توّجهت الأنظار صوب مصر، بعد قيام ثورة تونس . ذلك أن الواقع الاجتماعي المصري كان ينذر بالخطر، مع تعاظم حالة غضب كامن كبير، رغم ابتعاد الشباب عامّة عن السياسة وانشغالهم بحلّ مصاعب الحياة المتعلّقة بتكوين أسرة والحصول على فرصة عمل.

الشرائح ألأكثر فقرا في المجتمع هي التي عانت أكثر من غيرها من فساد النظام . وذلك في ظل استمرار العجز العام والتضخّم والبطالة.وزاد الطين بلّة الارتفاع الكبير لأسعار المواد الأولية الزراعية في السوق العالمي.

كانت الحياة السياسية مجرّد تمثيلية شكلية.لكن الأوضاع ازدادت توترا في مصر اعتبارا من عام 2008 مع الاضطرابات التي انفجرت في المحلّة الكبرى وخلّفت عشرات القتلى والجرحى.

لعب الشباب دورا مركزيا في التحرّك الشعبي المصري عبرشبكات التواصل الاجتماعي . وبعد أن أهملهم الغرب طويلا استيقظ اهتمامه بهم منذ 2008 .وشارك بعض رموزهم في نشاطات دولية، والتقوا بمسؤولين غربيين ،أميركيين وغيرهم،حيث أكّدوا أن مشروعهم هو الحريّة دون تدخل خارجي.

في منتصف شهر يناير كانت تونس في أوج ثورتها ،ولكن الأنظار كانت تتلفت ، دون قلق كبير، صوب القاهرة . الجميع ردد آنذاك أن مصر ليست تونس ومبارك ليس بن علي.

بالتأكيد كان هناك حوالي 40 % من المصريين يعيشون تحت خط الفقر ، وكان 50 % من الشباب يعانون من البطالة ، خاصة حملة الشهادات منهم. بالمقابل كانت هناك شريحة من رجال الأعمال تستفيد وحدها من النظام الفاسد، بينما عامّة الشعب تعيش معاناة حقيقية. وبالإجمال كانت هناك نسبة 65 % من المصريين الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة غاضبين ودون أي أفق مفتوح .

أمام مثل ذلك الواقع كانت الإجابات عامة تميل إلى القبول بما هو قائم، بعيدا عن روح الاحتجاج. يتم التأكيد في هذا السياق على أنه قبل ثلاثين سنة كان عدد سكان مصر 44 مليون نسمة، ووصل عام 2010 إلى 84 مليونا مع توقعات ديموغرافية تقول إن هذا العدد سيصل إلى 150 مليون نسمة عام 2050 . ويبلغ عدد سكان القاهرة وحدها اليوم بين 15 و18 مليون نسمة وربما أكثر.من هنا يأتي التخوّف من الخطر الديموغرافي، كما ردد الرئيس المصري السابق حسني مبارك. لكن دون تبنّي أية إستراتيجية حقيقية في هذا الميدان.

يقدّم مؤلفا هذا الكتاب العديد من الأمثلة لشباب مصريين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين سنة .هؤلاء جميعا يشتركون في أنهم لم يكونوا يعيرون السياسة انتباها كبيرا. وكانوا يكتفون بالقول أن رجال السياسة في السلطة أو المعارضة يعرفون عنها ما يجهلونه هم أنفسهم.

 

فجر التغيير

لم تكن السياسة تثير اهتمام الشباب كثيرا، إذ كانت لديهم مشاغلهم الأخرى المتعلقة بأمور حياتهم وليس أقلّها الزواج. وفي مصر يبقى الشاب في منزل أهله ما بقي عازبا. ونسبة العازبين بين الشباب مرتفعة جدا بسبب عدم توافر المال المطلوب لتأمين شروط الزواج ،خاصّة الشقّة والعمل فالعثور على عمل يتطلّب بالضرورة توفر "واسطة".

في خريف عام 2010 اقترع البرلمان المصري لصالح زيادة في الرواتب .لكن الحكومة اشترطت أن لاتزيد عن 400 جنيه ؛ أي ما ما يزيد قليلا عن مستوى عتبة الفقر.وبالتوازي مع الزيادة ارتفعت كثيرا أسعار العديد من السلع الاستهلاكية.ذلك كله لم يمنع الصحف الوطنية المصرية من الكتابة بالخط العريض أن اقتصاد البلاد على ما يرام. ورغم الأرقام المتفائلة عن النمو الاقتصادي المصري لم ير المواطنون نتائج ذلك النمو.

ويشير المؤلفان إلى أن الحزب الوطني الحاكم في ظل التظام السابق كان قد جعل أولويته المطلقة منذ سنوات إعادة توزيع ثمرات النمو الاقتصادي ،كما قال وأقسم العديد من قادته. لكن البنك الدولي أكّد ،من جهته، أنه سينبغي الانتظار طويلا ،وربما لجيل كامل، كي يبدأ المصريون الفقراء بالاستفادة من مناسب النمو الاقتصادي لبلادهم.ذلك أنّه "لن تتم تغذية الناس بواسطة المؤشرات الاقتصادية". العجز العام والبطالة والتضخّم حقائق ظلّت سائدة.

ولم تتوقف الأسعار عن الارتفاع في مصر منذ عام 2007 . وفي عام 2008 نقص الخبز ،المادة الرئيسية للفقراء، بسبب الارتفاع الكبير الذي عرفه سعر المواد الأولية الزراعية في الأسواق العالمية ، وأيضا لتفضيل المضاربين البيع بأسعار عالية في السوق السوداء.لقد أثار نقص الخبز موجة من الهلع، وسقط عدد من الضحايا في التدافع أمام الأفران.وتذكّر المصريون ذلك العنف الذي عرفته البلاد أثناء "اضطرابات الخبز " عام 1997 .

وبرزت في مناطق قريبة من القاهرة أو في بعض بلدات وادي النيل مشكلة شحّ المياه. وقد دلّت إحصائيات تعود إلى عام 2006 أن نسبة 65 % فقط من البيوت المصرية مزوّدة بالصنابير . أمّا مياه الآبار والأقنية الجارية فإنها تعاني من التلوث عامّة. وتدلّ دراسة قام بها باحث مصري على أن " أكثر من ربع حالات وفيات الأطفال تعود مباشرة للمياه الملوّثة".

وفي نهاية شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني من عام 2010 دُعي 41 مليون مصري للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية.لم يكن لدى أحد أدنى شك في طبيعة النتائج التي ستؤدي أليها.وعشيّة الاقتراع لم يكلّف قادة الحزب الوطني أنفسهم عناء المحافظة على المظهر التنافسي، وفاز حزبهم من الدورة الأولى بعدد كبير من المقاعد ،لتصل نسبة تمثيلهم بالنهاية في المجلس الجديد إلى 93 % من مجموع المقاعد.

كان تسعة مصريين من أصل كل عشرة قد قاطعوا الانتخابات ولم يدل أحد منهم بصوته.وفضّل الشباب عامّة البقاء في منازلهم . لكنهم خرجوا جميعهم تقريبا بعد شهرين من الزمن ،اعتبارا من 25 يناير 2011 ، للمشاركة هذه المرّة في الثورة التي كان الشباب شرارتها وعمادها.

 

منعطف عام 2008

في تاريخ 25 يناير 2011 اكتشف العالم كلّه أولئك الشباب المصريين الذين برعوا في ولوج العالم الرقمي عبر "الفيسبوك" و"تويتر" ،هذا دون نسيان الدور الذي لعبته الهواتف النقاّلة. وعبر الشبكات الاجتماعية كانوا قد بدأوا بالتواصل فيما بينهم منذ عدّة سنوات والتعبير عن تطلّعهم إلى الحريّة وسأمهم من ممارسات النظام القائم.كان ذلك يتم بالتوازي مع ما كانت ترسمه وسائل الإعلام الرسمية لمصر من صورة تبجيلية نمطية وحيدة الرؤية .

وبقدم مؤلفا الكتاب نوعا من الكشف بأسماء "الروّاد" من أولئك الشباب، الذين خاضوا غمار تجربة الدخول إلى عصر تكنولوجيات المعلوماتية الجديدة ويقدمان توصيفا للكيفية التي رفعوا بها علم الثورة الرقمية، التي تحوّلت في الواقع الاجتماعي إلى ثورة حقيقية.

ومن الملفت للانتباه أن السلطات المصرية لم تنجح في التغلغل إلى شبكة مستخدمي الإنترنت منذ البداية في مطلع سنوات 2000 . لقد انتشرت المواقع الالكترونية ، وأخذت بتجميع الوثائق والصور والمعلومات عن سلوكيات السلطة القائمة ورجال أمنها وشرطتها.

ولم يتم الاكتفاء بالجمع والتوثيق ،بل تطوّر ذلك إلى الدعوة والمشاركة في المظاهرات المختلفة المطالبة بالإصلاح في مصر. تتم الإشارة في هذا السياق إلى النشاط الذي قام به الشباب قبل الانتخابات التشريعية لعام 2005 .

وكان عام 2008 سنة مفصلية في نشاط "جيل الإنترنت" المصري . ذلك أنه كان عام توسّع حركة الاحتجاج الاجتماعي ،كما يؤكّد مؤلفا هذا الكتاب.لقد ارتفعت آنذاك الأسعار كثيرا وزاد التضخّم بالتوازي.إن غياب الحياة النقابية المنظمة لم يسمح بتحوّل سلسلة الإضرابات التي عرفتها المصانع إلى حالة شلل عام.

لكن تعاظم بالمقابل قلق الأجهزة الأمنية وأجهزة الشرطة من "سلطة" الإنترنت. وتعاظمت كذلك عمليات الرقابة والتفتيش على مقاهي "الشبكة العنكبوتية" التي تكاثرت في القاهرة وغيرها من المدن المصرية الكبيرة نسبيا.

وفي مارس ـ من عام 2008 كان بعض المصريين يقفون في الصفوف أمام المخابز ساعات طويلة وأحيانا حتى الفجر للحصول على "الخبز المدعّم" الذي لم يكن يشتريه سابقا سوى الشرائح الأكثر فقرا والذي لم يكن الدقيق المصنوع منه يصلح لأكثر من "تغذية الدواجن التي تتم تربيتها على سطوح القاهرة" ،كما يعبّر المؤلفان.

مع ذلك كانت الطوابير تتزايد أمام المخابز "المدعّمة" منذ أن ارتفعت أسعار الدقيق الدولية ثلاثة أضعاف في صيف عام 2007 .كان القلق عاما في العالم أمام ارتفاع سعر المواد الأولية ،لكن صدى موجة الغلاء كان أكبر اجتماعيا في البلدان النامية ،وخاصّة ذات التضخّم العالي، مثل مصر، حيث كانت هناك عاصفة حقيقية تلوح في الأفق.

ونصحت السفارات الغربية مواطني بلادها الموجودين في مصر بعدم الخروج والحرص على البقاء في بيوتهم وحذرت من خطر وقوع اضطرابات.

وفي تاريخ 6 ابريل ـ نيسان 2008 استيقظت القاهرة على الألوف من قوات الأمن المركزي المتخصصة بمكافحة الشغب وهي تملأ شوارعها وساحاتها الرئيسية .لقد انفجر يومها بركان الغضب في المحلّة الكبرى، وقامت الحشود المحتجّة بتمزيق صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك .لم تتأخر قناة الجزيرة التلفزيونية في بثّ تلك الصورة مما أثار غضب السلطات المصرية التي قررت فرض رقابة شديدة على صور ذلك اليوم. لكن تلك الصور عرفت طريقها إلى العالم بفضل "خبراء" الإنترنت.

 

حركة 6 إبريل

وعلى خلفية أحداث تلك الاحتجاجات التي أدّت إلى وقوع عدد من القتلى وعشرات الجرحى وفي سياقها وجدت "حركة 6 ابريل" جذورها. ولم تتوقف عن النشاط بعد ذلك، برغم الاعتقال المتكرر لعدد من رموزها . لقد جددت نداءاتها كل عام للانتفاض ضد النظام القائم . ووجدت تلك النداءات تجسيدها الأكبر فى شهر يناير من العام الجاري ،2011 .

واعتبارا من عام 2008 أولت الحكومات الغربية وسفاراتها في القاهرة اهتماما حقيقيا بنشطاء الإنترنت المصريين الشباب، الذين كثّر الحديث عنهم دون معرفة من هم بالفعل على أرض الواقع. وتؤكّد التحليلات المقدّمة أن الغربيين لم يكونوا يرون في البداية بهم سوى مجرّد شباب شجعان مسالمين، لكنهم أدركوا شيئا فشيئا أهميتهم وأهمية تحرّكهم. وهكذا تمّت دعوة بعضهم إلى ندوات في أوروبا والولايات المتحدة.

لكن أولئك الشباب حافظوا على حذرهم حيال مختلف أشكال الدعم الخارجي.فقد كانوا يدركون أن نظام مبارك يستغل دائما تلك الحجّة للتقليل من مصداقيتهم أمام الرأي العام المصري ،كما فعل بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان التي تلقت دعما ماليا من أوروبا أو الولايات المتحدة.

أولئك الشباب فهموا بالوقت نفسه أنه سيكون من الصعب عليهم تحقيق غاياتهم دون أن يتوصلوا إلى تغيير رأي الغربيين ،إذا لم يكن تغيير سياساتهم، حيال نظام يرون فيه شريكا تجاريا هاما وقطبا للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ،وخاصة عبر علاقاته مع إسرائيل.

هكذا في شهر ديسمبر ـ كانون الثاني من عام 2008 توجّه أحد مؤسسي حركة 6 ابريل ،احمد صلاح،إلى نيويورك لحضور تجمّع لحركات الشباب . هناك استغلّ الفرصة كي يلتقى بمسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية ،وساعده على ذلك الباحث الاجتماعي المصري سعد الدين إبراهيم الذي لجأ للولايات المتحدة بعد أن أمضى عدّة سنوات في السجون المصرية. لقد عرض الشاب المصري لمحدثيه من المسؤولين الأميركيين أن الهدف هو "التحضير للإطاحة بنظام مبارك وإقامة حكم ديمقراطي في مصر عام 2011" ، كما يحدد المؤلفان القول.

وهما ينقلان عن الشاب المصري تعليقه على ذلك اللقاء بالقول أنه بذل جهودا كبيرة كي يُفهم الأميركيين ما كان يجري في مصر، ويطلب منهم التوقف عن دعم مبارك وتجميد حساباته السريّة في الخارج وعدم التغاضي عن انتهاك حقوق الإنسان في مصر والتوقف عن بيع أدوات القمع مثل قنابل الغاز المسيل للدموع المستخدمة ضد المعارضين.وكذلك طلب ترك الشباب المصري والمصريين عامّة ينظّمون صفوفهم لقلب النظام دون مساعدة أحد أيضا ابتعاداعن احتمال تكرار التجربة العراقية.

 

العجز الأميركي عن الرؤية

لم يكن جواب المسؤولين الأميركيين "دبلوماسيا" دائما على ما سمعوه ،كما ينقل المؤلفان ايضا ،بما يشير إلى أن بعضهم رفضه. وتتم الإشارة هنا أن السفيرة الأميركية في القاهرة آنذاك، مرغريت سكوبي ، لم تتردد بوصف مشروع الإطاحة بمبارك أنه "غير واقعي". ذلك لم يمنع استيقاظ اهتمام الإدارة الأميركية على ما كان يجرى في مصر وتعاقبت دعوات المعارضين للمشاركة في نقاشات وندوات دولية .لكن الأغلبية رفضوا الدعوات بدافع عدم الرغبة في ذلك بوجود إدارة بوش السابقة .

تغيّرت الأمور كثيرا مع وصول باراك اوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.