لعب الجيش المصري دورا مركزيا في حسم الأمر وانتصار الثورة المصرية وإرغام الرئيس المصري السابق حسني مبارك على الرحيل . وقد حرص المجلس الأعلى للقوات المسلّحة على التأكيد مرارا وتكرارا أنه سوف يسلّم السلطة للمدنيين مباشرة بعد تنظيم الانتخابات.
ساهمت القوى السياسية المصرية في الانتفاضة الشعبية. وكان الاخوان المسلمون ،أحد أكثر الجماعات المصرية تنظيما، قد انخرطوا في صفوفها بقوّة منذ يومها الثامن.
وشارك المصريون بأعداد كبيرة وبنسبة لا سابق لها في التاريخ المصري الحديث في استفاء 15 مارس ـ آذار 2011 على تعديل الدستور.
يتفق الجميع على أن الصعوبات كبيرة أمام مصر . لكن البلاد تمتلك ثروات وقدرات بشرية تسمح لها بالنهوض إذا تمّ استثمارها بشكل صحيح .إن رحيل مبارك ليس نهاية لكنه بداية مرحلة بناء صعبة، خاصّة أن أنصار النظام القديم يترصدون في " الكواليس".
"الشعب والجيش يد واحدة"، هذا هو أحد الشعارات التي رددتها جموع المتظاهرين في مختلف أرجاء مصر طيلة أيام الثورة. وأكّدت الجماهير المحتجّة منذ بداية الانتفاضة الشعبية أن الجيش سوف يعيد لمصر عزّتها.
وفي المحصّلة بدا هذا الجيش في موقع من لعب دورا ثوريا، حيث كان القوّة الوحيدة التي يمكنها إرغام مبارك على التخلّي عن الحكم. هذا رغم أنه كان قد تردد كثيرا قبل استلام السلطة وأقسم عند توليها أنه لن يظلّ فيها سوى الفترة الضرورية لتنظيم انتخابات ينقلها بعدها إلى المدنيين.
ويشير المؤلفان إلى أنه ليس من المعروف أبدا أنّ للمشير محمد حسين طنطاوي أيّة طموحات سياسية . وهو أحد أقدم ضباط الجيش المصري حاليا، وربما أحد أكثرهم تكريما بالأوسمة، إذ خاض حروب 1956 و1967 و1973 وحرب الخليج الأولى عام 1991 . بعد هذه الحرب الأخيرة عيّنه الرئيس المصري السابق حسني مبارك وزيرا للدفاع ليحتفظ بالمنصب حتى اليوم.
تتمّ الإشارة أن الرئيس السابق حسني مبارك كان ضابطا في الجيش وأنه اعتمد كثيرا طيلة فترة حكمه على عناصر من القوات المسلّحة . وكان آخر رئيس حكومة عيّنه احمد شفيق، قائد سلاح الطيران المصري سابقا. وضابط آخر لعب دورا كبيرا إلى جانبه هو اللواء عمر سليمان رئيس جهاز الاستخبارات السابق والرجل الذي قرر مبارك أن ينقل له سلطاته قبل إرغامه على الرحيل.
ويكرّس المؤلفان عددا من الصفحات للذين يدعونهم بـ " جيش الظل" ويقصدان بذلك الأخوان المسلمين. ويؤكّدان أنهم موجودون في كل مكان بمصر وأنهم إحدى أكثر القوى السياسية المصرية تنظيما وأنهم معروفون بانضباطهم.أمّا مشاركتهم الفعلية الظاهرة في الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، فقد بدأت واقعيا بعد أسبوع من انطلاقها.
وكان عدد من شبابهم قد أسسوا مواقع انترنت، مثل "أخوان اون لاين" و"أخوان اوف لاين"،عرفت نقاشات مستفيضة حول شتى المواضيع. وقد أكّد الأخوان قبل رحيل مبارك أنهم لا يتطلعون للرئاسة في مصر ولن يرشحوا أحدا منهم للمنصب. ويتعرّض المؤلفان بالتحليل لمختلف التيارات التي تتألف منها حركة الاخوان المسلمين في مصر اليوم. والشعار الذي رفعه الأقباط المصريون في مواجهة صعود قوّة الاخوان هو "الدين لله والوطن للجميع ،للكل".
نريد الحريّة
في تاريخ 15 مارس ـ آذار 2011 قام عدد كبير من المصريين بالتوجّه لصناديق الاقتراع للمرّة الأولى في حياتهم بمناسبة الاستفتاء الذي قرره المجلس العسكري الأعلى حول الإصلاح الدستوري. وفي ظل النظام القديم كانت نسبة 10 % بالكاد من مجموع السكان يمارسون الاقتراع بحكم أنّهم موظفون تقلّهم حافلات تابعة لأرباب عملهم ،الأعضاء غالبا في الحزب الوطني الحاكم آنذاك.وكثير منهم كانوا "يتقاضون" ورقة مالية لوضع البطاقة الانتخابية التي سلمت لهم في صندوق الاقتراع.
على العكس ،في الاستفتاء الأخير ـ 15 مارس ـ على الإصلاح الدستوري توجّه 18 مليون ناخب مصري ،دون حملة انتخابية حقيقية، للإدلاء بأصواتهم وهم يشعرون بالفخر بالتعبير عن صوتهم بكل حريّة . ووصول نسبة المقترعين إلى 41 % من مجموع المسجّلين على اللوائح الانتخابية يشكّل سابقة لا مثيل لها في التاريخ المصري الحديث. لقد مرّ الاختبار الديمقراطي بنجاح.
وكانت النقاشات السياسية قد عمّت قبل الاقتراع في مقاهي مصر وشوارعها، حول الدستور وتعديلاته المقترحة من قبل لجنة قانونيين شكّلها المجلس الأعلى للقوات المسلّحة. كانت الأسئلة المطروحة على المصريين متفرّعة من السؤال السياسي التالي:هل ينبغي الإصلاح على مراحل،كما يقترح الجيش أم يتم ترك الماضي تماما والانطلاق بدستور جديد؟. بكل الحالات فاز اقتراح تعديل الدستور القائم بنسبة 77 % من أصوات المقترعين.
تشير تحليلات المؤلفين إلى أن نتائج الاقتراع تركت مرارة لدى "الثوريين" ممن اعتصموا خلال الانتفاضة في ميدان التحرير. ولم يترددوا في شجب موقف الاخوان المسلمين وبعض الأئمة الذين قدّموا الاقتراع لصالح التعديل الدستوري كـ "واجب ديني". إن نتائج الاقتراع ذكّرت الجميع أن مصر فيها غير ميدان التحرير وأن هناك أغلبية تتطلّع للتغيير لكنها بحاجة لنقاط ارتكاز ثابتة.
وبعد التأكيد على الصعوبات الحقيقية والكبيرة التي تواجهها مصر، يتم التأكيد على أن الصورة ليست قاتمة تماما. التضخّم بقي كما كان قبل الانتفاضة ولم تحصل زيادة كبيرة في الأسعار، والجنيه المصري الذي واجه عقبات حقيقية لم يصل إلى الانهيار، والأمر نفسه بالنسبة للبورصة رغم أنّها استأنفت نشاطها بكثير من العسر في نهاية شهر مارس الماضي. مع ذلك تخلص التحليلات إلى القول إن عجلة البلاد تدور ببطء كبير وغالبية المصريين قلقين حيال المستقبل.
في مثل هذه الظروف كيف يمكن إقناع المصريين بضرورة أن يثقوا بالديمقراطية؟، يتساءل المؤلفان. ويجيبان أن هذا يشكّل التحدّي الهائل الذي تواجهه القوى الفاعلة الجديدة في اللعبة السياسية. ذلك أن الجميع يدركون جيّدا أن الرهان الخاص بمستقبل الديمقراطية في مصر يتعلّق بموقف الأغلبية الصامتة.
الخطوة الأولى والجوهرية الملحّة تحددها التحليلات المقدّمة بالعمل على نشر وعي سياسي في المناطق الفقيرة بشكل خاص، للقطيعة مع الممارسات القديمة. وهذا يتطلّب بالضرورة وقتا طويلا. وسيكون من المطلوب تقديم أجوبة ملموسة على ما ينتظره المصريون الذين تحظى المسائل الاجتماعية ـ الاقتصادية لديهم بالأولوية على جميع المسائل الأخرى.
إن رحيل مبارك لم يكن نهاية ، لكن بالأحرى بداية . هذا مضمون ما ينقله المؤلفان عن عدد من سياسيي مصر ومثقفيها. وفي الفترة التي تبدأ لا بدّ من توفّر ممثلين للشعب يتمتعون بالمصداقية . كذلك لا ينبغي تبديد الوقت فأنصار النظام القديم لا زالوا موجودين ويترصّدون في "الكواليس" من أجل تكسير الثورة المنطلقة أو حرفها عن مسارها.
ومن الهام جدا المحافظة على قبول التنوّع كما كان الأمر في ميدان التحرير، حيث ناضل اليساريون والإسلاميون جنبا إلى جنب، وحمى المسيحيون المسلمين عندما كانوا يؤدّون الصلاة ،والأمر نفسه فعله المسلمون حيال المسيحيين، وتآخت سيدات محجّبات مع أخريات سافرات. لقد قامت الثورة، لكن بدأت مهمّة قد تكون أكثر صعوبة وهي المحافظة على "روح ميدان التحرير".
مصر تستيقظ
"ارفع رأسك أنت مصري" ،هذه الجملة وضعها المؤلفان في صدر الصفحات الأخيرة من الكتاب المكرّسة لـ "اليقظة المصرية". وهي أيضا الجملة التي رددتها ملايين الحناجر التي استعاد أصحابها الأمل بغد أفضل.
ما يؤكّده المؤلفان كذلك هو أنهما شاهدا بريق الإحساس بالفخر في عيون أبناء الشعب المصري، خلال الثمانية عشر يوما من انتفاضة ثورية أعادت البلاد خلالها اكتشاف نفسها. ذلك على خلفية "امتلاك إرث كبير من الذكريات" و"رغبة العيش المشترك ".
لقد التقى في مصر ـ ميدان التحرير فلاّحون قدموا من دلتا النيل وأغنياء من حي الزمالك وشباب وكهول وعلماء أزهريون ومسلمون وأقباط ونوبيون وبدو . هؤلاء جميعهم وحّد بينهم عداؤهم للنظام الذي كان قائما ونقص الحريّة للجميع ونقص الخبز ـ العيش ـ لقسم هام منهم. الجميع في مصر كانوا ضحايا باستثناء حفنة من الموجودين في قمّة هرم السلطة والمتسلّقين حولها. باختصار كان الفساد عاما ومعمما في ظل قمع بوليسي معمم هو الآخر، كما يشرح المؤلفان. ولم تكن مصر خلال السنوات الطويلة الماضية سوى"ظلّ نفسها".
ذلك الاندفاع الذي أبدته الحشود الشعبية في ميدان التحرير كان صادقا.لكنه كان هشّا ،ذلك أن مصاعب ما بعد الثورة وإعادة تعمير البلاد برزت بسرعة، وبددت نشوة الانتصار. لكن مصر تملك موارد طبيعية هامّة وكفاءات وثروة بشرية لا تتطلّب سوى استثمارها للنهوض. وكانت قد عرفت كيف تفرض نفسها خلال سنوات قليلة في موقع متقدّم إقليميا، بل على مستوى القارّة الإفريقية كلّها، بمجال الاتصالات والتكنولوجيات الجديدة .
هذا الموقع معترف به دوليا، كما يشير المؤلفان، كي يؤكّدا مباشرة أن التحديات التي تواجهها مصر كبيرة. لقد كانت كبيرة قبل الثورة، وهي كبيرة بعدها وعلى رأسها المسألة الديموغرافية والبطالة والتفاوت الاجتماعي الهائل. وهناك أيضا تحدي المياه التي قد يتفاقم شحّها خلال السنوات القريبة المقبلة ، خاصّة أن دول حوض النيل الأخرى قد وقّعت منذ فترة وجيزة اتفاقا فيما بينها لاقتسام مياه النهر. وهو اتفاق يبدو جائرا بالنسبة لمصر.
والسياق الإقليمي لا يبشّر باستقرار أكبر، بل هو على عكس ذلك، ويعتبره مؤلفا الكتاب "متفجرا". والوضع الاقتصادي للبلاد يعاني من مصاعب حقيقية، رغم أن البلاد تجاوزت بنجاح نسبي مشهود الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 .
لكن سياق ما بعد الثورة تميّز بغياب مصدر دخل وطني حقيقي، يتمثّل بالسياحة التي ساهمت بنسبة 6 % من الدخل الوطني المصري عام 2010، حيث بلغ عدد السائحين 15 مليونا . تجدر الإشارة إلى أن عودة السائحين إلى مصر لا تلوح في الأفق القريب وأنه لا بدّ من انتظارهم شهورا طويلة تستقرّ فيها الأوضاع بشكل نهائي بعد فترة انتقالية لا بدّ منها هي الأخرى.
إن الورشة السياسية الجديدة بدأت بالعمل منذ وقت غير بعيد، بعد تفكيك الأجهزة الأمنية التي كانت تسيطر على البلاد والعباد. لكن فترة السماح والتعاطف الكبرى مع الجيش، ممثّلا بالمجلس الأعلى للقوات المسلّحة قد انتهت . والسير نحو الأمام يتطلّب بالضرورة إيجاد حالة جديدة من الثقة حيال المؤسسات كي تستعيد شرعيتها بالواقع وبالفعل. ثمّ ليس من السهل تعلّم قواعد اللعبة الديمقراطية.
وينتهي مؤلفا هذا الكتاب في تحليلاتهما إلى القول إنه في مصر، التي استيقظت بعد ثبات طويل، كل شيء ممكن ،الأفضل والأسوأ. ويركزان بأشكال مختلفة على القول إن أمرا جوهريا قد تغيّر، وربما لفترة طويلة من الزمن هو أن الخوف الذي لجم الحياة السياسية المصرية قد زال . لقد فُتحت أبواب السجن الذي كان العقل حبيسه لفترة طويلة من الزمن. والمعارضون "التقليديون" لم يعودوا هم وحدهم الذين "يحتكرون" التجرؤ على انتقاد النظام وتحدي السلطة القائمة.
لقد انتهت "عقدة فرعون" . ذلك أنّه بعد سبعة آلاف سنة من الخضوع التام للسلطة قام المصريون بثورتهم الشعبية الأولى . لقد عاشت مصر 18 يوما اعتبارا من 25 يناير من التعبئة والأمل والعنف انتهت يوم 11 فبراير برحيل الرئيس السابق حسني مبارك بعد ثلاثين سنة تقريبا من الحكم. لقد خرج الشعب المصري من "القمقم" ليتجه نحو دروب جديدة. ولا شكّ أن الانتقال نحو "الجديد" لن يكون سهلا فالنظام السابق خلّف وراءه فراغا سياسيا هائلا.
وتقول الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب إن المصريين يدركون جيّدا هشاشة انتصارهم . لكنهم يرددون جميعهم أيضا أنهم أصبحوا يعرفون الطريق، وإذا لزم الأمر سيعودون إلى ميدان التحرير، فمصر قد استيقظت.
المؤلفان في سطور
كلود غيبال ،صحافية فرنسية تبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ،وهي اختصاصية في شؤون منطقة الشرق الأوسط . تقيم في العاصمة المصرية ،القاهرة، منذ عام 1997 . وتعمل مع الإذاعة الفرنسية "راديو فرانس" ومع صحيفة "ليبيراسيون" الباريسية منذ عام 2000 .
وتانجي سالون صحافي فرنسي، عمره 38 عاما . يعمـل مراسلا في مصر لصحـيفة "الفيغارو" ولمجلة "الاكسبرس " وراديو وتلفزيون لوكسمبورغ . وهو يقوم بتغطية أحداث الشرق الأوسط منذ 14 سنة.
الكتاب: مصر التحرير- تشريح الثورة
عدد الصفحات:385 صفحة
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: سويل، باريس، 2011
