يصف النقاد هذا الكتاب بأنه يتمحور في الأساس حول بلد آسيوي مهم مازال يعيش، برأي المؤلفة، في حالة بحث عن هوية، والبلد هو باكستان ، الدولة التي طالب بها مسلمو الهند مع استقلال شبه القارة الهندية في عام 1947 بعد 200 سنة أو نحوها من الاستعمار الإنجليزي الذي استغل كل موارد المنطقة، وجعل من الهند كما تقول أدبيات تلك الفترة، درة التاج الإمبراطوري.
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب أن المؤلفة استثمرت بحق خلاصة تجاربها بوصفها من الجيل المخضرم من المراسلين الخارجيين في مهنة الصحافة الأميركية، فلم تركن في دراستها عن باكستان إلى أضابير المكتبات، ولا اقتصرت على الإحالة إلى المراجع، بقدر ما انصّبت اهتماماتها على نحو ما توضّح فصول الكتاب على تحقيقات ميدانية تفاعلت فيها مع كل قطاعات المجتمع المسلم في باكستان ما بين قاع هذا المجتمع الذي يعاني الفقر المدقع والتهميش المفرط للمرأة. وبين قمة المجتمع حيث يرصد الكتاب حرص النخبة الموسرة والمحظوظة على تكريس مصالحها،
وبين هذين النقيضين تسجل المؤلفة الأميركية في منهج الرصد والتحليل والتحذير أيضا تنامي نزعة التطرف في قطاعات المجتمع الباكستاني حيث يتم استغلال العقيدة ثم استثمار العاطفة الدينية لتحقيق أغراض معينة وهو ما يمس مصالح ذلك البلد الوطنية، أولا ثم يمس مصالح العالم بحكم امتلاك باكستان للسلاح النووي ثانيا، فيما يمس في الصميم أيضا مصالح أميركا بحكم الوجود العسكري الكثيف لقواتها في مسارح العمليات في أفغانستان ومناطق الشرق الآسيوي بشكل عام..
«باكستان»، اسم يستدعي على الفور عقيدة الإسلام وجموع المسلمين من شبه القارة الهندية، كانت أرضها « كما يجمع المؤرخون»هي مهد الحضارة الهندية القديمة، وبالذات في أحواض أنهارها الآسيوية الكبرى وتعد أعرق حضارات شبه القارة الهندية.
فيما كانت ساحتها مْعبرا يصل ما بين شبه القارة وبين أصقاع آسيا الوسطى ومنها إلى أرجاء شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط، لا عجب أن ظلت هذه الأرجاء الآسيوية، على مر التاريخ البشري، مطمعا وموئلا للغزوات والصْولات الإمبراطورية والمطامع التي طالما راودت قيادات وزعماء العالم القديم، وكان أشهرهم بالطبع هو "الاسكندر الأكبر"، الفاتح المقدوني، وكان ذلك خلال الربع الأول من القرن الرابع قبل الميلاد.
ثم كان على هذه الأصقاع الشمالية أن تنتظر إلى أن وافاها التاريخ في عام 712 للميلاد على وجه الخصوص حين ظهرت على أراضيها طلائع الفتح الإسلامي، التي حملت إليها المشاعل التاريخية التي أضاءت نور العقيدة المحمدية صدور وقلوب أبناء تلك البلاد التي أضافت ملايينها من السكان إلى جماهير المؤمنين بالدين الإسلامي ليظل عقيدة الأغلبية الساحقة من أبنائها حتى كتابة هذه السطور.
ثم كان على هذه الأرض المسلمة أن تشارك سائر أرجاء شبه القارة الهندية فيما تعرضت له عبر التاريخ الوسيط ومن ثم التاريخ الحديث من مصائر الخضوع لغزوات وحكام ونظم سياسية تنوعت مصادرها وأصولها بقدر ما تباينت إنجازاتها أو إحقاقاتها.
ورفعت هذه الموجات المتباينة أعلاما وشارات حملت أسماء وشخصيات كانت تنتمي عبر حقب زمنية مختلفة إلى ثقافات السيخ أو المغول أو الأفغان أو الفرس أو التركمان إلى أن جاء عام 1857 على وجه الخصوص: هو العام الذي شهد استيلاء الاحتلال البريطاني على هذه الأصقاع الهندية حيث فُرض عليها نظام الاستعمار الأجنبي المستغل، كي تصبح الهند في مجموعها درّة التاج الإمبراطوري.
كما كانوا يسمونها، وليفرض عليها ما وصفوه أيضا بأنه "حكم الراج" الذي كان يتحكم في مقاليده نائب الملك، الذي طالما امتدت سلطاته من أرض الهند عبورا بأرض باكستان الحالية (أرض البنجاب والسند وما إليها) بل وصولا إلى مناطق الشرق والجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية.
غاندي وجناح
مع هذا كله، وعبر تلك العقود الطويلة التي امتدت ما بين عام الاحتلال في 1857 وعام 1947 عام الاستقلال الذي تحقق بفضل الكفاح الطويل لزعماء وقيادات وجماهير الحركة الوطنية الهندية، وعلى رأسها الروح العظيم "مهاتما غاندي" (1869 1948) ورفاقه ومعاونوه ، فقد ظلت حوليات تاريخ المنطقة تشهد بأن مسلمي الهند كانوا دائما يعتزون بعقيدة التوحيد التي آمنوا بها ومن ثم فقد رفضوا، بل نقول تعففوا ،إزاء ما كان يطرحه عليهم المستعمر البريطاني وعملاؤه من مغريات الذوبان أو الانصهار في غمار مجتمع الهند العريض.
لا عجب كما توضح موسوعة كولومبيا الأميركية أن بادر مسلمو الهند إلى إنشاء كيان مؤسسي يتصف بطابع سياسي اجتماعي، فيما يجسد الكيان الإسلامي المتميز بين شعوب الهند مع مطالع القرن العشرين، هذا الكيان حمل في عام 1906 الاسم التالي: العصبة الإسلامية.
وكان رئيس هذه العصبة واحدا من رفاق "غاندي" وهو الزعيم المسلم "محمد علي جناح" (1876 1948). ولم تمض سوى عشر سنوات على إنشاء عصبة مسلمي الهند حتى ارتفعت دعوتها مدوية في أنحاء العالم الإسلامي وبالغة التأثير في أسماع أركان الإمبراطورية البريطانية ترفع مطلبها المحوري الذي ظلت تكافح من أجله على مدار 30 سنة من عمر تلك الفترة وكان المطلب يتلخص فيما يلي: إنشاء دولة خاصة بالمسلمين.
من هنا شهد عام 1947 استقلال الهند، فيما شهد في الوقت نفسه ميلاد الدولة الإسلامية الجديدة تحت اسمها المعروف: جمهورية باكستان. وبديهي أن كان أول رؤسائها هو زعيم الاستقلال محمد علي جناح.
باكستان منذ الخمسينات
ولأن التاريخ، أي تاريخ للأمم والشعوب، لا يسير ضمن خط مستقيم، فقد شاءت أقدار باكستان أن تواجه مصاعب وتصادف مشكلات بل ومحنا ربما جاء على رأسها مثلا استسلام حكامها الجدد مع أواسط عقد الخمسينات لإغراءات الدخول في أحلاف الاستعمار الجديد التي كان من أبرزها مثلا الحلف المركزي جنبا إلى جنب مع شاه إيران.
وجاء ذلك في مواجهة حركة الاستقلال ودعوات تقرير المصير والتحرر الوطني التي كان قد اشتد ساعدها في تلك الفترة على مستوى شعوب الأمة العربية بين مشرقها ومغربها مقترنة بالدعوة إلى الحياد الإيجابي والاصطفاف على طريق عدم الانحياز. وربما كانت المشكلة الأكبر حادثة الانفصال الإقليمي الذي أفضت إليه حرب الهند وباكستان في خريف وشتاء عام 1971 وكانت نتيجتها قيام دولة جديدة في إقليم البنغال الباكستاني سابقا لتحمل اسمها المعروف: "بنغلاديش".
فما بالنا باستمرار حالة من التوجس والتربص التي تصل أحيانا إلى درجة العداء وتهدد بمزيد من الاشتباك العسكري بين الهند وباكستان لدرجة أن عمد كل من البلدين كما هو معروف إلى امتلاك قنبلة نووية، ونال كل منهما عضوية النادي النووي بكل ما ينطوي عليه ذلك من أخطار لا يعلم بها إلا الله.
هذا التاريخ الحافل بالتحولات والمنجزات والمشكلات والسلبيات هو المهاد الذي ينطلق منه الكتاب الذي نلقي عليه بعضا من ضوء في هذه السطور، وإن كان الكتاب يركز بالدرجة الأولى وهذا هو الأهم بالطبع على الوضع الراهن الذي تعيشه باكستان.
عبدالسلام وجائزة نوبل
صحيح أنها حققت إنجازات لا سبيل لإنكارها في مجالات شتى كي تصبح قوة آسيوية يُعتد بها في التحليل الأخير.
وربما يتميز بين هذه الإنجازات ما تحقق بالذات في مضمار التعليم والبحث العلمي، ولدرجة أن كان من أبنائها أول عالم مسلم يحصل على جائزة نوبل الرفيعة، وقد سبقه في ذلك العالم البارز من مصر العربية الدكتور أحمد زويل.
نتحدث عن البروفيسور "محمد عبدالسلام"، الحاصل على جائزة نوبل في علم الفيزياء في عام 1979 ، وقد تخرج في جامعة البنجاب، وأكمل دراسته العليا في جامعة كامبردج، وبعدها كرس معظم وقته وجهوده لبحوث الفيزياء النظرية في المركز الدولي الاختصاصي في هذا العلم بمدينة تريستا في إيطاليا.
والغريب يلاحظ كتابنا أن باكستان لا تكاد تذكر - ناهيك - أن تكرّم اسم البروفيسور عبدالسلام. لماذا؟ لأنه كما تنقل فصول الكتاب عن أوساط باكستانية ينتمي إلى طائفة يراها الأغلبية من أهل البلاد خارجة أو مارقة عن صحيح الإسلام.
وبصرف النظر عن هذه "الحالة" فالشاهد هنا أن باكستان تستبد بأمورها وبحياتها مثل هذه الخلافات والاختلافات إلى حدود فادحة الخطر، وهو ما جعل مؤلفة هذا الكتاب تختار له عنوانه الرئيسي الذي يقول: اللعب بالنار. ثم عنوانه الفرعي الأكثر إبانةً والأوضح تفسيرا: باكستان في حرب مع نفسها.
تتمثل ميزة هذا الكتاب في أن المؤلفة "باميلا كونستابل" تعد من جيل الصحفيين المخضرمين في مضمار الصحافة الأميركية، وهذه الخبرة الإعلامية الطويلة هي التي أفادتها في معالجة موضوعها الباكستاني بكل مشكلاته وأبعاده وتعقيداته، خاصة وأنها لم تقتصر في تجميع المادة على المراجع أو الموسوعات، ولكنها اختارت أسلوب التحقيق الميداني الرصين حيث جمعت مادة الكتاب من داخل المجتمع الباكستاني من جهة ثم أخضعتها لمنهج التحليل العلمي السوسيولوجي والعقائدي والسياسي من جهة أخرى.
وعندنا أن هذا الاهتمام المتزايد في أميركا بالحالة الباكستانية إنما يرجع أولا إلى جذور السياسة الأميركية منذ أيام الحرب الباردة حيث كان النظام الحاكم في عواصم باكستان ما بين كراتشي إلى روالبندي إلى إسلام أباد محسوباً على واشنطون باعتبار أن الهند كانت إما محسوبة على موسكو أو على حركة عدم الانحياز.
أميركا وأهمية باكستان
في الوقت نفسه فالاهتمام الأميريكي الراهن بأمر باكستان يرجع طبعا إلى أنها تحدق بالوجود الأميركي لا في مسرح المعارك بأفغانستان ولا في الشرق الآسيوي وحسب ولكن على مناطق وتخوم الحدود الأفغانية الباكستانية، حيث صراعات القبائل وحيث اختراقات العناصر الانتحارية أحيانا وحيث هجمات اجتياز الحدود، وهنا فقد لا ننسى أن عملية تصفية "أسامة بن لادن" تم تدبيرها وإنجازها على أرض باكستانية في نهاية المطاف.
ثم أن باكستان بلد يعتد به في تصنيف الدول الآسيوية (180 مليون نسمة) وهي تضم مدنا محورية منها لاهور مثلا (10 مليون نسمة) التي زارتها مؤلفة هذا الكتاب وكان أن وصفتها بأنها العاصمة الثقافية للبلاد وتضم بدورها أكبر جامعة في باكستان، كانت الزيارة في عام 2008 ويومها التقت المؤلفة بعدد من أعضاء "جماعة الطلبة" وعلمت أن أحد عمداء الكليات تعرض للاعتداء عليه(!) لأنه أقدم على طرد طالب من أعضاء الجماعة المذكورة التي تطرح شعارات دينية.
بعد سنتين عاودت المؤلفة زيارة الحرم الجامعي نفسه، وكان ذلك كما تقول في كتابها في ربيع 2011 وهنا لاحظت، وسجلت في فصول الكتاب، كيف زاد نفوذ الجماعة المذكورة، وكيف توسعت شعاراتها، وكيف أن أعضاءها أصبحوا يفرضون سيطرة من نوع ما حتى على زملائهم، ثم نقلت عن واحد من زعماء هذه الجماعة الطلابية قوله:
"إن هناك قيما تأتي من الغرب ولكنها لا تنتمي إلى مجتمعنا (المسلم) ونحن لا نسمح إطلاقا بأشياء تحدث داخل جامعتنا، أشياء من قبيل المخدرات أو الموسيقى أو النشاط الإعلامي أو العلاقات مع الفتيات" .
هنا تعلن المؤلفة من وجهة نظرها قائلة: لقد رأيت أن ما يذهب إليه هذا الطالب إنما يأتي مباشرة من تصور "طالبان" للعالم (الخارجي).
اغتيال حاكم البنجاب
وقبل أن نطالبها كقارئين بمراجعة أو تدقيق آرائها ، وخاصة ما يتعلق بالمخدرات أو علاقات الجنسين ، نلاحظ كقارئين أيضا أن المؤلفة تسارع إلى توضيح أن مثل هذا التطرف من شأنه أن يقود إلى المزيد من التطرف، ثم تدلل على ذلك قائلة أنه لم يكد يمضي عام واحد على هذه المشاهد حتى بادر حارس متطرف إلى اغتيال "سلمان تيسير" حاكم إقليم البنجاب، الذي رأت فيه المؤلفة رجلا كان ينتمي إلى لاهور القديمة التي كانت متسامحة في زمن مضى.
وفي هذا السياق تمضي سطور الكتاب لتوضح أن أخطر ما في الأمر لم يكن مجرد حادثة الاغتيال وحسب، ولكن ما تكشفت عنه الأمور من سلوكيات المحامين وضباط الشرطة ورجال الدين الذين احتفلوا بالقاتل بوصفه من حماة الدين!
ثم تضيف سطور الكتاب قائلة بالحرف: وهكذا بدأ مجتمع مسلم حديث يثبت أنه أكثر تعصبا مما كان يتصور مساندوه، وخاصة بين صفوف النخبة الثقافية في الغرب، فيما استبد الخوف بالسلطات الحاكمة في ذلك المجتمع فلم تُقدم على مواجهة جماهير المتدينين.
رغم هذا كله، يظل من حق مؤلفة هذا الكتاب أن نشهد لها بأن مشكلتها مع المجتمع الباكستاني لم تكن هي التركيز على جوانب ما رصدته ولا ما تصورته من مظاهر التطرف الديني فحسب، لقد اختارت الأستاذ "باميلا كونستابل" أن تنفذ إلى صميم ذلك المجتمع، فلم تكتف بحكاية التطرف والمتطرفين، بل وسّعت لقاءاتها وحواراتها، كي تشمل طلابا ومزارعين ووزراء ونساء فقيرات ومديري مصانع، وعلماء في الدين، وربما دفعها الفضول المهني كصحافية متمرسة إلى لقاءات عابرة مع بسطاء الناس عند محطات الباص.
ثم خرجت من هذا كله بصورة تحليلية متعددة الأبعاد عن المجتمع الباكستاني: رأت فيه مجتمعا يعاني رواسب من آفة الإقطاع ومن خلل في نظام العدالة، ومن معاناة بالغة القسوة تكابدها المرأة الفقيرة، ومن قوة ونفوذ يتسمان بالاتساع والعمق يتمتع بهما الجيش، وخاصة عند مستوى الجنرالات، هذا فضلا عما وصفته بأنه التنامي المطرد بغير هوادة لتيارات التطرف الديني.
بين القاع والنخبة
وقد يحمد لها النقاد في هذا الخصوص أنها وزعت جهودها في الرصد الميداني والتحليل المنهجي بين قطبي المجتمع الباكستاني، وبالتحديد بين أهل القاع وأهل النخبة من أبناء المجتمع المذكور.
في القاع تصادف العامل الواقع في براثن الفقر المدقع الذي لا يتجاوز عمره 45 سنة بينما يبدو فوق الستين، لماذا؟ لأنه باع كليته كي يسدد ديونه أو جزءا كما قال من هذه الديون.
وعند القمة تسجل ما رصدته من تكريس للمصالح الشخصية أو الفئوية، سواء في أركان الحكومة أو في أروقة البرلمان، وهي تنتقد عزوف القيادات المدنية عن التصدي بحزم وفعالية لمواجهة تيارات التطرف، فضلا عن ضرورة الاهتمام بتصريف شؤون الحكم لصالح عامة المواطنين وليس لتكريس مصالح القلة أو النخبة المحظوظة من هؤلاء المواطنين.
ولقد نلاحظ انحياز المؤلفة عبر الفصول المختلفة لصالح هؤلاء العامة من جماهير المواطنين في باكستان، ولذلك فهي تكون في أفضل حالاتها عندما تحاول النفاذ إلى حياة ومكابدة هذه الطبقات الدنيا في ذلك البلد المسلم، على نحو ما تذهب إليه الكاتبة "جين بيرليز" (نيويورك تايمز، عدد 8/8/2011) في تحليلها لهذا الكتاب.
وعندنا أننا مهما اتفقنا أو اختلفنا مع ما تطرحه المؤلفة، فالأهم من هذا كله أن ينتبه الفرقاء إلى خطورة أن تستشري حالة من التطرف والعنف باسم الدين في بلد آسيوي كبير يدين بالإسلام، وهي عقيدة السماحة والمحبة وإعلاء حقوق الإنسان.
