هذا الكتاب يجمع فيه المؤلف بين تخصص أصيل في ميدان الفيزياء النووية بالجامعات البريطانية، وبين اهتمام متعمق ومتواصل بالتراث العلمي والفكري والبحثي، الذي استندت إليه الحضارة العربية الإسلامية في عصور المد والازدهار، التي لم يكن السيف هو أداتها .

ولا كان الصراع العسكري هو منطقها بل كان هذا الازدهار يقوم على أساس الانفتاح المتواصل والمستنير بين حضارة المسلمين الناطقة بالعربية وبين سائر الثقافات والحضارات الإنسانية، التي تناهت مواريثها وإنجازاتها واجتهاداتها إلى ذروة عصر العلم والترجمة في حقبة الخليفة العباسي المثقف عبدالله المأمون إبان ذروة ازدهار الدولة العباسية في بغداد، وحيث تجسدت هذه الذروة الحضارية في "بيت الحكمة" الذي شيده المأمون بوصفه أكاديمية للبحث العلمي وترجمة الذخائر الإنسانية نقلا عن حضارات الإغريق واللاتين والفرس والهند وغيرهم.

ولعل الأهم في هذا الخصوص هو ما توضحه فصول الكتاب من أن حركة الترجمة بكل ازدهارها وصلت إلى نقطة توقفت فيها أو كادت تتوقف، لا بسبب انعدام الاهتمام من جانب الدولة أو دوائر المثقفين ولكن بفضل ما خضعت له هذه الترجمات من تعليقات وتهميشات وإضافات شكلت بدورها الأساس الوطيد للإبداع والابتكار والاجتهاد ومن ثم التأليف من جانب العناصر العربية المسلمة وغير المسلمة وبذلك أدت حركة الترجمة دورا، فيما أنجز "بيت الحكمة" كل ما عقدوه عليه من توقعات وآمال بالنسبة لترشيد الحياة العربية في تجسيد لمعنى الأثر الكريم الذي يؤكد المضاهاة بين مداد العلماء ودماء الشهداء.

 

 

 

مؤلف هذا الكتاب أكاديمي بارز وأستاذ جامعي مازال يعد من صفوة العلماء العرب، ولكن في معاهد بريطانيا وجامعاتها، لا في مجالات مألوفة مثل الاستشراق أو الاستعراب أو حتى تاريخ أو جغرافية الشرق الأوسط أو في اللغات المنطوقة وفي طليعتها اللغة العربية بطبيعة الحال، إن مؤلف الكتاب يتجاوز هذه التصنيفات الكلاسيكية المألوفة، حيث لا يزال يعد ضمن كوكبة علماء الطبيعة النووية في بلاد الإنجليز.

نشأ المؤلف في ربوع العراق، وهو يبدأ كتابه الحافل من واقع تجارب هذه النشأة في عقد السبعينات، الذي يؤكد البروفيسور "خليلي" أنه كان عقدا حافلا بالمشاهد والتحولات، والاحباطات أيضا.

وربما يكون الهدف في هذا الخصوص هو إشراك القارئ في اهتمامات المؤلف وهمومه، قبل أن يدلف إلى موضوعه الذي يوزعه على 16 فصلا تدور في مجموعها حول المساهمات الفريدة والثمينة التي قدمها العقل العربي والإنجاز العربي والإبداع العربي إلى العالم، وهو ما هيأ هذا العالم إلى تقبّل عصر النهضة في أوروبا، وهي الحقبة التي بددت بأنوارها ظلام العصور الوسطى ونقلت أوروبا ومعها العالم بأسره إلى إرهاصات وفتوحات العصر الحديث.

مع صفحات الاستهلال يرسم المؤلف صورة مكثفة الاختصار لعقد السبعينات إياه، وهو العقد الذي انتهى بأسرة المؤلف، وبقرار من والد مهندس ووالدة من أصل إنجليزي إلى الانتقال وربما الهجرة من العراق إلى بريطانيا

 

ملاحظة محورية

في المهجر الإنجليزي عاود المؤلف وهو يطرق مرحلة الشباب استعادة ذكريات نشأته في أسرته ميسورة الحال في بغداد، هنا نورد من جانبنا ملاحظة نتصور أن تصبح ضمن محاور التربويين وواضعي المناهج في سلك التعليم بالوطن العربي، والملاحظة التى ننقلها عن المؤلف تقول بالتالي:

من الأهمية بمكان أن يشب الناشئة في أقطار العرب والمسلمين وقد وعت ذاكرتهم منذ اللحظات الأولى أسماء ومآثر ومنجزات تلك الكوكبة الممتارة من العلماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين الذين مازالت تضئ بأسمائهم مراحل النهضة التي عاشتها شعوب العرب والمسلمين.

ولعل أهم هذه المراحل هي تلك التي تعرف باسم العصر العباسي، وهنا يحكي المؤلف كيف ظلت ذاكرته تعي منذ أيام دراسته في معاهد العراق أسماء هؤلاء الأعلام الذين يسرد أسماءهم بكل إجلال بادئا بالاسم العربي المسلم ثم واضعا الاسم الأشهر الذي مازال يتردد في أدبيات العلم والتاريخ عند الغرب بل وعلى مستوى العالم المعاصر بأسره.

يقول المؤلف: "في مرحلة الطلب بالعراق، عرفت في المدرسة أسماء وأعمال المفكرين العظام من أمثال ابن سينا (أفيسينا) والكندي والحسن ابن الهيثم (الهازن)، لا بوصفهم شخصيات متباعدة يضمها كتاب التاريخ، ولكن باعتبارهم أسلافي الفكريين،".

 

بين هارون والمأمون

مثل هؤلاء الأعلام الكبار وغيرهم كثير كثير في سياق التاريخ العربي الإسلامي، تألقت أسماؤهم وتعمقت منجزاتهم الفكرية والعلمية، عندما حانت حقبة الازدهار التي لاحت بشائرها منذ عصر الخليفة العباسي الكبير "هارون الرشيد"، أشهر خلفاء الدولة العباسية التي تم إنشاؤها في أرض العراق عام 762 للميلاد واتخذت عاصمتها الزاهرة في بغداد، بعدها وصلت مسيرة العلم إلى ذروة التألق والعطاء مع ابنه الخليفة المثقف "عبدالله المأمون" (786- 833 م).

ويرتبط اسم المأمون في التاريخ بعامة، وفي كتابنا بشكل خاص، بإنشاء الأكاديمية التي تخصصت في الترجمة وفي البحث العلمي وحملت اسمها المعروف: بيت الحكمة.

يحكي المؤلف عن بدايات نشأة "المأمون" نفسه قائلا: في مرحلة النشأة حفظ المأمون القرآن الكريم ودرس تاريخ صدر الإسلام واستظهر تراث الشعر العربي، وأجاد فهم واستخدام العلم الذي كان ناشئا وقتها وهو علم النحو العربي، وبعدها عمد إلى دراسة أصول الرياضيات وطرائق الحساب بغرض فهم واستيعاب أساليب فرض الضرائب وجمع المكوس وأغلب الظن يضيف المؤلف أن عبدالله المأمون تدارس.

كذلك جانبا من تخصصات الفلسفة والمنطق واستخدمها في استيعاب أساليب البحث والحوار العقلاني في قضايا الدين تلك التي كان يضمها في زمان المأمون مبحث كانوا يتناولونه تحت اسمه الشهير وهو: علم الكلام.

والحق أنه حين ارتقى المأمون سدة الحكم في بغداد كان العباسيون قد شرعوا في ترجمة كثير من فلسفات وآداب من سبقهم من أمم وحضارات من اليونان إلى فارس ومن الرومان إلى الهند، لكن هاهو "ابن النديم" يحكي في موسوعته بعنوان "الفهرست" عن ذلك الحلم الذي رآه "المأمون" في منامه، وكان حلما يليق بحاكم مثقف ومفكر، وإلا فكيف يرى المأمون في المنام رجلا أشيب وأقرب إلى احمرار البشرة يتحاور مع الخليفة العباسي حول قضايا العلم والفكر، ولم يكن هذا الرجل سوى فيلسوف الإغريق الأشهر، أرسطو!

ويضيف المؤلف معلقا أنه سواء صحت هذه الرواية أو كانت من نسج الخيال، فالمؤكد أن المأمون كان مشغولا بأمر البحث العلمي والإنجاز الفكري، وهنا يستطرد البروفيسور خليلي قائلا: وإذا كان سابقوه من الخلفاء العباسيين قد بادروا بالشروع في الترجمة عن الحضارات السابقة، فإن المأمون هو الذي تحوّل بهذه الجهود إلى فكرة وجهود ثابتة أقرب إلى الوسواس العلمي الذي لا يفارق الخيال والوجدان، ومن هنا كان عصر المأمون هو الحقبة التي بدأنا نشهد فيها البشائر المحورية الأولى للعِلْم العربي.

 

هذا الحديث الشريف

نلاحظ أيضا في السياق نفسه أن المؤلف يؤكد أن هذه الإرهاصات الواعدة في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية عند العرب والمسلمين ما كان لها أن تتم وتنضج وتؤتي ثمارها إلا بعد ما وفره عصر المأمون بالذات من انفتاح سواء على الحضارات الإنسانية الأخرى أو الحوار المستنير التي تشكلت معه معالم الخطاب العام في مجتمع المأمون.

والمعنى، بالطبع، هو التأكيد على تلك الوشائج التي لابد وأن تربط بين العلم والتعلم، وبين الاستنارة والاستفادة وبين هذا كله والإيمان بالمبدأ الجوهري الذي يقول إن مشعل الحضارات الإنسانية واحد يستضئ ويتجدد بفضل إنجازات البشر، ثم ينتقل حسب قانونه الخاص من حضارة إلى أخرى.

وهنا أيضا يحيل المؤلف في سطور كتابه إلى الحديث الشريف الذي يوازن بين مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة، وهو يستفتح بهذا الحديث الجميل الذي يكرم العلم والعلماء واحدا من أهم فصول الكتاب حيث يستعرض نشأة وتطور الإسلام عقيدة وشريعة، نهجا واستنارة بزغت أنوارها في جزيرة العرب ثم توسعت وانتشرت أشعتها في مشارق الدنيا ومغاربها.

ولأن الإسلام، بهذا المعنى، يصدر عن منطق الحرص على التعلم أو هو التثاقف بمعنى التفاعل الحر والخلاّق بين شتى التجارب الإنسانية، فإن هناك جسرا وطيدا وأصيلا هو الذي ييسر أمر هذا التواصل الفكري والثقافي والعلمي بين الحضارات هذا الجسر يحمل الاسم التالي: الترجمة

وهذا بدوره عنوان فصل محوري من فصول كتابنا ويصدّره المؤلف بعبارة للبروفيسور "ديمتري غوتاس" صاحب كتاب "الفكر اليوناني والثقافة العربية" يقول فيها: تكمن أهمية حركة الترجمة العربية عن اليونانية في أنها دللت بجلاء على أنه، ولأول مرة في التاريخ، يشكل الفكر العلمي والفلسفي تراثا دوليا لا يقتصر على لغة بعينها ولا على فلسفة بذاتها،".

هنا يمضي كتابنا إلى تقصي الأسباب الجوهرية التي أدت إلى بزوغ ومن ثم ازدهار حركة الترجمة في الحقبة العباسية وفي عصر المأمون بالذات.

 

بيت الحكمة

يوضح الكتاب أن السبب الأول، ولعله الأساسي، يتمثل في تشجيع الحاكم وهو الخليفة في هذه الحالة لحركة الترجمة مع استقطاب ومكافأة الأساتذة الكبار من أمهر وأخلص المترجمين، وهي ليست مكافأة تدفع ثم يمضي المترجم إلى حال سبيله، ولكنها تتمثل كما يشير الكتاب (ص37) في ضمان التمويل المتواصل والكافي بما يهيئ بيئة عمل مريحة ومجزية ومضمونة داخل إطار مؤسسي منظم يكفل بالتالي للمترجمين المتمكنين المقتدرين سبل العكوف على نقل العمل الأجنبي ومن ثم إمكانات إنتاجه ليوضع من بعد في خدمة الدارسين والقارئين، وهذا الإطار المؤسسي يحمل بداهة الاسم الذي تدور عليه كل مباحث هذا الكتاب: بيت الحكمة.

في السياق نفسه، يوضح المؤلف كيف شهدت تلك الفترة من عصر الرشيد إلى عصر المأمون زيادة مرموقة في عدد الترجمات التي صدرت عن اللغات اليونانية والسوريانية والفارسية والهندية وكيف أن العلماء الاختصاصيين كانوا يتوخون العناية الكاملة في اختيار ما يترجمونه وكان المقياس طريفا في هذا الخصوص بقدر ما كان موضوعيا ويقضي هذا المقياس أو معيار اختيار الترجمة بما يلي: أن يأتي العمل المترجم المستجد فيجعل من كل ما سبقه من ترجمات أمرا على الهامش وليشغل العمل الجديد بؤرة اهتمام المثقفين.

والطريف أيضا أن اختصاصيي تلك الفترة راكموا أمامهم مجموعات غنية من كتب العلم الصادرة باللغة الفارسية، وعندما دققوا في أمرها، وقبل أن يبادروا لنقلها إلى العربية أدركوا أمرا بالغ الأهمية وهو: إن هذه الكتب الفارسية كانت في الأصل ترجمات منقولة عن الأصول اليونانية، وعليه فسرعان ما بادر المترجمون العرب للحصول على الأصول اليونانية، وكفى الله المؤمنين!

 

لماذا توقفت الترجمة؟

صحيح أنهم ترجموا الكثير من فلسفات أرسطو وأفلاطون، لكنهم تحولوا بالضرورة إلى دنيا الطب، حيث جاءت ترجماتهم عن "أبوقراط" و"جالينوس" ونبغ بين صفوف العاملين في مضمار الترجمة وعلى صعيد "بيت الحكمة" بالذات أسماء مازالت متألقة البريق في تراث الثقافة الكلاسيكية العربية الإسلامية.

وهنا يعرض المؤلف لأسماء أعلام من قبيل "ثابت بن قّرة" (ت عام 901 للميلاد) الذي ترجم هندسة "إقليدس"، فضلا عن "حنين بن إسحق" (803 873) ثم "اسحق بن حنين" (ت. 911م) اللذين نبغا في ترجمة كتب الطب والعلاج، إضافة إلى كتب الرياضيات وقد عين أولهما رئيسا لأكاديمية بيت الحكمة، وظلت حركة الترجمة تواصل ازدهارها في إطار هذه القوة العلمية الدافعة لدرجة العنفوان.

إلى أن بلغت ضفافا غير مسبوقة تحكي عنها عبارات المؤلف التي يختتم بها هذا الفصل المهم من الكتاب وتقول: وأخيرا آذنت حركة الترجمة إلى نهايتها في النصف الثاني من القرن العاشر للميلاد، لا بسبب انحسار أو انعدام في الاهتمام بقضايا البحث والعلم .

ولكن لأن مجال الترجمة كان وقتها قد بلغ بالطبع المرحلة التي لم تعد فيها مطلوبة، وبعد أن تمت ترجمة أمهات الكتب جميعا إلى اللغة العربية، وخضعت هذه الترجمات إلى صنوف الهوامش والحواشي والدراسات والتعليقات ومن هنا وصلت الأحوال إلى النقطة التي جاءت فيها الدراسات العربية الأصيلة _بمعنى التي جاءت نتيجة الإبداع والابتكار من جانب العرب، مسلمين وغير مسلمين، لتحل محل الترجمات عن الحضارات الأخرى وبهذا شكلت الإبداعات العربية قوة جديدة وعفية دفعت مسيرة العلم العربي أشواطا بعيدة إلى الأمام.

تحوي فصول وسطور الكتاب تفاصيل دقيقة عن مناهج البحث العلمي طيلة فترات الازدهار وبالذات خلال الحقبة التي عايشتها تجربة "بيت الحكمة"، ويوضح المؤلف كيف استطالت هذه الحقبة بكل نتائجها المبهرة على مدار 200 سنة أو نحوها، ويؤكد أيضا أن الأمر لم يكن لينتهي بعد انقضاء هذين القرنين من ازدهار العلم والبحث والترجمة في ربوع العرب والمسلمين، وإذا كان هذا الازدهار قد بدأ مع "جابر بن حيان" في القرن الثامن الميلادي فقد ظل متواصلا على نحو أو آخر حتى "الكاشي" (الفلكي ت. 1436م) في القرن الخامس عشر، وعلى مدار 7 قرون من شروق وغروب.

ويختتم المؤلف كتابه بسطور يقول فيها: ولن تعاود النهضة العلمية الإسلامية العربية مسيرها خلال يوم وليلة ولا هي بحاجة إلى إرادة سياسية فقط ولكنها بحاجة أيضا إلى فهم عميق ومستنير لمعنى الحرية الأكاديمية (حرية البحث العلمي إضافة إلى حرية المنهج العلمي ذاته)، ومع هذا كله، فإذا كان العالم الإسلامي قد أنجز ما أنجزه من قبل فهو لاشك قادر على أن يفعل الشئ نفسه في مستقبل الأيام.

 

الكتاب: بيت الحكمة

عدد الصفحات: 302 صفحة

 

الناشر: بنغوين برس، نيويورك، 2011