يصفه النقاد الأميركيون هذا الكتاب بأنه عمل علمي يتميز بالاحاطة والشمول، إذ جاء ليحوي ثروة معرفية تقدم للقارئ آراء وأفكاراً وطروحات وانتقادات عشرة من أبرز الأسماء على صعيد السياسة في الولايات المتحدة، سواء من صفوف صانعي القرار مثل الرئيسين الأميركيين الأسبقين جورج بوش الأب أو بيل كلينتون.
بالإضافة إلى واحد من صقور المحافظين الجدد في دوائر البنتاغون خلال إدارة بوش الابن السابقة وهو "بول فولفوتز" بوصفه واحدا من زعامات المحافظين الجدد ممن حرضوا باستمرار على غزو العراق، ويضم مساهمو الكتاب أيضا عددا من صفوة أساتذة العلوم السياسيين والعلماء الاختصاصيين في التاريخ وفي العلاقات الدولية، وهو ما جعل الكتاب أقرب إلى المحفل الحواري الذي يتيح لصانع القرار أن يبرر الخط السياسي الذي اتبعه خلال اضطلاعه بدوره في منظومة السلطة (في أميركا).
فيما يتيح الفرصة أيضا أمام الباحث والخبير والأكاديمي أن يجد سبيلا إلى النقد والتدارس والتحليل لتلك القرارات والسياسات التي أعقبت، كما يوضح عنوان الكتاب، مرحلتين فاصلتين في تاريخ العالم القريب، هما مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989.
ومرحلة ما بعد تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك في سبتمبر عام 2001. يحار المرء في ترجمة عنوان هذا الكتاب، وربما ترجع حيرة المترجم إلى بساطة العنوان، الذي يومئ إلى أوقات عصيبة، أو إلى أزمات متقلبة، أو إلى مراحل لا تنطوي على شيء مؤكد أو أمر مضمون.
تلك هي طبيعة المراحل التي تعقب باستمرار وقوع أحداث فاصلة جسام، تؤدي بمجرد حدوثها ومن حيث دلالاتها إلى تغييرات جذرية وحاسمة "تاريخية" كما يسمونها أحيانا في مصائر الشعوب ومسارات التاريخ.
وربما نستدعي في هذا السياق، مثلا، ما كتبه الروائي الإنجليزي الأشهر "تشارلز ديكنز" في الصفحات، بل هي السطور الأولى من رواية "قصة مدينتين" التي صّور فيها أحوال فرنسا فور وقوع الثورة الفرنسية الكبرى التي استهلت وقائعها بسقوط سجن الباستيل في 4 يوليو عام 1789. إن الفصل الأول من "قصة مدينتين" يحمل عنوان "الفترة" ويبدأ بالسطور التالية: ..كان أفضل الأوقات، وكان أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة .
وكان عصر الحماقة، كان موسما للضياء وكان موسما للظلام، كان حقبة للإيمان، وكان حقبة للضلال، كان ربيعا للأمل، وكان أيضا شتاء لقنوط،". تلك كانت الصورة كما رسمتها ريشة روائي انجليزي بعد تحطّم جدران أكبر سجون فرنسا في تلك الفترة حيث كان "الباستيل" رمزا لعهد مباد، وجاء اقتحامه وتسريح نزلائه وانهيار دعائمه إيذانا بزمن مغاير، كان جديدا، وربما كان واعدا، ولكنه كان حافلا بكل عوامل التخبط، وعناصر التذبذب ودواعي اللايقين.
عندما تتشابه الأحداث
وربما كانت تلك هي الصورة غير المحسومة التي تراءت في مخّيلة مؤلفيْ كتابنا، ومحررْيه، وهما الأستاذان "ملفن لفلر" و"جيفري لاغرو" لدى وضع مادة هذا الكتاب، فثمة متشابهات بين المرحلتين بل وبين الحدثيْن الفاصلين، وهما على وجه التحديد:
(1) سقوط جدار الباستيل في يوليو عام 1789.
(2) سقوط جدار برلين في نوفمبر عام 1989.
الحدث الأول كان إيذانا، كما اسلفنا، باندلاع ثورة فرنسا الكبرى. والحدث الثاني كان إيذانا بإعادة رسم الخارطة السياسية للعالم، فلم تمض سنة واحدة إلا وجاء النذير بتصدع ومن ثم انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى وكأيديولوجية ماركسية وكزعامة للعالم الشيوعي الذي غربت شمسه كما هو معروف مع مطالع التسعينات من القرن العشرين.
الحدث الحاسم الثاني الذي عرض له كتابنا هو مأساة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، التي أحيا الأميركيون ذكراها العاشرة أخيرا.
على أن الكتاب يتميز أساسا بأنه لا يقتصر في فصوله وسطوره على آراء كاتب أو طروحات مفكر واحد أو حتى اثنين من المفكرين أو الكُتاب، لقد جاء الكتاب ثمرة لجهود 12 مفكرا وكاتبا وأكاديميا، منهم عشرة أدلوا بآرائهم عبر الصفحات، ثم هناك الأستاذان اللذان قاما.
كما ألمحنا - بجهد الترتيب والتحرير والاعتناء بالنشر إلى أن أمكن صدور هذا السفر الذي يتناول عقابيل ما حدث بعد انهيار السور إياه في العاصمة الألمانية برلين، وأيضا بعد انهيار برجيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك، حيث جاء الحدث الأول خاتمة لظاهرة شغلت العالم طويلا عبر سنوات النصف الثاني من القرن العشرين، تحت اسم الحرب الباردة، فيما جاء الحدث الثاني ليشكل بداية شغلت وما برحت تشغل السنوات الاستهلالية للقرن الواحد والعشرين، تحت اسم الحرب على الإرهاب.
أحداث لم يتوقعها أحد
يبادر الكتاب منذ البداية للقول بأنه ما من طَرف في عالمنا كان يتوقع سقوط سور برلين الفاصل بين شطري العاصمة الألمانية من الشرق (الشيوعي) والغرب (الرأسمالي)، ولا كان هناك أيضا من يستبق الأحداث فيتوقع، أو يدعي أنه كان يتوقع، الهجمات المدمرة التي مُنيت بها أميركا مع الشهر التاسع من أولى سنوات الألفية الثالثة للميلاد.
من هنا يدعو الكتاب أساسا السياسة الخارجية الأميركية إلى أن تكيّف مساراتها وطروحاتها وأدواتها "حسب ظروف ساحة دولية تحولت بصورة جذرية وكاملة".
نلاحظ أيضا في سياق عرضنا لمضامين الكتاب أنه قد شاركت فيه مجموعة من صانعي السياسات ومتخذي القرارات الكبرى خلال الإدارة الرئاسية التي تزامن وجودها بالبيت الأبيض في واشنطن مع وقوع أحداث 11 سبتمبر عام 2001، تضم هذه المجموعة شخصيات محورية في مقدمتها الرئيس جورج بوش الأب.
بالإضافة إلى الرئيس بيل كلينتون وعدد من المساعدين والمسئولين الرئاسيين من أمثال "بول ولفويتز" الذي كانوا يعدّونه من صقور فصيل المحافظين الجدد الذين طالما أطلوا على عالم ذلك الزمان القريب من منظور استعلائي وتقسيمي رافعين شعارات مرفوضة من قبيل "الفوضى المنظمة" أو من قبيل فرض الديمقراطية بقوة السلاح.. إلخ.. وهو ما تجسد بكل سلبياته فيما أقدمت عليه بعد ذلك إدارة الرئيس بوش الابن من غزو العراق تحت شعارات، الديمقراطية!
لقاء السياسيين والأكاديميين
وقد استرعى اهتمامنا في هذا السياق بالذات ما ناله كتابنا من ثناء من جانب النقاد والمعلقين في الدوريات الأميركية المتخصصة، لا بحكم ثراء مادته وحسب، ولكن لأنه استطاع أن يجمع بين دفتّية أفكارا وطروحات وازنت بين آراء وتجارب كبار المسؤولين وصانعي السياسة في أميركا وبين آراء وخبرات كوكبة من أهل البحث العلمي والخبرة الأكاديمية.
من ناحيتهم أوضح السياسيون أنه كان عليهم، عقب وقوع دراما الحدثْين الفاصلين في برلين ونيويورك، أن يعملوا على رسم سياسات مستجدة تماما لعالم لم يكن معتادا وقتها على التعامل مع قطب رئيسي محوري واحد، هو أميركا بعد زوال القطب المنافس السابق المتمثل في الاتحاد السوفيتي، وبرغم أن عالما له قطب محوري واحد كان يمكن أن يرضي غرور الشعور الجمعي بالولايات المتحدة.
محققا بذلك ما أعلنته يوما وزيرة خارجية سابقة هي "مادلين أولبرايت" حين أطلقت شعارها الشهير الذي يقول: أميركا هي البلد الذي لا يمكن أن يستغني عنه العالم في يوم من الأيام، مع ذلك فالأمر كان يقتضي الاضطلاع بمسؤولية أكبر وواجبات أوسع وتكاليف أكثر بكثير من عالم القطبين الذي كان.
المفكرون يناقشون
من جانبه يحفل الكتاب كما ألمحنا بآراء متباينة وعميقة للمفكرين الذين عمدوا إلى مناقشة ما طرحه أهل السياسة والحكم في واشنطن، وكأنها في حكم المسلّمات، ناقش المفكرون مثلا تأثير الحدثين ، سقوط السور البرليني + انهيار المركز النيويوركي، على القيم الثقافية وربما على المواقف السلوكية في أوساط الشعب الأميركي فضلا عما طرأ من تغيرات على نظرة المواطن الأميركي العادي إلى العالم، ثم نظرة هذا العالم إلى أميركا كبلد ومفهوم وسلوك وتاريخ ومستقبل.
ناقش المفكرون أيضا ما وصفه الكتاب بأنه "الفرص الضائعة" تلك التي فات اغتنامها على بال الساسة وقرارات المتنفذين، والمهم أن جاءت هذه المناقشات، لا من منظور البكاء على لبن مسكوب في الماضي، حيث لا يجدي البكاء بداهة، ولا التأسي على ما فات، ولكن جاءت من منظور استشراف المستقبل على نحو ما تطالب به صفحات الكتاب بمعنى بذل الجهود أولا لكي تؤكد أميركا مكانتها القيادية بوصفها واحدة من القوى العظمى في العالم، دون أن تظل هي بالضرورة القطب الأوحد.
لاسيما وأن هناك قوى طالعة واقتصادات صاعدة تأتي في مقدمتها الصين بطبيعة الحال، لا بوصفها أكبر دائن لأميركا في الوقت الحالي، ولكن باعتبارها أيضا القوة العالمية أو فلنقل العولمية المؤهلة لأن تتسلم زمام هذه القيادة أو الصدارة من يد الولايات المتحدة، وفي غضون أَجَل ليس بالبعيد، إن لم يكن أَجَلا عاجلا، على نحو ما باتت توضحه تفسيرا أو تحذيرا اجتهادات أكاديمية أمريكية كان آخرها ما يذهب إليه الباحث المرموق "أرفند سبرامانيان" في كتابه الوشيك الصدور بعنوان "الخسوف:
الحياة في ظلال الهيمنة الاقتصادية الصينية"، وتلاحظ في هذا السياق أيضا أن نَشَر البروفسور "سبرامانيان" بحثا ضافيا في هذا الصدد في أحدث أعداد مجلة "فورين أفيرز"، (عدد سبتمبر/ أكتوبر 2011) حيث أطلق على الصين الوصف الدال التالي: القوة العظمى.. الحتمية (التي لا مناص منها).
تلك هي تداعيات العالم الذي تحولت أبعاده وتغيرت موازينه بين مكانة القطب الأوحد عالميا التي نعمت بها أميركا كلينتون على مدار التسعينات وفي ضوء حقبة انتعاش بل ازدهار اقتصادي كان مرموقا بكل مقياس وهو ما جاء في أعقاب سقوط السور في عام 1989، إلى عالم افتتح الألفية الثالثة بانهيار المركز التجاري ومن ثم انكشاف المَنَعة الأميركية أمام مؤثرات وضربات الإرهاب أيا كانت منابعه ودوافعه، إلى حيث واصل بندول التحولات الخطيرة حركته الدائبة مع إحياء عشرية الحادي عشر من سبتمبر.
مشيرا إلى أن ثمة قوة آسيوية مرشحة لمكانة الكيان العولمي رقم واحد في دنيا العقد الثاني من القرن الجديد، على نحو ما نطالعه عبر سطور الكتاب الذي نحمد لها، كقارئين، أنها سطور لا تقف مليا عند طرح معلومات أو عند تأمل تفاصيل بقدر ما أنها تهتم أساسا بالحفز على معاودة النظر بعين التفكير والتدبر العميق بهدف وعي الدروس المستفادة، التي يأتي في مقدمتها غرور المحافظين الجدد الذين حكموا أميركا وأثّروا على أوضاع العالم على مدار السنوات العجاف الثماني (2000- 2008).
ومن ثم كان الحفز على أن تفكر من جديد في أمر ما طرأ على عالمنا من متغيرات وفي اختيار ورسم السياسات التي تصلح لمواجهة ما يطرحه المستقبل من مشكلات وتحديات، وهو ما يتطلب نمطا مستجدا ومستنيرا من التفكير الاستراتيجي على نحو ما تدعو إليه سطور كتابنا ، بمعنى التفكير الذي لا يقف عند حدود المصالح الوطنية الضيقة أو المقصورة على حدود هذه الدولة أو ذلك الكيان السياسي بقدر ما يتسع أفقها كي تضع في اعتبارها مصالح عالمنا بكل ما يضمه من أقطار وأوطان وشعوب.
نلاحظ كذلك من واقع متابعتنا لفصول الكتاب - أنه يحوي طروحات مستجدة وقد نراها مبتكرة في سياق تحليله لأبعاد ما صادف أميركا والعالم من مشكلات سواء في التسعينات التي أعقبت سقوط السور، أو في السنوات العشر المنصرمة التي أعقبت أحداث سبتمبر التي شملت كما هو معروف كلا من نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا.
استقلال الخبراء
تتلخص هذه الملاحظة في أهمية الجمع بين مسؤولية السياسي صاحب القرار إلى جانب خبرة المفكر صاحب الرؤية، وفي هذا السياق تَحَاور المشاركون في فصول الكتاب بشأن وجاهة هذا الجمع بين المسؤولين السياسيين والخبراء الأكاديميين المستقلين كما تنبه صفحات الكتاب.
من المساهمين في متن الكتاب مَن ذهب إلى حد أبعد حين تساءل عما إذا كان المردود أفضل لو كان قد أتيح للأكاديميين الاضطلاع بمسؤولية العمل السياسي على مستوى صنع القرار ومستوى هندسة القرار ثم مستوى اتخاذ القرار وتنفيذ القرار، وبديهي أن لا يحوي كتابنا إجابات حاسمة ولا ردودا شافية أو قاطعة على مثل هذه التساؤلات.
وإنما حسب هذا المنحى في الكتاب أن يثير قضايا وأن يطرح أفكارا تتوجه في مجموعها إلى حيث الدعوة إلى عدم الركون إلى الأساليب النمطية المألوفة ولا إلى الطروحات التقليدية الجامدة، ولكن الأهم هو استشراف آفاق جديدة تقوم على أساس أفكار مبتكرة ومناهج غير مسبوقة في التعامل مع المشكلات.
على حساب الحقيقة
ومن سطور الكتاب ما ينّبه أيضا إلى ما يصفه بأنه ظاهرة تضخيم حجم المشكلات وبما يتفق مع أجندات السياسيين طلبا للشعبية وتوسيع القبول من جانب جموع الناخبين سواء على مستوى أميركا أو المحليات وما في حكمها رغم أن مثل هذا التضخيم من حجم المشكلة أو التهويل من طائلة الخطر قد يكون على حساب المصالح القومية العليا بمعنى أن يكلف البلاد مغارم جسيمة سواء في أرواح أبنائها أو في خزانتها المالية وامكاناتها المادية.
فما بالنا كما يوضح الكتاب أيضا بخسائر السمعة والتأييد المعنوي، وهو ما تكبدته وعانته أميركا بالذات من خسارة معنوية في رصيد تعاطف الشعوب معها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم كان أن نفد هذا الرصيد بسبب ما أقدمت عليه إدارة الرئيس السابق بوش الابن من غزو بلاد الرافدين بدعوى ثبت تهافتها ودحضها، كانت تزعم بوجود أسلحة للدمار الشامل.
المهم أن جاء هذا الكتاب، بل تأتي هذه النوعية من الكتب الجامعة كما قد نصفها، لتقدم إلى القارئ وجبة تجمع بين الدسامة والتنوع، كيف لا وقد فتحت أديم الصفحات لمشاركة على صعيد واحد من جانب صانعي السياسة ومتخذي القرار وعلماء السياسة وأساتذة التاريخ، وهو ما أتاح ثروة من الأفكار التي جمعت بدورها بين عمق البصيرة ونفاذ الرؤية وإثارة الشهية أمام تلاقح الرؤى وحوار الأفكار على نحو ما يقول البروفيسور "روبرت جيرفس" أستاذ السياسة الدولية بجامعة كولومبيا في تعليقه النقدي على مادة هذا الكتاب.
