حظي هذا الكتاب باهتمام كبير لأسباب شتى، أولها صدوره في توقيت متزامن مع بدء حملة أوباما الانتخابية بتجديد رئاسته مع عام 2012، وثانيها أن المؤلف أكاديمي أسود مرموق وسبق له إصدار كتاب ذاع صيته في عام 2002 لأنه تناول الموضوع نفسه المتعلق باستمرار آفة التمييز العنصري على أساس لون البشرة بين المواطنين الذين يكفل لهم دستور الولايات المتحدة مبدأ المساواة في كل الحقوق والواجبات.
وثالث العوامل يتمثل في النهج الواقعي الذي يتبعه المؤلف لدى تحليله لظواهر ربما تفوت على المحلل السياسي خارج أميركا، ومنها ذلك مثلا عدم تحمس قطاعات السود في المجتمع الأميركي للاحتفال بعيد الاستقلال في الرابع من يوليه باعتبار أن الآباء الذين وضعوا إعلان الاستقلال في عام 1776 لم يتخذوا الموقف الصلب والمطلوب لمناهضة العبودية أو لتحرير العبيد، أما رابع الأسباب التي تؤكد على أهمية هذا الكتاب فيتمثل في إحالة المؤلف إلى سيرته الذاتية وإلى ذكريات أسرته وإلى تجربة والده المواطن الأسود الذي عانى في عقود سبقت من القرن العشرين من ألوان المعاملة التمييزية، التي قامت على أساس التفرقة العنصرية المقيتة ضد زنوج أميركا على أساس لون البشرة وظل يكابد آثارها العملية والنفسية أجيال سبقت من أبناء المجتمع الأميركي ومازالت آثارها ماثلة حتى الآن رغم كل ما سبق اتخاذه من إجراءات المواجهة أو العلاج سواء على مستوى القوانين الصادرة أو مستوى التعامل الاجتماعي والطرح الإعلامي.
مازال المجتمع الأميركي يتعارف على رفض النطق، مجرد النطق بعدد معين من الكلمات والمصطلحات التي ترى جمهرة الأميركيين سواء من أهل النخبة أو محترفي السياسة أو من جماهير الناس العاديين أنها كفيلة بإذكاء أو تجدد نيران الصراع أو التوتر أو التباغض بين أفراد وشرائح هذا المجتمع إلى حد ليس بالبعيد.
من هذه الكلمات المبغَضة إلى عقل ووجدان عامة الأميركيين كلمة وحيدة مشحونة بألف ذكرى مؤلمة ويصاحبها ألف ألف انفعال، هذه الكلمة هي: نيغر Nigger، وهي أولا تحريف بالنطق الأميركي لكلمة نغرو (Negro) ومعناها البديهي يصاحب، بل هو يفجر سلسلة من المعاني والمفاهيم والدلالات على النحو التالي: الزنجي، الأسود، الأفريقي، العبد، سليل العبيد المسترقين المجلوبين على متن سفن الشقاء وأساطيل النخاسة من غابات أفريقيا، إلى آخر ما يرتبط بهذه المعاني والمفاهيم السلبية من أسوأ الذكريات.
لهذا اصطلح القوم في الولايات المتحدة على أن يعتبروا النطق بكلمة زنجي، سالفة الذكر أمرا يدخل في باب المحظور والمحذور إلى حد المحرمات.
فإذا دعت الضرورة وبالذات لدواع قانونية أو ما في حكمها، فليكن التفوه مقصورا على الحرف الأول منها، وعلى النحو التالي: ذي إن وورد.
بمعنى أنهم يكتفون بالحرف الأول من الكلمة البغيضة من أجل الدلالة عنها توقيا لشيوعها أو التلفظ بكامل حروفها، وخاصة على ألسنة الأطفال والناشئة، دع عنك في برامج التلفاز أو على صفحات الجرائد والمجلات. إلى هذا الحد تظل حكاية زنوج الولايات المتحدة أو بالأدق تراجيديا هذا الفصيل من فصائل المجتمع الأميركي ، مأساة تاريخية من صفحات الماضي فضلا عن كونها مشكلة قائمة وماثلة وما برحت جاثمة على صدر المجتمع الأميركي المعاصر الذي ما زال يشهد توترات التفرقة العنصرية بين السود والبيض فيما يعاني ترجمة هذا الوضع إلى تمييز طبقي لا تخطئه عين الزائر فضلا عن المفكر أو السياسي أو الأكاديمي في معظم الأحيان.
مواجهة الحقيقة
وكتابنا الذي نعايش فصوله وطروحاته في هذه السطور يصدر عن واحد من هؤلاء الأكاديميين السود الذين رأوا أن يواجهوا الحقيقة مهما كان القوم في أميركا يحاولون سترها أو تزويقها أو إخفاء معالمها أو بعض معالمها تحت طلاء من براعة الألفاظ ومهارة الإعلام ودهاء السياسيين.
مؤلف كتابنا مفكر بارز وأستاذ جامعي مرموق، فضلا عن كونه ينتمي إلى فصيل إنْ وورد الذي ألمحنا إليه بمعنى جماعة الزنوج، السود من سلالة العبيد الذين ظلت أميركا تتعامل معهم على هذا النحو من التمييز غير الإنساني وخاصة على أساس اللون بمعنى سواد البشرة، إلى أن أقدم زعيمها التاريخي إبراهام لنكولن (1865، 1809) على إصدار مرسومه التاريخي بتحرير العبيد في عام 1863 وبعدها تطورت الأمور، وتواصلت نضالات السود في أميركا أجيالا من بعد أجيال إلى أن جاء عقد الستينات من القرن العشرين ليشهد اشتداد ساعد نضال السود من أجل تأكيد وضعية كل فرد منهم بشرا سويا في الأساس ومواطنا أميركيا مكتمل الحقوق بموجب شرعة الدستور وصحيح القانون.
هذه النضالات تبلورت في المؤسسة المكافحة التي مازالت تحمل العنوان التالي: حركة الحقوق المدنية.
قيادات وزعامات السود
وفي إطار هذه الحركة لمعت أسماء شتى قد تبدأ في عصرنا باسم مارتن لوثر كنغ (1929 1968) ولا تنتهي قائمتها بأسماء تلاميذه وأتباعه ومؤيديه من أمثال (السياسي) جيسي جاكسون أو (المسلم) مالكولم إكس أو الشاعرة توني موريسون وصولا إلى (الناشط) لويس فاراقان وتتويجا بساكن البيت الأبيض الحالي الرئيس باراك حسين أوباما.
مسيرة شديدة الصعوبة بالغة الوعورة قطعتها أميركا ما بين حكاية العبد الأسود الأفريقي الأصل في أيام القرن الثامن عشر إلى المواطن الأفرو أميركي) كما أصبحوا يسمونه من باب الكناية الذكية المهنية منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
وبكل المقاييس فلا مجال لإنكار أن حققت هذه المسيرة محصلةً حافلة بالإيجابيات في كل حال.
لكن يظل السؤال مطروحا في كل حال أيضا؟ هل معنى وجود رئيس ملوّن على قمة السلطة في واشنطن، أن انتهت قضية السود في أميركا؟
الإجابة عن هذا السؤال المحوري يلخصها ببساطة حاسمة عنوان الكتاب: استمرار حاجز اللون: السياسة العنصرية ورئاسة أوباما.
وبديهي أن الحاجز هو الاستمرار (يستخدم المؤلف مصطلحا يفيد في الإنجليزية معنى التواصل المزمن الذي لا ينقطع) ، بمعنى استمرار التمييز بين المواطنين على أساس لون بشرتهم على نحو ما أبدعه خالقهم عز وجل.
التمييز على أساس اللون
والحاصل أن موضوع التمييز اللوني يشكل هاجسا لا يفتأ يلّح على خاطر وفكر مؤلف هذا الكتاب، لقد سبق للبروفيسور راندال كيندي أن أصدر في عام 2002 كتابه بعنوان الزنجي عامدا في هذا العنوان إلى استخدام الكلمة المحظورة إياها بشكل مباشر ، بمعنى أنه لم يتبع التقليد الاجتماعي الذي أومأنا إليه في صدر هذا الحديث، فلم يكتف على نحو ما أوضحنا بالحرف الأول من كلمة نيغر بل استخدمها كاملة، وكأنها بمثابة قفاز فكري وأكاديمي يلقيه مؤلف الكتاب مع مفتتح القرن الحالي المستجد في وجه أطراف أخرى، كأنه يعمد إلى تذكير كل من يهمه الأمر إلى أن التمييز العنصري على أساس الأصل العرقي أو سمرة الجلد أو النشأة أو الأرومة الأفريقية ما برح هذا كله موجودا ومطلاّ برأسه الشائبة عند اللزوم ليحصر السود، الزنوج، صنف النيجر ضمن أحياء خاصة بهم، هي أقرب إلى معازل المدن الكبرى حث يعانون حياة الشظف والحيف والحرمان ، ويتم هذا كله رغم محاولات كانت مستنيرة بحق، منها مثلا المبدأ والقانون الذي يحمل عنوان العمل الإيجابي أو الإجراءات التعويضية التي تحاول أن تنصف السود أو حتى تنحاز إليهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
يربط النقاد بين صدور كتابنا بكل تأكيداته أو تحذيراته من استمرار ظاهرة أو آفة التمييز العنصري ضد السود في أميركا وبين استعداد الرئيس الأسود طبعا باراك أوباما لخوض انتخابات ولايته الرئاسية الثانية التي تكفلها له مواد الدستور.
تحذير من رئاسة أوباما
نلاحظ منذ الفصول الاستهلالية لهذا الكتاب أن المؤلف يحذّر من الاستسلام إزاء ارتياح يفيد بأن مأساة التمييز العنصري أو اللوني في أميركا قد انتهت مع دخول رئيس أسود إلى مكتب الرئيس البيضاوي حتى ولو كان أكاديميا بارزا ومثقفا لامعا وشابا ناضجا اسمه أوباما, ويستخدم الكتاب في هذا التحذير عبارة ذلك الشعور المتضخم بالإنجاز، موضحا أن أميركا لم تختر على مر تاريخها الممتد لأكثر من 200 سنة سوى 3 أفراد من السود لعضوية مجلس الشيوخ, واثنين فقط لتولي منصب حاكم الولاية، وبعد أن تُعدد فصول الكتاب الحوادث التي كشفت بجلاء عن استمرار هذا التمييز المزمن أو المتأصل، ولاسيما على أساس اللون ، وقد تعرض لها جموع السود ومنهم قضاة وأساتذة في كبرى الجامعات ، يبادر المؤلف إلى إصدار حكم معمم يقول فيه: إذن فالأصل العِرقي مازال أمرا محوريا، وهو يدلل على ذلك في الطروحات التي تتوسط متن الكتاب حين يشير إلى أن أوباما، بكل استنارته .
مازال حريصا على إرضاء دوائر المحافظين (البِيض) في المجتمع الأميركي، لدرجة أن يعيد في بعض اختياراته لقضاة المحكمة العليا مثلا، أسلوب وتحيزات سلفه جورج بوش الابن الذي كان كما يعرف الجميع تجسيدا مرفوضا بكل مقياس لنهج المحافظين القدامى والجدد على السواء وكأن أوباما ، في نظر مؤلفنا ، يتحرك بعقدة الأسود التقليدي الذي يحاول إرضاء الأغلبية من السادة البِيض، سواء كانوا مالكي العبيد في الماضي المندثر أو كانوا من جموع الناخبين في الواقع الراهن المُعاش.
وفي السياق نفسه يحيل الكتاب إلى عدد من صفوة المثقفين والإعلاميين السود الذين باتوا يرفضون هذه المسلكية التي يرونها تصالحية أو مهادِنة إلى حد مبالغ فيه من جانب أوباما وإلى درجة دفعت البعض، على نحو ما يشير إليه مؤلف كتابنا، إلى أن ينشر على صفحات الإنترنت مدونة تتساءل بشكل مباشر وربما بشكل صاعق فتقول: ترى هل مات أوباما الذي كنا نعرفه؟!
ذكريات عائلية مريرة
هنا لا يركز المؤلف انتقاداته على أوباما الفرد ولكن يستعيد ذكريات سلبية في محيط عائلة المؤلف شخصيا، ولاسيما مرارة والده الذي واجه قسوة التمييز وشظف الحرمان وضيق المعايش مكافحا من أجل أن يبعث بالمؤلف وشقيقيه إلى واحدة من أهم جامعات أميركا هي جامعة برنستون. وهنا يعلق المؤلف مضيفا ما يلي في سطور كتابنا: ومع ذلك فلم يكن والدي ليغفر للمجتمع الأميركي قط ما لقيه من سوء معاملة وتمييز عنصري كما تعرض له أيضا كل من كان أبي يكنّ لهم أعمق الحب.
يمضي المؤلف ليوضح جوانب من هذه المعاملة السيئة، وخاصة من طرف الشرطة التي لم تكن توقر سنّ الأب ولا شيبته ولا كفاحه الجليل لتعليم أبنائه في أرقى الجامعات، وكم كان مريرا وبالغ الإيلام حين كان أفراد الشرطة يطلقون على هذا الأب المسن المناضل لفظة الولد (بوي) وكيف كان الأب لا يفتأ يستعيد قولة نجم الرياضة الأسود المسلم محمد علي كلاي حين كان يقول: يا قوم، إن جماعة الفيتكونغ (أعداء أميركا في حرب فيتنام) لم يطلقوا علىّ أبدا وصف الزنجي، بل كانوا ينادوني باسمي لا أكثر ولا أقل.
ثم ينتقل الكتاب إلى ضفاف الواقعية الفكرية أو براغماتية العرض والتحليل كما قد نسميها، وهذا النهج الواقعي يتضح في الفصول التي يعترف فيها المؤلف بأن السود الأفرو أميركيين لا يشعرون بالابتهاج الواجب أو المتوقع إزاء الاحتفال بعيد الاستقلال الأميركي في 4 يوليو من كل عام.
لماذا؟ يجيب المؤلف قائلا: يتشكك كثير من الأميركيين بأن مواطنيهم من أصل أفريقي (يعني السود) أقل وطنية من نظرائهم البيض، وأنا أتصور أن كثيرا من السود في أميركا لم يكن يروق لهم بالذات الاحتفال بيوم 4 يوليو، والسبب يرجع إلى أن واضعي إعلان الاستقلال في عام 1776 كانوا يغضّون الطرف عن أوضاع الرق والعبودية التي كان يرسف في أغلالها السود.
ويطرح المؤلف أيضا سببا آخر يراه مهما في هذا الخصوص، ويتمثل فيما يراه من أن السود يخشون من بطش البيض يوم الاحتفال اليوليوي المذكور، ثم يضيف البروفيسور كيندي قائلا: يشعر البيض أحيانا بالسخط لدى مرأى السود وهم يحتفلون بيوم الرابع من يوليو، وكأنهم أصبحوا بالفعل أعضاء في الأسرة السياسية الأميركية.
يلخص الناقد داويت غارنر محور هذا الكتاب في جملة واحدة هي: أمة واحدة، ولكنها لا تزال منقسمة على أساس الأصل العرقي.
أما مؤلف الكتاب، وبرغم انتقاداته الموجهة عبر الفصول إلى باراك أوباما، فلا يزال يرى أن الرئيس الأميركي الملون يتبوأ مكانة سامقة وحميمة في قلوب وعقول معظم السود في الولايات المتحدة، بل فاقت هذه المكانة ما سبق وتمتعت به شخصيات رفيعة وشهيرة في التاريخ الأفرو- أميركي، شخصيات وأسماء من قبيل السياسي فردريك دوغلاس إلى هارييت توبمان نصيرة تحرير العبيد ومن أساطير الرياضة مثل جاكي روبنسون أو محمد علي إلى قاضي المحكمة العليا تورجود مارشال، إلى الزعيم الأسود الذي مازال اسمه يرتبط بالحلم الكبير في الإنصاف والمساواة وهو مارتن لوثر كنغ. وربما يلتمس السود بعض السلوى مع ما تم في 22 أغسطس من إعلان افتتاح المبنى التذكاري الذي شيدوه لتخليد ذكرى وكفاح هذا الزعيم الذي ظل يراوده ذلك الحلم في غد يزول فيه ذلك الحاجز اللوني المقيت الذي تنّدد به سطور هذا الكتاب.
المؤلف في سطور
على الرغم من أن البروفيسور راندال كيندي يحمل لقب العائلة الشهيرة في سلك الحكم والرئاسة والبرلمان والثروة في المجتمع الأميركي المعاصر، إلا أن التشابه هو في الأسماء فقط، لأن مؤلف هذا الكتاب أكاديمي أسود ينتمي بداهة إلى جماعة الزنوج أو هي جماعة الأفرو أميركيين على نحو ما تذهب إليه هذه التسمية المنمقة التي ما برحت سارية في أوساط المجتمع وفي الطرح الإعلامي والتعامل اليومي على صعيد الولايات المتحدة. يعمل البروفيسور كيندي أستاذا للقانون في جامعة هارفارد (تخصص أوباما نفسه) وقد تخرج أصلا من جامعة برنستون وكلتاهما تعدان في صدارة المؤسسات الأكاديمية الأميركية، ويُعرف عنه اهتمامه العلمي بقضية السود وما يتعرضون له من ضروب التفرقة اللونية والعنصرية، ظاهرة أو باطنة، على صعيد مختلف دوائر المجتمع في بلاده.
وبرغم ما صدر من قوانين ومراسيم وما يطبَّق من قواعد تدعو في مجموعها إلى إنهاء هذه التفرقة وتكريس تمتع الأفرو أميركيين بحقوق المواطنة، وهو ما بدأ بإعلان تحرير العبيد وإلغاء الرق في رئاسة لنكولن عام 1764 ولا يزال ينطبق عليه حاليا مبدأ العمل الإيجابي الذي يستهدف محاولة تعويض السود في دوائر الحكم ومواقع التأثير على مستوى الإدارة الفيدرالية. وقد ذاعت شهرة المؤلف مع مطالع القرن الحالي عند صدور كتابه السابق في عام 2002 بعنوانه الصادم كما قد نسميه وهو الزنجي حيث ظل الكتاب لفترة طويلة يحتل موقع الصدارة ضمن أكثر الكتب رواجا على قائمة نيويورك تايمز.
الناشر: بانثيون بوكس، نيويورك، 2011
عدد الصفحات: 322 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي

