شكّل فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية درساً مهماً بالنسبة للشباب المصريين. بمعنى أنهم هم أيضاً يستطيعون الانتصار في معركتهم ضد نظامهم. وكان خطاب أوباما في جامعة القاهرة بمطلع يونيو ـ حزيران 2009 حافزاً آخر للشباب.

نشط الشباب المصريون كثيراً منذ أواخر عام 2008، على صعيد جمع المعلومات وتحضير الملفات الخاصّة بالاعتقال والقمع وعرضها على الرأي العالم العالمي، عبر وسائل الإعلام، وعلى المسؤولين السياسيين عند اللقاء بهم. وقد طالبوا بمساعدات تقنية مثل أجهزة الكمبيوتر، لكنهم رفضوا بصورة قاطعة أية مساعدات مالية من الخارج.

وكانت عملية تهشيم رأس الشاب خالد سعيد وضربه حتى الموت شرارة أطلقت موجة كبيرة من الاحتجاج في مصر. كذلك كانت الانتخابات التشريعية في نهاية عام 2010 وما عرفته من تزوير مناسبة أخرى لتصعيد الاحتجاج الشعبي.

لم يكن الرئيس السابق مبارك يتصوّر أن يعرف مصير ابن علي نفسه. لكنه ارتكب أخطاء قاتلة لم يكن أقلّها محاولة توريث ابنه وجمع الأموال الطائلة.

عاش شباب مصر انتصار باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال خريف عام 2008 كزلزال هزّهم من الأعماق. لقد وصلتهم رسالة الأمل القائلة «.. ونحن نستطيع ذلك»، ذلك الشعار الذي رفعه أوباما أثناء حملته الانتخابية الرئاسية.

وبعد ستة أشهر على انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة قام أوباما بزيارة مصر، حيث ألقى في الرابع من شهر يونيو 2009 خطابه الشهير في جامعة القاهرة. لقد وجّه حديثه للمرّة الأولى إلى العالم الإسلامي الذي كان يعيش قطيعة حقيقية مع أميركا منذ تفجيرات 11 سبتمبر ثم اندلاع الحرب في العراق. كان الرئيس مبارك غائباً بينما حضرت شخصيات كبيرة من الطبقة السياسية المصرية وممثلي المجتمع المدني والمناضلين الديمقرطيين وجمع غفير من الشباب.

لقد وجّه أوباما حديثه للشباب قائلاً: «ليست هناك أمّة في العالم تستطيع أن تفرض على أخرى نمط الحكم . لكن هذا لا يقلل من التزامي حيال الحكومات التي تعكس إرادة شعبها (...). ولا تزعم أميركا أنها تعرف ما هو جيّد للجميع. لكنني اعتقد، دون أي تنازل ممكن، أن البشر يتمنّون أن يعبّروا عن رأيهم بالطريقة التي يتم حكمهم بها، ويثقون بدولة القانون وبعدالة يتساوى أمامها الجميع وبوجود حكومة شفافة لا تسرق شعبها وبحريّة اختيار أسلوب عيشهم. هذه ليست أفكار أميركية حصراً، ولكنها حقوق الإنسان، ولهذا السبب سوف ندعمها في كل مكان».

نشط الشباب كثيراً وقام عدد من المناضلين بينهم بجمع ملفات كاملة عن المعتقلين من المدافعين عن الحريّة في مصر. لقد وزعوا تلك الملفات أثناء زياراتهم للخارج على كل المسؤولين الذين التقوا بهم أو صادفوهم من أعضاء الكونغرس الأميركي ومستشاري السيدة هيلاري كلنتون وغيرهم. كان الهدف واضحاً ومحدداً في كل الحالات وهو أن يطالب أولئك المسؤولون بالإفراج عن المعتقلين في كل مرّة يقابلون فيها أصحاب القرار المصريين.

وردد الشباب أيضا مع الجميع حديثا واضحا أكّدوا فيه على شجب تجاوزات النظام والتعذيب والفساد، هذا إلى جانب التأكيد على مطلب التغيير. وإذا كان من المعروف أن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي قد موّلت، عن طريق منظمات غير حكومية، برامج لنشر الديمقرطية في البلدان النامية مثل مصر، فإن الشباب المصريين رفضوا أيّة مساعدة مالية مباشرة قد تستخدمها السلطات ضدهم عبر تقديمهم كعملاء للخارج.

لقد أعلنوا بالمقابل أن مساعدتهم تكمن في أشياء ملموسة مثل شراء حواسيب محمولة. تلك الحواسيب جرى استخدامها خاصّة في نهاية عام 2010 لجمع البراهين على عمليات تزوير الانتخابات التشريعية . ويشير المؤلفان أن بعض الشباب المصريين من مستخدمي الشبكة العنكبوتية تعلّموا عند رحلاتهم إلى الخارج من مختصين بالمسائل الرقمية كيف يفلتون من الرقابة البوليسية على الإنترنت وكيف يمكنهم حماية المعلومات التي بين أيديهم.

 

2010 عام حاسم

في 6 يونيو 2010 دخل رجلا أمن في ساعة متأخرة من الليل إلى مقهى «إنترنت» في الاسكندرية، وانهالا بالضرب العنيف على شاب كان فيه ثم اقتاداه إلى مدخل بناية قريبة، وهشّما رأسه على أحد الجدران كي يسقط جثّة هامدة لا حراك فيها. الشاب اسمه خالد سعيد.

عندما جاءت أسرته في اليوم التالي لأخذ جثمانه من المشرحة لم يُسمح لها بالدخول. وأوضح لها المسؤولون أن خالد توفي مختنقاً بسبب تناوله كميّة من المخدرات أراد أن يخفيها عن رجال الشرطة. لكن الأسرة كانت تعرف أن ابنها لديه معلومات عن رجال شرطة كانوا يعملون هم أنفسهم بتجارة المخدرات.

وبعد أيام عُرضت صور وجه خالد التي التقطها أحد نشطاء الإنترنت من الشباب . لقد بدا فكّه مشوّهاً وأسنانه مكسّرة . وانتشرت تلك الصور سريعاً عبر فيس بوك. وكثرت الأقاويل مما دفع وزير الداخلية المصري آنذاك حبيب العادلي، تحت الضغط، إلى إصدار الأمر بإخراج الجثّة وإجراء تشريح جديد أكّد نتائج الفحص الطبي الأول. ازداد سخط المعارضة والمجتمع المدني وارتفعت الأصوات مطالبة برفع حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ 30 سنة.

ولم تتأخر الصحف المستقلّة عن نشر صورة وجه خالد سعيد المشوّه وإلى جانبها صورة هويته التي يبدو فيها مبتسماً.

 لقد هيّج مصيره للمرّة الأولى مشاعر المصريين كلّهم، وفيما يتجاوز كثيراً دوائر المحتجّين. لقد أصبح موضوع حديث مصر كلّها عبر «فيس بوك». وقام عدد كبير من الشباب مستخدمي الإنترنت بوضع صورهم مكان صورته. لقد غدت صفحة «كلنا خالد سعيد» عريضة احتجاج وطني يعرض فيها مستخدموا الشبكة صور التعذيب وحالات القمع. وفي عام 2010 وصل عدد المسجّلين في الصفحة إلى أكثر من ثلاثمائة ألف.

وفي شهر نوفمبر من العام 2010 نفسه، وقبل أيام قليلة من الانتخابات البرلمانية حاولت مجموعة من الشباب ومناضلي حقوق الإنسان والمعارضين وممثلي المجتمع المدني تنسيق الجهود لجمع شهادات المواطنين عن مختلف أشكال التزوير التي يشهدها يوم الاقتراع. ذلك اليوم الذي قدّمته الصحافة الرسمية المصرية على أنّه «عيد الديمقراطية الكبير».

رفضت السلطات المصرية حضور مراقبين دوليين لضمان حسن سير عملية الاقتراع، وصرّح رئيس الوزراء آنذاك احمد نظيف بقوله: «سوف نثبت للعالم أننا قادرون على إجراء العملية الانتخابية بكل نزاهة». وذكّر وزير الداخلية حبيب العادلي أن المظاهرات لا تشكل إحدى أدوات الحملة الانتخابية وهدد بأن الشرطة سوف تتدخّل بحزم ضد كل من يحاول المساس بسير الانتخابات.

أمام رفض السلطات أية رقابة على العملية الانتخابية قرر الناشطون السياسيون تشكيل شبكتهم الخاصّة للمراقبة. وطلبوا من المصريين مساعدتهم عبر إطلاعهم بواسطة «تويتر» و«الرسائل الالكترونية» على ما يرونه. وفي الدورة الأولى للانتخابات يوم 28 نوفمبر كان ناشطو الإنترنت قد بثّوا قبل إغلاق صناديق الاقتراع تسجيلات مصوّرة على «يوتيوب» لعمليات تزوير جرى تصويرها بواسطة الهواتف المحمولة.

تتالت التعليقات حول التزوير في الصحافة الدولية، التي جرى إخطارها بواسطة الشبكة الاجتماعية، مما دفع الإدارة الأميركية للتحرّك والإعراب عن «احتجاجها». لقد كسب النشطاء المعارضون في ذلك اليوم «معركة صغيرة»، ولكن ذات عواقب مهمّة، كما يعبّر مؤلّفا الكتاب.

كان حجم التزوير كبيراً في الدورة الانتخابية الأولى، بحيث إن القوى السياسية المعارضة قررت عدم المشاركة في الدورة الثانية، التي جرت بين متنافسين من أعضاء الحزب الوطني الحاكم. بالمقابل لم تعترف اللجنة الانتخابية الرسمية بوقوع أكثر من «أحداث طفيفة لم تؤثّر على مجمل العملية الانتخابية». وألغت النتائج في بعض الصناديق فقط. لكن الفوز الساحق لمرشحي السلطة قلل من مصداقية التوجّه الإصلاحي الذي كان قد قال به جمال مبارك، نجل الرئيس وخليفته المحتمل آنذاك.

 

السقوط المدوي

تحت عنوان «سقوط بيت مبارك» وترجمة لشعار «هو يمشي، مش هنمشي» الذي رفعته الجماهير المحتشدة في ميدان التحرير، يشرح مؤلفا هذا الكتاب السياق الذي «رحل» فيه الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة.

في يوم 10 فبراير كان مبارك لا يزال يعتقد بإمكانية البقاء على رأس الدولة. لكن لم يكن هناك بالمقابل ما يمكن أن يهزّ تصميم الألوف في ميدان التحرير الذين أثارهم عجز الرئيس عن رؤية إرادة شعبه.

لم يكن المصريون يريدون إذلال مبارك، كما يؤّكد المؤلفان، بل كان كثير منهم قد تأثروا بما كان قد قاله قبل أيام عن نضاله من أجل مصر في زمن السلم والحرب وإعلانه عن رغبته في الموت بأرض مصر. لكن المصريين أرادوا أن «يرحل» بعد ثلاثين سنة «طويلة» من البقاء على رأس السلطة.

البقاء على رأس السلطة مدّة ثلاثين سنة في أكبر دولة عربية ليس بمحض الصدفة، كما نقرأ. وعندما علم حسني مبارك من مستشاريه في مطلع فبراير أن الأوضاع أكثر خطورة مما يبدو، اعتقد أنه يعرف الأوتار التي ينبغي العزف عليها: وتر الكلام العاطفي ووتر التخويف من المستقبل ووتر الاحترام المفروض حيال الكبار والإعجاب بقدماء المحاربين.

ويشرح المؤلفان أن مبارك يعرف شعبه جيّداً بالتأكيد. لكنه لا يقدّره حقّ قدره. ويقلل خاصّة من قيمة الشباب الذين لم يتصوّر مدى قوّة غضبهم. لقد رأى ما جرى في تونس لزين العابدين بن علي، لكنه لم يتصوّر أبداً أن يلقى مصيراً مماثلاً. مع ذلك عاشت مصر خلال 18 يوماً مشاهد تفوق التصوّر، مزّق أو أحرق فيها المتظاهرون في عموم المدن المصرية صور مبارك الكبيرة الموزعة في الساحات أو على جوانب الطرق.

المصريون الذين كانوا يطلقون حتى الأمس القريب على رئيسهم السابق توصيف «البقرة الضاحكة» اشارة إلى الابتسامة المرتسمة على وجهه باستمرار، لم يترددوا بوصفه في مظاهراتهم الأخيرة بـ«الطاغية». وأطلقوا توصيفات قاسية أخرى طالت زوجته سوزان وولديه علاء، رجل الأعمال، وجمال، الذي كان حتى قيام ثورة الشباب الخلف المحتمل لوالده. لقد سقط هؤلاء جميعاً كما حصل في «التراجيديات» القديمة. لقد استطاع الشعب المصري الغاضب أن يطيح بـ«فرعونه»، حسب التعبير المستخدم، للمرّة الأولى خلال 7000 آلاف سنة من التاريخ.

ومن أخطاء مبارك الكبرى التي تذكرها التحليلات المقدّمة عمله على توريث ابنه جمال السلطة، كما كانت تشير معطيات كثيرة.

تلك الإرادة التي جسدتها موجة «كفاية» في جميع التظاهرات. لقد ارتفعت موجة الغضب ضد «التوريث» الذي كانت تعمل له خاصّة سوزان مبارك تحت نظر الرئيس وسمعه. أمّا المعني جمال مبارك فكان يكتفي في كلّ مرّة يتم فيها سؤاله عن طموحه الرئاسي بنفي ذلك عبر حركة بظاهر يده. بالتوازي أولت البلدان الغربية اهتمامها بجمال مبارك، واستقبله مسؤولون كبار في واشنطن وباريس، فالرئيس طاعن في السن ومريض ولا بدّ من تحضير المستقبل.

لا يهم كثيراً إذا كان «الريّس» قد «أغلق» النظام السياسي وقمع المعارضة وسجن خصومه. لكن مصر كلّها كانت غاضبة بشدّة من ذلك التوريث القسري للسلطة، بعيداً عن اهتمام المجموعة الدولية التي تغضّ نظرها.

وكان الخبر الذي نشرته صحيفة «غارديان» البريطانية في خضم موجة الاحتجاج الشعبي عن امتلاك مبارك وأسرته مبلغ 70 ملياراً من الدولارات ذا وقع هائل على عامّة الشعب الذي يعاني قسم كبير منه من حالة فقر حقيقي.

وينقل المؤلفان أنه عند سقوط مبارك يوم 11 فبراير نشرت صحيفة «الأخبار» المصرية أنباء عن مشاجرة «ملحميّة» بين ولدي حسني مبارك وراء أسوار المنزل الرئاسي، صرخ أثناءها علاء في وجه اخيه جمال ما مفاده: «لقد أفسدت البلاد عندما فتحت الباب لأصحابك من رجال الأعمال، وهذه هي النتيجة.

وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه تكريم أبينا في نهاية حياته قمتَ بتلطيخ صورته». بقية ما جرى روته صحيفة «المصري اليوم» عندما كتبت أن سوزان مبارك أُصيبت بالإغماء، عندما سمعت الملاسنة بين ولديها. أمّا الرئيس مبارك فقد التفت صوب جمال وقال له: «أنت ووالدتك مسؤولان عن كل هذا، لقد شوهتما صورتي في التاريخ». ليس المهم واقع حدوث تلك المشاجرة، لكنها غنيّة بالدلالات، كما يشرح المؤلفان.

الكتاب: مصر التحرير.. تشريح الثورة

الحلقة: (3)

عدد الصفحات:385 صفحة

تأليف: كلود غيبال وتانجي سالون

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: سويل، باريس،