلى الذاكرة مشهد لقائها مع الرئيس الأميركي الأشهر "إبراهام لنكولن" (1809- 1865) الذي ارتبط اسمه في حوليات التاريخ للولايات المتحدة بقضية تحرير العبيد، يومها لم يجد الرئيس على لسانه سوى عبارات قال فيها:

يا إلهي، هل هذه هي السيدة الصغيرة التي أشعلت حربا كبيرة؟ وكان لنكولن يقصد بالطبع الحرب الأهلية الكبرى التي اشتعلت على مدار الفترة (1861-1865) بين سكان ولايات الشمال وسكان ولايات الجنوب، بسبب الدعوة إلى تحرير العبيد السود الذين سبق وأن جلبهم النخاّسون وتجار الرقيق في قرون وعقود غبرت للعمل رقيقا للأرض وعبيدا لدى السادة البيض في أميركا ومازال المنحدرون من سلالتهم يعانون تلك المواريث من التمييز العنصري واللوني حتى الزمان الحاضر.

 

حكاية الكوخ

"هارييت بينشر ستو" أصدرت أعمالا أدبية كثيرة، ما بين روايات أو دراسات أو كتابات في الدين والأخلاق، لكنها عاشت في ذاكرة التراث الأدبي العالمي بفضل روايتها الشهيرة كوخ العم توم، التي تحولت إلى مسرحيات وتمثيليات وأعمال سينمائية في لغات وثقافات شتى في طول عالمنا وعرضه على السواء.

هذه الرواية أصدرتها في عام 1852 سيدة أميركية بسيطة، تعيش في بيئة شبه ريفية بمنطقة "سنسناتي"، وكان بيتها يقع على ضفة من نهر أوهايو فيما كانت على الضفة المقابلة مستعمرة للعبيد، الذين كان بعضهم يهربون من مالكيهم(!) عبر النهر وإذا بهم يلجأون إلى حيث كانت السيدة "هارييت" تعيش، وإذا بهم أيضا يهربون من حياة الاسترقاق إلى حياة تعيسة من المسغبة والتخوف والتخفي وارتقاب العقاب البدني والنفسي الشديد.

لقد صدرت حكاية "كوخ العم توم" في كتاب من 290 صفحة أو نحوها. وكان الظن أن يكون مصيره شأن أي كتاب هو القراءة أو النقد أو التصفح أو فلنقل شيئا من التنبيه أو التحذير إلى مأساة تحاك خيوطها في مجتمع من المجتمعات.

لكن الكتاب صدر ليفجر ثورة على نظام العبودية بل وليشعل كما أسلفنا نيران حرب داخلية ضروس، وكأن الكتاب يتحدى قولة الشاعر العربي القديم "أبي تمام" حين أرسل بيته الشهير: السيف أصدق إِنْباءً من الكُتْب، الخ.

ولكن كان العكس هو الصحيح، فكم من الكتب التي صدرت فإذا بها تؤدي إلى تغيير المفاهيم والنظريات والمنطلقات والأوضاع والاتجاهات.

ومن الكتب الأفكار الدعوات ما هو أصدق إنباءً من السيف، ومنها كتاب "كوخ العم توم".

وهذا هو بالضبط المنطق الذي اتبعه المؤرخ "ديفيد رينولدز" في اختيار عنوان هذا الكتاب فكان أن صاغه على النحو التالي: أصدق إنباءً من السيف. ثم أوضح ما يقصد إليه في عبارة العنوان الفرعي التي تقول: كوخ العم توم والمعركة من أجل أميركا.

وبديهي أن كانت في تصورنا هي المعركة التي دارت لاستنقاذ روح أميركا وتخليص تاريخها من وصمة نظام العبودية الذي كان بمثابة مؤسسة اجتماعية اقتصادية، تقوم بداهة على الرق والعسف والاستغلال ومصادرة حرية الإنسان.

 

ذكرى 200 سنة

صدر كتابنا على نحو ما ألمحنا بين يدي ذكرى مرور مئتي سنة على مولد مؤلفة كتاب "الكوخ" الذي عمد الروائي الروسي الأشهر "ليو تولستوي" إلى إدراجه ضمن قائمته الموجزة من الكتب العظيمة السامية التي "تدفقت معانيها من ينبوع المحبة لله سبحانه وللإنسان".

كما قال "تولستوي". أما مؤلف كتابنا البروفيسور "رينولدز"- فهو يحمد لكاتبة "الكوخ" أن كانت سيدة بيضاء، ولكنها امتلكت القدرة على أن تدخل في ثنايا ذاتية السود، حاشدة كل ملكاتها في تصوير حياتهم والتعاطف مع بؤسهم واستشراف آفاق أبعد وأرحب وأفضل تعدهم بالحرية وتبشرهم بالانعتاق.

ويوضح لنا مؤلف الكتاب كيف كانت "هارييت" تمضي الساعات الطوال في مطبخ أسرتها، في حال من التفاعل مع الخدم والخادمات من العبيد وأحفاد العبيد، وكيف عمدت إلى متابعة حوارات أعضاء الكونغرس "المحترمين" وهم يقترحون سنّ قانون جديد يؤدي إلى تجريم وتأثيم ما يعمد إليه السود البؤساء من الهرب خلاصا من جحيم العبودية التي يكابدونها.

وكان النواب وقتها يقترحون عقوبات مشددة كي تُطبّق على مثل هؤلاء العبيد الآبقين وعلى من يؤويهم بشكل من الأشكال. من هنا لم تكذب السيدة "ستو" خبرا كما يقولون، شرعت قلمها لتكتب سلسلة من المقالات التي تندد فيها بما يقدم عليه الكونغرس، وكان شعارها الذي استهلت به رسائلها إلى رئيس تحرير إحدى المجلات هو: لقد حان الوقت الذي يفرض على كل فرد، حتى ولو كان امرأة أو طفلا، أن يتكلم بكل ما يسعه من قدرة وجهد انتصارا لقضية الحرية والإنسانية.

 

لا لاستعباد البشر

وهنا يبيّن مؤلف كتابنا كيف أن هذه العبارات والكتابات والدعوات شكلت المنطلق الذي ظلت "هارييت بيتشر ستو" تصدر عنه حين شهرت قلمها كي تترجم أفكارها ودعواتها التحررية إلى رسومات وتصاوير (إسكتشات) تحاول بها تقريب الأفكار إلى أذهان جمهور منتصف القرن التاسع عشر، الذي كان أفراده في مناطق الجنوب الأميركي بالذات يتعايشون ويتعاطون مع نظام استعباد السود من ذوي الأصل الأفريقي دون أن يرمش لهم جفن.

وربما يتصورون أن هذا النظام من استرقاق البشر هو أمر من طبيعة الأشياء.يحكي لنا مؤلف كتابنا كيف أن صاحبة الرواية عمدت إلى إصدار هذه السلسلة من "الاسكتشات" التي أطلقت فيها كل العنان لخيال خصب وروح من التعاطف العميق، صورت "إليزا" الجميلة السمراء وهي تحاول النجاة بنفسها من "قناصة العبيد"، وكيف كانت تجهد في اجتياز ساحات الجليد وعبور نهر الأوهايو وهي تحمل وليدها بين ذراعيها.

ثم توقفت ريشتها مليا عند "توم" العم "توم" الطيب الشفوق، الذي جمع بين سواد البشرة وطيبة القلب، وكم ظلوا يتبادلون بيعه في صفقات متوالية إلى أن وقع في يد "سيمون ليغري"، مالك العبيد غليظ القلب فإذا بالعم توم يتعرض لصنوف الإهانة والعذاب، وكان أن ظلوا يضربونه بالسياط حتى مات.

 

حياة بين المساكين

صور من بعد صور عكفت على نشرها "ستو" في حلقات مسلسلة في مجلة شبه مجهولة في أرياف الجنوب الأميركي.

يقول مؤلفنا إن من حسن الحظ أن عمدت إلى جمعها لتصدر في كتاب عام 1852 تحت العنوان التالي: كوخ العم توم أو حياة بين المساكين.

ثم يواصل المؤلف موضحا أن الطبعة الأولى من الكتاب جاءت في خمسة آلاف نسخة فقط لا غير، ولكن لم يكد ينقضي عام واحد حتى باع كتاب "كوخ العم توم" 300 ألف نسخة في أميركا ثم مليونا، نعم مليون نسخة في بريطانيا.

في السياق نفسه يمضي المؤلف البروفيسور رينولدز موضحا على النحو التالي: علينا أن نلاحظ أن الناس الذين تعايشوا مع قصة العم توم ربما وصل عددهم إلى عشرة أضعاف من قرأوا الكتاب: لقد صدر الكتاب في حقبة زمنية شهدت أيامها تقليد القراءة بصوت عال ليسمعها أفراد العائلة ومن يلوذ بهم من المعارف والأصدقاء.

من هنا يصل مؤلف كتابنا إلى خلاصة يقول فيها: لقد كان تأثير "كوخ العم توم" هائلا بالنسبة للرأي العام.

وفي هذا المضمار بالذات يوسع المؤلف إطار تحليله للأثر العميق والمتواصل عبر المكان والزمان الذي نجم عن نشر ومن ثم انتشار كتاب "الكوخ".يوضح البروفيسور "رينولدز" كيف مهدت الرواية لإعادة انتخاب لنكولن لولاية ثانية في أميركا، وكيف تأثرت بها أفكار الزعيم البلشفي "لينين" وهو يعد لثورة روسيا الكبرى في أكتوبر 1917.

وكيف ساعدت الأديب الأميركي الكبير "هنري جيمس" على أن ينمّي في وجدانه شعورا إنسانيا عميقا انعكس في إبداعاته الأدبية، وكيف أدت ترجمات "كوخ العم توم" إلى البرتغالية والصينية إلى اشتداد ساعد قوى التحرير في البرازيل (من السيطرة البرتغالية) وإلى تعزيز تيار مناهضة الكولونيالية في الصين، هذا فضلا عما تعلّمته مؤسسة الإعلانات التي تحمل اسم "والتر ثومسون" من دروس من واقع الرواية بشأن كيفية امكانية تأثر قطاعات غفيرة من جماهير الناس من خلال مخاطبة عواطفهم،".

 

عن الشخصية البغيضة

وفي تحليله لكتابنا يذهب الناقد "أندرو دلبانكو" الأستاذ بجامعة كولومبيا إلى أن ثمة تأثيرا جانبيا ومهما نجم عن نشر "كوخ العم توم": لقد صورت المؤلفة في مالك العبيد "سيمون ليغري" شخصية بغيضة، لا لأنه كان قاسيا إلى درجة التوحش في معاملة عبيده وحسب، ولكن لأنه لم يكن يتورع أيضا عن ضرب زوجته، بين حين وآخر، وكانت تلك رسالة يصفها "دلبانكو" بأنها جاءت كعامل مؤثر على مؤسسة الزواج في طول أميركا وعرضها.

ثم يستطرد الناقد المذكور موضحا كيف أصبحت شخصية "توم" رمزا بل أيقونة كامنة ومؤثرة في صميم الأنساق الثقافية والسلوكية في أميركا حيث أضحت صورته منطبعة ومتكررة وحاضرة في مجالات شتى ما بين الكلمات المتقاطعة إلى ألعاب الألغاز والفوازير إلى أوراق اللعب إلى دمي الأطفال إلى ماركات الجوارب.

لا يفوت مؤلف كتابنا أن يتقصّى تسمية "العم توم" في تاريخ استخدامها اللغوي عبر مسارات وأروقة الثقافة الأميركية المعاصرة. والمؤلف يشير هنا إلى كاتب زنجي أميركي شهير من أصول العبيد هناك وهو "فردريك دوغلاس" (1817 1895) وهو الذي أبدى تحفظا شديدا على شخصية "العم توم" رافضا ما قد تدل عليه الشخصية من سلوكيات سلبية الخنوع باسم طيبة القلب وقبول الظلم باسم المقدّر والمكتوب.

ومع ذلك فقد ظلت الرواية بكل شخوصها ورموزها واسعة الانتشار وعميقة التأثير على الأجيال الأميركية طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى أن خّف تأثيرها كما يقول مؤلف كتابنا - مع سنوات الثلث الأول من القرن العشرين وخاصة في عام 1936 الذي شهد صدور رواية شهيرة أخرى بعنوان "ذهب مع الريح" وقد أودعت فيها مؤلفتها "مرغريت ميتشل" رؤيتها الإبداعية لمشاهد الحرب الأهلية الأميركية التي كانت صاحبتنا "هارييت ستو" من أسباب اندلاعها على نحو ما أشار الرئيس الأسبق "ابراهام لنكولن".

مع هذا كله يعاود مؤلف كتابنا تأكيده على أن "كوخ العم توم" ما برحت من الأعمال التي لا ينبغي أن تفوت قراءتها على أي مثقف في زماننا بعد أن أضحت جزءا لا يتجزأ من الوجدان الإنساني الراهن ومن الثقافة الإنسانية المعاصرة.

وأيا كان الرأي عند النقاد المحدثين في قيمة "العم توم" كجزء من التراث الأدبي، إلا أنه يكفي لمثل هذه الأعمال أن تكون بمثابة جرس إنذار أو دعوة تنبيه أو نقطة بداية لا سبيل إلى تجاهلها من أجل قيام حركة إصلاح شاملة تعيد الأمور، أو بعض الأمور إلى النصاب الصحيح.

وإذا كان كتاب "الربيع الصامت" الذي أصدرته سيدة أميركية اسمها "راشيل كارسون" في عام 1962 قد جاء ليشكل بداية لحركة حماية البيئة وتغيرات المناخ فقد كان كتاب السيدة الأميركية بعنوان "كوخ العم توم" بداية لدعوة وحركة تحرير العبيد، وهذا فضل لا سبيل إلى إنكاره بحال من الأحوال

 

 

 

الكتاب: أصدق إنِباءً من السيف: كوخ العم توم والمعركة من أجل أميركا

عدد الصفحات: 315 صفحة

تأليف: ديفيد رينولدز عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر:نورتن، نيويورك، 2011.