بدأت انتفاضة الشعب المصري يوم 25 يناير ـ 2011 ، في يوم الاحتفال بعيد الشرطة نفسه. لقد أراد المصريون تحويل الاحتفال بشرطتهم إلى احتجاج على سلوكها وعلى النظام القائم برمّته عبر "يوم غضب".
جاءت الانتفاضة المصرية في أعقاب ثورة تونس . ولبّت جماهير غفيرة في القاهرة وغيرها من المدن المصرية الدعوة للتظاهر، التي أطلقتها مجموعات من الشباب على "الفيس بوك".
جابهت قوات الأمن والشرطة مظاهرات الاحتجاج بعنف شديد ومفرط . لكن موجة الغضب الشعبي تعاظمت أكثر فأكثر. وعرفت المواجهات ما أُطلقت عليه تسميات مثل "معركة الجسور" و"معركة الجمال".وجرى استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي والرصاص الحي.
شاركت مختلف شرائح الشعب المصري في هذه الانتفاضة الشعبية .وكان العنصر الأساسي في البداية هو أبناء الطبقة الوسطى، ثمّ شملت جميع الشرائح الاجتماعية حتى البعيدة منها تماما عن السياسة.وظهر بوضوح الأخاء في المواطنة بين المسلمين والأقباط في مصر.
قوّات الجيش حافظت منذ البداية على عدم المشاركة في قمع التحرّك الشعبي واعترف المجلس الأعلى للقوات المسلّحة بـ "شرعية المطالب الشعبية ودعمه لها".ثمّ كان الإعلان عن تخلّي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية يوم 11 فبراير ونقل السلطة للجيش.
في فجر 25 يناير الماضي، كانت مصر تنام مجهدة من ضغط الحياة اليومية.كان يوم عطلة، فالبلاد تحتفل بعيد الشرطة.والمصريون المعروف عنهم أنهم "ملوك الدعابة" جادت قريحتهم يومها بدعابات تنمّ عن خيبة أملهم الكبيرة إزاء سلوكيات رجال شرطتهم.
قبل ثمانية شهور من ذلك التاريخ، كان اثنان من رجال الشرطة يرتديان زيّا مدنيا قد قاما بضرب شاب في الإسكندرية، وهشّما رأسه، وتركاه ملقى في مدخل بناية وهو ينزف حتى الموت. الشاب اسمه خالد سعيد، وكانت شبكات الانترنت قد بثّت بعد أربعة أيام صور وجهه المغطّى بالدماء .ثمّ قامت الصحافة الوطنية بنشر تلك الصور لتعمّ موجة الغضب أكثر.
وبمناسبة عيد الشرطة أرادت شرائح واسعة من أبناء الشعب المصري ومن أعضاء المجتمع المدني ومن الشباب ومن معارضي النظام أن يعبروا عن غضبهم ورفضهم للنظام الأمني الذي كان قائما في مصر ؛ وأن يطلقوا العنان لحناجرهم بالهتاف احتجاجا وإعلان سخطهم على واقع أن البلاد يديرها منذ حوالي ثلاثين سنة الرجل نفسه الذي بلغ 82 عاما.
ربيع في قلب الشتاء
هكذا جرى إعلان يوم 25 يناير يوما للغضب.وكانت في أذهان الجميع صورة ذلك الشاب التونسي محمد البوعزيزي ،بائع الفواكه والخضار المتجوّل ، الذي كان قد أضرم النار بنفسه يوم 17 ديسمبر الماضي احتجاجا على تلقيه صفعة من شرطيّة شابّة تعمل لحساب بلدية مدينته الصغيرة "بوزيد". كان ما فعله الشاب هو الشرارة التي أطلقت "ثورة الياسمين" في تونس، وأطاحت بزين العابدين بن علي، الذي ظلّ على رأس السلطة مدّة 23 عاما.
كان المصريون يتنشّقون رائحة الحريّة التي انطلقت من تونس،خاصّة بعد هرب الرئيس التونسي في منتصف يناير 2011 إلى المملكة العربية السعودية.هكذا سرت العدوى إلى أرض النيل ، وقام عدد من الشباب المصريين بإضرام النار بأنفسهم.وفي مثل ذلك السياق قامت مجموعة من الشبّان بإطلاق نداء عبر "الفيسبوك" يدعو إلى التظاهر.
في ذلك اليوم ، 25 يناير ، كان رجال من جهاز أمن الدولة يتجولون أمام جامعة القاهرة . وبادروا بسؤال الصحافيين الأجانب :" لماذا أنتم هنا؟ . ألا ترون أن الأمور طبيعية. وكيف وصلتكم المعلومات؟. بواسطة الانترنت؟". لقد أرادوا ،كما يشير مؤلفا الكتاب،إفهام الصحافيين أن جهاز أمن الدولة يعرف كل شاردة وواردة.كان الجو "ثقيلا" جدا.
بدأت الجموع بتلبية الدعوة للتظاهر في القاهرة ،كما في السويس والاسكندرية وأسوان وغيرها من مناطق مصر.وبسرعة كبيرة توافد على ميدان التحرير في قلب العاصمة الآلوف ممن أحاطت بهم شرطة مكافحة الشغب.وفجأة ارتفع هتاف يقول :"مبارك ،السعودية ليست بعيدة".
كان ذلك إشارة إلى هرب الرئيس التونسي إليها ،ودعوة صريحة لمبارك كي يفعل الشيء نفسه.
ضمّت الجموع المحتشدة في ميدان التحرير شرائح اجتماعية متنوعة، إذ كان فيها أساتذة جامعيون وطلبة وربّات بيوت وإسلاميون ملتحون وغيرهم. وينقل المؤلفان عن أحد الشباب قوله:" نحن من حملة المؤهلات العلمية، ولكننا دون عمل. نحن شباب بدون مستقبل .ليس هناك حريّات سياسية ولا حريات اقتصادية .
فماذا نفعل إذن؟.هل نضرم النار بأنفسنا؟". في مساء تلك الليلة وجّه وزير الداخلية حبيب العادلي تهديداته، منذرا بأنه سيتم قمع كل عمل غير مشروع بكل شدّة.وتمّ بالوقت نفسه قطع شبكات الهاتف النقّال الرئيسية، مما منع المحتجّين من التواصل فيما بينهم لمعرفة حجم التظاهر .
وتعطّلت الشبكات الاجتماعية التي كانت تشكل أدوات التعبئة لدى المحتجّين المصريين.مع ذلك ردد متظاهرون:" بن علي رحل. مبارك جاء دورك". بكل الحالات عرف ذلك اليوم سقوط أربع ضحايا ومئات الجرحى.
في الأيام التالية
هل كانت رياح تونس قد بدأت بالهبوب على القاهرة؟. ردد كثُر آنذاك ما مفاده أن " مصر ليست تونس على المستويات الجغرافية والديموغرافية والسياسية".أمّا الحكومة فقد أظهرت موقفا واضحا، هو أنها لن تسمح بعد ذلك بـ "أي عمل تحريضي وأي تجمّع احتجاجي أو مسيرة أو مظاهرة".
مع ذلك قامت مظاهرات في اليوم التالي وحرق محتجّون عجلات عربات في الشوارع . ما يؤكّده مؤلفا هذا الكتاب هو أن الكثير من المشاركين في تلك المظاهرات كانوا من أبناء الطبقة الوسطى ومن حملة الشهادات العليا وبعض العاطلين عن العمل والمثقفين.القليل منهم كانوا من أبناء الطبقات الفقيرة أو من الطبقة السياسية.وكان وزير الداخلية حبيب العادلي قد حمّل عشية اليوم الأول من الاحتجاجات مسؤوليتها للأخوان المسلمين الذين كانوا غائبين بصورة تلفت الانتباه في القاهرة عند بداية المظاهرات ،كما يؤكد مؤلفا الكتاب.
كان حضور رجال الشرطة كثيفا في ميدان التحرير بينما كان "البلطجية " المعروفون بزيّهم وبالهراوات التي يحملونها يتجمّعون في الشوارع القريبة منه.وعلى بعد 100 كيلو متر من القاهرة كان أهل السويس يبكون ضحاياهم، حيث جرت مواجهات عنيفة عند تشييع المتظاهرين الذين قُتلوا عشيّة اليوم الأول .لقد كانت مصر كلّها تعتريها موجة من الغضب الشديد.
ورغم تعطيل شبكات التواصل الاجتماعي نظريا، فإن الشباب عرفوا كيف يستمرّون في استخدامها عبر"مواقع مرايا" و "ممرات انترنيت". وبدأت بين الشباب والشرطة لعبة تشبه لعبة القط والفأر. وينقل المؤلفان عن الشاب عمر الذي يملك عملا ومالا وسيارة قوله:" لست وحدي في العالم فالناس حولي لا يستطيعون الوصول إلى حقوقهم.أنا لم أختر مبارك ولم يختره أحد بل جرى تعيينه".الشاب المعني عمره 30 عاما ،كما يشير المؤلفان، وبالتالي لم يعرف رئيسا سوى مبارك.
وفي يوم الجمعة 28 يناير نشب بين المحتجّين ورجال الشرطة ما سمي بـ "معركة الجسور". في ذلك اليوم جرى منذ الصباح تعطيل شبكات الانترنت وقطع شبكات الاتصال عبر الهواتف النقّالة.مع ذلك نزلت الجموع إلى الشارع رغم وابل القنابل المسيلة للدموع التي أمطرها بها رجال الأمن.
ثمّ دخلت "خراطيم المياه" في المعركة . لقد شارك في تلك المظاهرات مصريون من كل الأعمار وبينهم نساء مسنّات ومراهقون . وفي اللحظة نفسها التي كانت تمتلىء شوارع القاهرة بالمتظاهرين ضد نظام مبارك كانت الاسكندرية والسويس وأسوان ومدن مصرية أخرى تشهد مظاهرات حاشدة جرى قمعها بعنف شديد.كانت مصر كلّها تعيش حالة من الفوران .
كان المتظاهرون يريدون الوصول إلى ميدان التحرير بالقاهرة، بينما أقامت قوات الأمن حواجزها على الجسور القريبة منه.أحرق المتظاهرون مقر الحزب الوطني الحاكم آنذاك، وعاشت القاهرة ساعات من العنف لم تشهد مثلها منذ اضطرابات عام 1956 . لقد أطلقت تلك القوات رصاصا مطاطيا في البداية ثم رصاصا حقيقيا حيّا، وكانت الحصيلة عشرات الضحايا.
تحدّث مبارك في منتصف تلك الليلة عبر التلفزيون، للمرّة الأولى منذ بداية الانتفاضة الشعبية، وأعلن استقالة الحكومة .
لقد بدا بعيدا عن حقيقة ما كان يجري في الواقع.وقابلته جموع المحتجّين بشعار :"ارحل".ثمّ عرف ميدان التحرير في الأيام التالية تدفّق شرائح جديدة من أبناء مصر العاديين البعيدين عن السياسة والنشاطات العامّة .
موظفون وعاطلون عن العمل وغيرهم ممن جمع بينهم انحسار الأمل بالمستقبل نزلوا إلى ساحة ميدان التحرير وغيرها من ساحات المدن المصرية . كانوا قد واكبوا قبل فترة وجيزة أحداث تونس على شاشات التلفزيون.لم يثنهم عن النزول إلى الشارع ما كانوا قد شاهدوه من عنف الليلة الماضية. بل على العكس حفّزهم ذلك على المشاركة في الانتفاضة الشعبية.
وظهرت آنذاك شعارات جديدة لها علاقة بالخبز والتربية والتعليم والصحّة والمواطنة والكرامة للجميع. وفي الوقت الذي قتلت قوات الأمن والشرطة 17 متظاهرا في بني سويف وحدها يوم 29 يناير، كانت قوات الجيش تراقب ما يجري دون أن تتدخّل. شرعت الجموع الثائرة بتقبيل الجنود وتقديم الحلوى لهم والتقاط الصور معهم. لقد بدا المشهد غريبا بالمقارنة مع شراسة قوى الأمن.
كانت القنوات التلفزيونية الوطنية المصرية التابعة للدولة تتابع طيلة الأيام الأولى للانتفاضة برامجها ومسلسلاتها وتحقيقات وثائقية عن أصناف الحيوانات والنباتات .
وفي يوم 29 يناير قطعت بثّها فجأة كي يعلن مبارك تعيين نائبا للرئيس للمرّة الأولى منذ عام 1981 هو اللواء عمر سليمان رئيس الاستخبارات والرجل الذي كان يحظى بثقته الكاملة، بعد أن أنقذ حياته عند محاولة اغتياله في اديس ابابا عام 1995 .كماّ عيّن احمد شفيق،العسكري أيضا، رئيسا للحكومة . بدا الرجلان آنذاك على رأس قائمة من يمكن أن يخلفوا الرئيس.
مطلب لم يتغيّر
وفي يوم الثلاثاء الأول من فبراير شهد ميدان التحرير مظاهرة مليونية . ومما ينقله المؤلفان قول أحد المشاركين فيها ما مفاده:" إذا كان مبارك يحب مصر ولو قليلا، فإن عليه أن يفهم ضرورة أن يرحل.نحن هنا مليون اليوم، وإذا لم يرحل فسوف نكون اثنين، ثلاثة، ثمانين مليونا في الشوارع يوم الجمعة كي ندلّه على طريق الجحيم".
شهدت الأيام التالية مواجهات حقيقية بين المعتصمين في ميدان التحرير بالقاهرة وبين رجال النظام السابق و"بلطجيته" من بينها ما يُعرف بـ "موقعة الجمل".
ولم تكن المواجهات أقل عنفا في العديد من المدن المصرية الأخرى. ولم يلطّف من الأجواء اعتذار أحمد شفيق عن العنف ولا تأكيد عمر سليمان ،نائب الرئيس، أن جمال مبارك لن يترشّح للانتخابات الرئاسية القادمة.
في يوم الجمعة 11 فبراير، وبعد ثمانية عشر يوما من سقوط أوّل شهداء الثورة الذين كانت صورهم تزيّن بعض اللافتات المرفوعة في ميدان التحرير الذي امتلأ تماما بالمصلّين المسلمين الذين أحاط بهم المسيحيون بكل احترام .وينقل المؤلفان عن أحد من يوصفاه بصاحب لحية قوله :" لم يعد يوجد هنا مسيحيون أو مسلمون. لم يعد هناك فرق .
نحن جميعنا مصريون.وكلنا ضحايا النظام .وجميعنا نريد مستقبلا أفضل لأولادنا" .
كان مطلب الجميع واضحا ومحددا وهو "رحيل الرئيس".وليس الاكتفاء بالوعود التي ترددت في اليومين السابقين بـ "تلبية المطالب الشعبية " التي اعتبرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة "مشروعة وأنه يدعمها".
وكانت قد ترددت في اليومين السابقين أيضا تصريحات داخلية لرئيس الوزراء أحمد شفيق وضبّاط كبار وخارجية أدلى بها الرئيس الأميركي باراك اوباما وغيره تصبّ جميعها في القول أن الرئيس مبارك سيعلن استقالته. وزير الإعلام السابق انس الفقي كذّب ذلك بشدّة آنذاك.
ثمّ كان خطاب مبارك عشيّة يوم 10 فبراير الذي أعلن فيه أنه تخلّى عن سلطاته لنائبه عمر سليمان وأنه سيبقى في الحكم لـ "تأمين الانتقال السلمي للسلطة حتى شهر سبتمبر" ،أي حتى نهاية ولايته.لكن الجموع المحتشدة في شوارع مصر وساحاتها وميادينها أجابته بصوت واحد :"ارررررحل".
وعند الساعة الثامنة عشرة من يوم 11 فبراير أعلن عمر سليمان عبر شاشة التلفزيون الوطني المصري أن "الرئيس محمد حسني مبارك قرر التخلّي عن منصب رئيس الجمهورية وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلّحة بإدارة شؤون البلاد".خطاب استمرّ ثلاثين ثانية تحوّلت القاهرة بعدها إلى "محيط من الأعلام" مع هتاف واحد "تحيا مصر" ،كما يصف المؤلفان المشهد الذي عاشاه آنذاك.
الكتاب: مصر التحرير- تشريح الثورة
الحلقة: (1)
عدد الصفحات:385 صفحة
تأليف: كلود غيبال وتانجي سالون
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: سويل، باريس،
