صدر الكتاب قبل أيام، وأغلب الظن أن الناشر تعّمد اختيار هذا الموعد بالذات لكي يأتي متزامنا مع الاستعدادات التي تم اتخاذها في أميركا لإحياء الذكرى العاشرة لأحداث11 سبتمبر 2011، بكل ما احتوته من خسائر جسيمة في الأرواح ودمار فادح في المرافق المادية، وأيضا، وهذا هو الأهم، من ندوب لّما تلتئم جراحها بعد في النفسية الجماعية للشعب الأميركي.

هذا فضلا عن أن مؤلف الكتاب مازال يعد من غُلاة المحافظين الجدد الذين ظلوا يسيطرون لسنوات على مقاليد الأمور خلال حقبتي الرئيس جورج بوش الابن، حيث كان مؤلف الكتاب "ديك تشيني" نائبا لرئيس الجمهورية، وقطبا للتطرف والتشدد وعدم التورع عن استخدام القوة العسكرية على مستوى الساحات الخارجية في العالم.

وهو ما جسدته قرارات أميركا في أفغانستان، وأيضا بغزو العراق بدعوى العثور على أسلحة الدمار الشامل، وفي الكتاب يعرض المؤلف لوقائع السياسة وصنع القرارات المصيرية في كواليس البيت الرئاسي الأبيض، ويثني على صديقه القديم رامسفيلد وزير الدفاع الأسبق.

وهو الذي أدت سياساته إلى توريط العسكرية الأميركية في "مستنقع" أفغانستان والعراق، فيما يوجه الانتقادات إلى العناصر المعتدلة في إدارة بوش ومنها بالذات وزير خارجية الولاية الرئاسية الأولى الجنرال كولن باول، الذي كان دائم الصدام في الرأي مع تشيني، بالإضافة إلى وزيرة خارجية الولاية الثانية كوندوليزا رايس، التي يتهمها المؤلف بافتقارها إلى الخبرة وقلة التجربة.

 

 

 

في مثل هذه الأيام منذ 41 عاما، سبتمبر 1970، جاء إلى القاهرة، وللمرة الأولى، وفد أمريكي يضم بين أعضائه مسئولا أميركيا أصبح بعد ذلك ملء الأسماع والأبصار. أما المناسبة فكانت حزينة بكل معنى إذ كانت مناسبة رحيل زعيم عربي تاريخي اسمه جمال عبدالناصر. أما الوفد الأمريكي فقد بعث به البيت الأبيض خلال ولاية الرئيس الأسبق "ريتشارد نيكسون" لتقديم واجب العزاء في رحيل الزعيم الكبير

. أما المسئول الذي كان من أعضاء الوفد الأمريكي فاسمه الأول "ريتشارد" وقد تولى بعد ذلك، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي أعقبت تلك المناسبة، مناصب عدة، فقد أصبح رئيسا لديوان البيت الأبيض ووزيرا للدفاع الأمريكي ثم نائبا لرئيس الدولة خلال ولاية "جورج بوش الابن"، التي مازالت حوليات الســــياسة الأميـــركية المعاصرة تذكرها بقدر لا يخفى من المرارة، بل ومن الاستياء.

وفي سياقنا الراهن قد لا تعنينا هذه المواقع والمناصب التي تولاها السيد "ريتشارد" وقد عرفه الناس وعرفته الميديا باسمه الشائع حاليا وهو "ديك تشيني".

لكن الذي يعنينا في هذا السياق هو حقيقة واحدة هي: أن ديك تشيني هو مؤلف الكتاب الذي نلقي عليه لمحات تحليلية خلال هذه السطور. وأن الكتاب ليس دراسة تاريخية ولا طروحات نظرية، وإنما هو في المقام الأول تسجيل لمذكرات السياسي الأمريكي المذكور.

وقد بلورها وسجلها بمعاونة من جانب أبنته "ليز" واختار لها عنوانا رئيسيا لا تخفى نبرته التقليدية وهو: "في زمني". أما العنوان الفرعي الشارح والمفسر فهو كما يلي: "مذكرات شخصية وسياسية".

 

الكتاب والانفجار

ولأن مؤلفنا يجيد باستمرار فن الدعاية والإعلان وجذب الاهتمام فقد استضيف ،أخيرا، على شاشة قناة "إن بي سي" القومية بمناسبة بدايات صدور كتابه، فإذا به يمهد لصدور الكتاب الجديد قائلا بغير تردد: "إن كتابي كفيل بأن يجعل رؤوسا (عديدة) تنفجر في طول واشنطن وعرضها.

والطريف أن يوافق على هذا القول ناقد "نيويورك تايمز" المعروف ميتشكو كاكوتاني ولكن من الطرف الآخر للمعادلة، حيث يقول الكاتب الناقد ما يلي:

"إن تشيني معه حق، فأيا كان رأي القراء في سياساته، إلا أن رؤوسهم كفيلة بأن تنفجر في أرجح الاحتمالات، ولكن من فرط الإحباط وليس بفضل ما تكشف عنه فصول وصفحات الكتاب.

في السياق نفسه، يتوقف الناقد عند الأسلوب الذي اختاره المؤلف وكريمته لتدوين المذكرات عبر فصول هذا الكتاب، حيث يوصف بأنه أسلوب نثري جاف، يجمع بين لفلفة الحقائق وتبرير المواقف والنيْل من الخصوم واعتماد الانتقائية نهجا في سرد الوقائع وإبداء الآراء.

ومن أساليب اللفلفة مثلا، أو أساليب التزويق والتبرير، التي أصبح الإعلام والفكر الأمريكي يعرفها بمصطلح (spin)، ما يلجأ إليه مؤلفنا حين يصف غزو بلد عربي كبير في حجم العراق بكل ما ارتبط به هذا الغزو من دمار مادي وخسائر بشرية، فإذا به يصر في كتابه على الوصف التالي: "تحرير العراق".

 

انجازات بوش المزعومة

ثم يمضي المؤلف إلى تزيين المسألة وتبييض وجه الحقبة التي تولّى فيها المنصب رقم اثنان فيقول: لقد كان غزو العراق واحدا من أعظم منجزات رئاسة جورج بوش (!)، وبديهي أن اقتضى مثل هذا الحكم تجاهلا في سطور كتابنا لحكاية أن الأميركيين ذهبوا لغزو بلاد الرافدين بحثا عن "أسلحة الدمار الشامل".

فضلا عن تجاهل جحافل المرتزقة التي كشفت الأحداث عن استخدامهم من أجل "ارتكاب" هذا "الإنجاز"، وكانوا في خدمة شركة "بلاك ووتر" الشهيرة، هذا علاوة على ما يذهب إليه مؤلفنا من وصف معتقل "غوانتنامو"، الذي نبذته المجتمعات الأميركية، بأنه "مرفق نموذجي" يجمع بين أساليب السلامة والأمن والمعاملة الإنسانية.

المنطق التبريري نفسه الذي يعمد، كما ألمحنا، إلى لفلفة الوقائع والالتفاف من حول الحقيقة ينطبق في مذكرات تشيني التي نحن بصددها على صعيد القضايا الداخلية في أميركا ذاتها، فها هو يصف إجراءات إدارة بوش في مواجهة كوارث إعصار "كاترينا" بأنها كانت نموذجا يحتذى، فيما أبداه الرئيس بوش من أساليب القيادة التي وصفها بالحكيمة بطبيعة الحال.

ورغم سيول الانتقاد إلى حد الهجوم السياسي والإعلامي على ما أبدته إدارة بوش تشيني من تقصير في مواجهة كارثة كاترينا بكل ما خلّفته من دمار وما تسببت فيه من تشريد قطاعات شتى من أفراد الشعب الأمريكي وكان منهم بالذات قطاعات من الملونين (الأفرو- أميركان).

وأيضا من ذوي الأصول اللاتينية، إلا أن تشيني لا يتورع عن أن يشيد بسلوكيات بوش قائلا: "لقد عمد الرئيس بوش شخصيا إلى تخصيص الساعات الطوال، لا لمجرد تأكيد استجابة فيدرالية فعالة إزاء الكارثة الطبيعية وحسب، ولكن أيضا إلى التواصل مع الناس الذين كانوا بحاجة إلى أن يعرفوا كيف أن حكومتهم ساهرة على مصالحهم وراعية لأمورهم.

 

توقيت الصدور في 11 سبتمبر

وفيما يبدو لنا أن ناشري هذا الكتاب قد عمدوا إلى صدوره في توقيت متزامن مع إحياء الذكرى العاشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001)، فإن القارئ المتعمق لهذه الأجزاء الأخيرة من الكتاب التي تعرض لأحداث تفجير المركز التجاري في نيويورك وقصف مبنى البنتاجون العسكري في واشنطن وسقوط أو إسقاط طائرة مدنية في ولاية بنسلفانيا، مثل هذا القارئ لا يلبث أن يرفع حاجبيه عجبا، على نحو ما يلاحظ أيضا ناقد الملحق الأدبي لنيويورك تايمز ، لأن مؤلفنا ديك تشيني لا يورد أي تفسيرات مقنعة لتقصير أو إحجام إدارة بوش.

وقد كان مؤلفنا هو عقلها الاستراتيجي المفكر بالدرجة الأولى، عن اتخاذ أي إجراءات فاعلة أو أي تدابير احترازية مهمة لمنع وقوع حوادث 11 سبتمبر إياها، وخاصة في ضوء ما أصبح معروفا من تحذيرات سبق أن حذر منها ريتشارك كلارك، الذي كان أيامها المسئول الأول عن مكافحة الإرهاب في رئاسة بوش، فضلا عن تقرير موجز أصدرته وعممته دوائر الاستخبارات في 6 أغسطس 2001 تحت عنوان ذاتيّ الدلالة يقول بالحرف الواحد:

"بن لادن مصمم على توجيه ضربته إلى الولايات المتحدة". وفي أوساط مؤرخي السياسة الأميركية المعاصرة هناك إجماع لا يمكن أن يخطؤه المحلل السياسي يفيد بأن ديك تشيني كان أقوى نائب رئيس في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة البالغ عددهم حتى الآن 43 رئيسا.

مع ذلك فقد اتسم وجوده في هذا المنصب بغلالة من الغموض التي كانت تتجلى بين حين وآخر، ما بين ظهور قوى وآراء حادة استقاها من سمعته بصفته وزير دفاع مؤثر خلال ولاية الرئيس بوش الأب، وخاصة في غمار معارك تحرير الكويت الشقيقة، إلى حالات اختفاء أو سكوت متعمد كان رسامو الكاريكاتور يصورونها أقرب إلى الاختباء في شعاب الكهوف أو الإقامة في قاع البحار.

لكن صفحات الكتاب تكشف لنا كيف أن تشيني كان يعمد إلى العزلة أحيانا في منتجع كامب ديفيد الشهير، أو كان يلزم المسكن الرسمي لنائب الرئيس، دون التعاطي لفترات مع وسائل الإعلام، وأحيانا كان السبب هو ما كان يصاب به من وعكات صحية كانت تلم به في كثير من الأحيان.

 

رسالة إلى الرئيس

يذكر المؤلف أنه أمضى أسابيع عدة فاقدا للوعي في عام 2010 أثر عملية جراحية في القلب. وفي الفصول الشخصية من كتابنا يكشف المؤلف عن تحريره رسالة ممهورة بخاتم "سري للغاية ولا تفتح إلا بمعرفة السيد الرئيس"، حررها ديك تشيني بتاريخ 28 مارس 2001 بعد أن بعث بها مع واحد من مساعديه كي يسلمها إلى الرئيس بوش، وفيها يعلن تشيني استقالته من نيابة الرئاسة في حال إصابته بنوبة أو ذبحة قلبية.

في الإطار الشخصي نفسه، لا يملك المؤلف سوى استعادة الحادثة المأساوية التي ذهب فيها إلى الصيد، فإذا بالرصاصة الطائشة تخرج من بندقيته لتصيب وجه صديقه "هاري وننغتون"، وهي حادثة يصفها تشيني بأنها "كانت واحدة من أفظع حوادث حياته وأشدها إثارة للحزن العميق.

وعلى مستوى السياسة وقضايا الشأن العام، يعرض مؤلفنا إلى تجربته في العمل في صفوف إدارة الرئيس بوش، حيث يوجه الكثير من النقد بل واللوم إلى زميلته "كوندوليزا رايس"، سواء في موقعها كمستشار للأمن القومي أو كوزيرة لخارجية الولايات المتحدة.

ويتهمها تشيني بأنها كانت قليلة الخبرة إلى حد "السذاجة" في بعض الأحيان وخاصة فيما يتعلق بعجزها عن التوصل مع كوريا الشمالية إلى اتفاق بشأن الأسلحة النووية، ويبدو من مضامين هذه الأجزاء من الكتاب، التي تعرض لقضايا السياسة الخارجية الأميركية.

أن تشيني بدأ يستشعر المرارة وخاصة في أواخر حقبة بوش الابن عندما أحس أن نفوذه في حال من الانكماش أو الغروب لصالح قوى أكثر اعتدالا، تجسدت مثلا في الوزيرة رايس التي يمكن وصفها بأنها لم تكن موضوعيا من قوى الاعتدال بل من صفوف الوسط بين شخصية كانت أكثر اعتدالا وتفهما للأمور مثل الجنرال (الملون) "كولن باول" سَلَفها في وزارة الخارجية، وبين أقطاب التطرف الشديد في إدارة بوش ومنهم حلفاء المحافظين الجدد مثل "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الذي كانت تربطه صداقة طويلة مع مؤلف كتابنا منذ أيام عملهما المشترك في إدارة الرئيس الأسبق "فورد" خلال عقد السبعينات.

وربما على أساس هذه الصداقة يحفل كتابنا بصنوف التسويغ والتبرير للأخطاء التي ارتكبها رامسفيلد وأركان البنتاغون خلال حملة غزو العراق، التي كان رامسفيلد أول من تصورها اقرب إلى نزهة عسكرية، تتم بقوة خفيفة وسريعة وحاسمة، وهو أمر ثبت أنه أبعد ما يكون. وربما كان هذا التحيز لجانب رامسفيلد، والدافع الذي حفز المؤلف على توجيه انتقاداته المريرة إلى وزارة الخارجية الأميركية وعلى رأسها "رايس"، التي كان بوش أول من يستشيرها، وكثيرا ما يتحيز لجانبها على نحو ما تشير إليه دوما، وبنوع من إحساس الغيرة السياسية.

 

انتقاد مرير لباول

في الإطار نفسه، لم يفت مؤلفنا أن يوجه ســـــهاما من النقد إلى الجنرال باول وزير الخارجية الأسبق، وهنا يلمح كتابنا إلى وقائع المساجلات والملاسنات إلى حد الصدام أحيانا بين تشيني نائب الرئيس، الذي كان هاجسه دوما الدعوة التحريضية أحيانا إلى غزو العراق، وبين وزير الخارجية باول خلال الولاية الأولى للرئيس بوش الابن، حين كان الأخير يدعو إلى نهج أكثر حذرا وأعمق تعقلا وأقرب إقناعا بالنسبة للرأي العام الأمريكي والعالمي بشكل عام.

خاصة وقد كان باول أن نائب رئيس الدولة على حد ما وصفه الكاتب الصحافي "بوب ودوارد" - يتعامل مع معلومات الاستخبارات، بكل ما تنطوي عليه من أمور ملتبسة وتنبؤات محضة وتصورات مبدئية، على أنها حقائق واقعية.

وبمـــــناسبة الكاتب "ودوارد" فقد اشتهر عنه كتابه بعنوان "عقل بــــوش" (قدَمْت البيان عرضا وافيا له حــــــين صدوره من سنوات)، وكان يقصد بهذا الوصف "كارل روف" الذي صحبه من أيام نشأة بوش الأولى في تكساس إلى أن أصبح أقرب مستــشاريه في البيت الأبيض. والمعروف أن "روف" نشر قصة حياته في كتاب عرضناه بعنوان: "الشــجاعة وعواقبها".

كارل روف بدوره أطلق على مؤلفنا ديك تشيني وصفاً من كلمة واحدة هو "الإدارة". بمعنى أن تشيني كان يفضل أسلوب الإدارة بكل ما ينطوي عليه من الضبط والربط والتمحيص والتدقيق.

 

المحافظ جدا

في كل حال يأتي كتابنا تلخيصا في أكثر من 500 صفحة لسيرة سياسي أمريكي مخضرم تبوأ مواقع حساسة عبر فترة طويلة بدأت مع إدارة "فورد" في منتصف السبعينات، ثم إدارة بوش الأب في أواخر الثمانينات إلى إدارة بوش الابن، التي أسفر خلالها عن كل ملامح فصيل المحافظين الجدد بكل ما يتصفون به من تشدد وتعصب إلى درجة التطرف المرفوض في معظم الأحيان.

ومن عجب أن مؤلـف كـــــــتابنا لا ينـــــكر هذه النزعة المحافـــــظة المتطرفة: يحكي في أحد فصول الكتاب عن مقابلته الحاسمة مع جورج بوش الابن- حاكم تكساس الذي كان يتهيأ في أواخر التسعينات للترشح إلى منصب رئيس الجمهورية: فاتَحَه بوش في أن تضمهما قائمة واحـــــدة ليصبح ديك تشيني نائبا لرئيس الجمــــــهورية.

وهنا يقول تشـــــيني في كتابه: كـــــان الـــــرجل (بوش) بحـــــاجة إلى أن يعرف مقــدما كيف أنني أنتمي بعمق إلى فصـــــيل المحافظين.

قال بوش: ديك، نحن نعرف ذلك.

بادرته بقولي: لا، أنا أعني أنني محافظ من أم رأسي إلى أخمص قدمي، محافظ حقيقي بكل معنى.

 

المؤلف: ديك تشيني

الناشر: طبعات شريسولد، نيويورك، 2011

عدد الصفحات: 565 صفحة

عرض ومناقشة: محمد الخولي