لدى صدور هذا الكتاب وصفه النقاد الأميركيون بأنه عمل بحثي جمع بين التاريخ والتكنولوجيا والتنظير في مجال الإعلام والاتصال، وفي جانب التاريخ عمل المؤلف على رصد تطور وسائل الاتصال في أميركا بالذات من أيام شركات التلغراف التي كانت تود لو أمكنها "سحق" شركات الهاتف الوليدة كي تخرجها من دنيا المنافسة في أواخر القرن التاسع عشر، إلى أن بسطت الحكومة الاتحادية حمايتها على مؤسسات الاتصال الهاتفي.

مما أفضى بدوره إلى قيام احتكارات في هذا الميدان، وهو ما يراه الكتاب متنافيا مع مبدأ حرية التعبير وحرية تدفق المعلومات التي تكفلها المواد الأساسية من الدستور الأميركي، ومن هنا تحذر فصول الكتاب مما تصفه بأنه "الدورة" التي تكاد تتحول بها مرافق وأدوات ووسائل تكنولوجيا المعلومات الحديثة وفي مقدمتها بالطبع شبكة الإنترنت إلى احتكارات يمكن أن تهدد بدورها هذه الحرية في تدفق المعلومات وفي تمهيد سبل التواصل على مستوى العالم كله.

وقد اكتسب هذا الكتاب أهمية متجددة في ضوء التطورات التي طرأت أخيرا بشأن فضائح التنصت على أفراد ومؤسسات في المجتمع البريطاني من جانب أطراف فاعلة في إمبراطورية الملياردير اليهودي الصهيوني "روبرت ميردوخ" حيث كانت الأخطر فيها تلك الصلات التي اتضح أخيرا أنها كانت تربط بين الدوائر الإعلامية المذكورة وبين دوائر وأوساط حكومية سواء في بريطانيا بل وفي أميركا خلال حقبة الرئيس السابق "جورج بوش".

على الرغم من صدور هذا الكتاب في أواخر العام الماضي، إلا أن أهميته ما لبثت أن اتضحت بل تجلت أمام المحللين والقارئين وجموع الشغوفين بالشأن العام سياسيا وإنسانيا من خلال ما كشفت عنه الأحداث مع بدايات الصيف القائظة من العام الحالي.

فعندما أصدر المفكر الأميركي من أصل صيني "تيم وو" كتابه الذي نعرض له في هذه السطور، اهتم به النقاد على أساس متابعته التحليلية لتاريخ عملية الاتصال ولوقائع تطوراتها ما بين مراحل الابتكار إلى مراحل الاحتكار إلى مراحل التنظيم من خلال اللوائح الحكومية في الولايات المتحدة بالذات.

لكن الكتاب اكتسب أهميته المستجدة بعدما ثبت من وقائع التجسس التنصت التي شهدها المجتمع البريطاني في الأشهر القليلة الماضية، وخاصة على يد أركان وفعاليات إمبراطورية الإعلام والصفحات التي يتربع على عرشها المقيت الملياردير اليهودي الصهيوني روبرت ميردوخ وابنه جيمس وهي الوقائع الفضائحية التي مازالت تتكشف أبعادها وأسرارها،.

 

شكراً ثم وداعاً

صحيح أن السقوط الذي مُنيت به مؤسسة كانت عتيقة ومخضرمة، هي جريدة "نيوز أوف ذي وورلد" جاء سقوطا مدويا ودراميا بكل المقاييس، حيث أصدرت الجريدة الشهيرة آخر أعدادها في يوليو الماضي وبعد 168 سنة من الصدور وقد حملت الصفحة الأولى من هذا العدد الختامي عنوانه الأشهر وهو: شكرا ثم وداعا.

إلا أن ذيول فضيحة التنصت الإعلامي التي استخدمت أحدث وأخطر وسائل الاتصال الالكترونية اكتسبت أبعادا أخطر وأعمق، أولا لأن ذيولها وصلت إلى حد الحديث في بريطانيا عن اتفاقات سرية وتحالفات تحت الطاولة، كما يقولون، جمعت بين دوائر الحكم في الوزارة البريطانية وبين أركان التنصت إياه في إمبراطورية الملياردير "ميردوخ" وثانيا لأن هذه الذيول السلبية عبرت مياه الأطلسي، كي تلقي بظلالها الكئيبة، والمريبة أيضا على ما كانت تمارسه دوائر بعينها في إدارة الرئيس بوش الابن السابقة بحق ما كان لها من منافسين وخصوم.

ومن عجب أن تتجمع هذه السلبيات عبر الأطلسية، كما نسميها، فتضفي أهمية متجددة على طروحات كتابنا الذي اختار له مؤلفه العنوان التالي: مفتاح التحويل الرئيس (ماستر سويتش) ونبادر لنوضح أن هذا العنوان ليس من ابتكار المؤلف، ولكنه مستعار من العبارة التي كان يستخدمها إعلامي أميركي مخضرم هو "فرد فرندلي" ، الرئيس التنفيذي الأسبق لشبكة "سي. بي. إس" القومية التليفزيونية بالولايات المتحدة.

وكان الرجل يميز بهذه العبارة بين جانب حرية التعبير المكفولة قانونا من خلال المواد والتعديلات الافتتاحية من الدستور الأميركي، وبين ما آلت إليه الأحوال من وجود "مفتاح تحويل" رئيسي تجسده امكانات الإعلام والاتصال الحديث، وهو وسيلة للتحكم ليس في تدفق المعلومات من مصادرها إلى مستقبِلها وحسب، ولكنها وسيلة أكثر من ناجعة لصياغة مضمون هذه المعلومات على النحو الذي يتوخى سلبا وإيجابا هدف التأثير على هذه الجموع من المستقبِلين.

 

حول شبكة الانترنت

ولكن إذا كان مؤلف هذا الكتاب قد عرض خلال الفصول الأولى من الكتاب لتأثير وسائل اتصالية من قبيل الهاتف ومن قبله طبعا التلغراف، فضلا عن الوسائل الإعلامية الأحدث عهدا والأعمق أثرا وفي مقدمتها بداهة كل من الراديو والتليفزيون ومن بينها أفلام السينما، إلا أن البروفيسور "تيم وو" يتوقف كثيرا، ومن منظور تحليلي عند وسيلة أشد عمقا وأنجع أثرا وتحمل ببساطة اسمها المعروف: شبكة الانترنت.

هي بداهة أهم وربما أخطر وسيلة اتصالية كوكبية سواء من ناحية السرعة اللحظية أو الصياغة المتأنية ثم التأثير الفعال ، على نحو ما عرفه العالم الحديث، على أن المؤلف لا يتوقف فقط عند الفعالية التقنية التي تتمتع بها وسائل الاتصال الحديثة، ولا قدرتها السوبر فائقة على عمق التأثير ولا على إحداث التغيير.

مؤلف هذا الكتاب يمضي خطوة أبعد يمكن أن تلخصها العبارة التالية: التجميع والاحتكار.

هنا يتحول البروفيسور "تيم وو" من جانب التكنولوجيا إلى جانب الاقتصاد، وهنا أيضا يبني الرجل أحكامه وتنبؤاته على أساس استعراض مثير تحفل به الفصول اللاحقة من هذا الكتاب لتاريخ سبل الاتصال في بلد متقدم مثل الولايات المتحدة.

ويشهد هذا التاريخ، كما يوضح الكتاب، كيف شجعت واشنطن احتكارات الاتصالات الهاتفية لدرجة أن تجسدت هذه الاحتكارات في إمبراطورية مؤسسة الهواتف الذائعة الصيت "أي. تي آند تي".

كان ذلك بتشجيع من جانب الرئيس الأميركي الأسبق "هاري ترومان" (1884- 1972) الذي شهدت حقبته بدايات الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب منذ أواخر الأربعينات ومطالع الخمسينات من القرن العشرين.

والطريف أن شركة الهواتف المذكورة كانت قد بدأت أعمالها منذ أواخر سبعينات القرن الـ 19، ولكن كادت تعصف بها أنواء تلك المرحلة البعيدة التي كانت السيطرة فيها لصالح الجد الأعلى لدنيا الاتصالات الحديثة. وكان هذا الجد يحمل الاسم التالي: شركة وسترن يونيون للرسائل البرقية (التلغراف).

 

زواج ماما العم

يقول مؤلفنا أن عملاق التلغراف صمم يومها على "سحق" الوليد الهاتفي الناشئ الذي رأى النور بفضل اختراع تلك الوسيلة الخطيرة على يد "غراهام بِلْ" (1847- 1922). ومن حسن حظ جماعة "بِل" أن صدر لصالحهم حكم المحكمة الفيدرالية بالاعتراف بهذا الاختراع وهو ما كفل للهاتف بوصفه وسيلة اتصال، متقدمة طبعا عن التلغراف، أسباب البقاء والاستمرار.

ومضت السنون التي طورت صناعة الهاتف وخدماتها إلى حيث عهدت إليها حكومة "ترومان" كما أسلفنا بإدارة المختبرات الاتحادية العاملة في مجالات تطوير صناعة السلاح.

هنالك نشأت علاقة أصبحت تُعرف في الأدبيات الأميركية، وعلى نحو ما يوضح كتابنا بالوصف التالي: زواج العم "سام" من ماما "بل"

وترجمتها بالطبع هي: العلاقة الوثيقة بين حكومة واشنطن واحتكارات الهاتف.

وعلى مهاد مثل هذه العلاقة ومثيلاتها نشأت وتطورت أيضا ظاهرة "الدورة" كما يسميها المؤلف، وهي دورة تبدأ بالاختراع وتنتهي بالاحتكار، بمعنى أنها تبدأ في دنيا المختبرات والتجريب وتنتهي إلى عالم التقنين والتجميع والتفعيل والانتشار في كل مرافق المجتمع من أجل تلبية احتياجاته الاتصالية الواسعة التعدد والفائقة الطموح، ابتداء من مخابرة الهاتف وليس انتهاء برسالة الانترنت.

نلاحظ في مثل هذا السياق أن المؤلف لا يعزو هذه التطورات إلى مجرد نوايا الأفراد ولا حتى إلى قرار يصدر عن الحكومات. المؤلف يرى أن الأمر محكوم بفعل قوانين الحركة التي تصدُق على تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

وبمعنى أن الاتصال الحديث بحكم التعريف هو بالأدق عملية "تواصل"، فلا أحد يقصر الاتصال على نفسه، ولا احد يبث رسالة إلى ذاته، وعملية "التواصل" في حد ذاتها هي عملية "تشبيك" كما يقال في مصطلح المنظومة الدولية، بمعنى أنها تدور ضمن إطار شبكة تضم أقطابا شتى وجهات متباينة وشخصيات ومصالح ودوائر بالغة الاختلاف.

 

حكاية التشبيك

في الإطار نفسه يرى المؤلف أنه بعد أن اجتازت شبكات الهواتف وما في حكمها هذه المراحل من التدامج والتجميع، فقد جاء الدور على "الانترنت" التي خرجت إلى الوجود بداهة تحت وصف "تشبيكي" بدوره هو شبكة المعلومات الأولية وما في حكم ذلك من مسميات لا تخفى دلالاتها ومنها طبعا الشبكة العنكبوتية. هذا المنحى من التفكير يتابعه "ديفيد ليونهارت" المحلل الاقتصادي لجريدة "نيويورك تايمز" حين يقول في معرض نقده التحليلي لهذا الكتاب: ثمة مصطلح بات يستخدمه مديرو شركات الاتصال الكبرى، وهذا المصطلح يفيد معاني التواؤم أو التدامج أو التجانس.. الخ.

ولكن المصطلح جدير بأن يفضي بهذه الكيانات (الاتصالية) الكبرى إلى أن يزداد حجمها وتتسع امكاناتها، مما يوصلها على الأرجح إلى حيث تمارس سيطرة أعمق وأخطر على المعلومات المتداولة عن طريقها وبأكثر مما كان في الماضي.

نفس الناقد الأميركي يرصد توقعات مؤلف الكتاب موضحا أن في مقدمة القوى أو الدوائر المرشحة لمثل هذا المستقبل ما يمكن أن يتمثل في مؤسسات من قبيل "آبل" أو "كومكاست" فضلا عن "جوجل" إذا ما قررت هذه الأخيرة أن تتخلى عن تقاليد الانفتاح التي تتبعها وتسعى بدلا من ذلك إلى القضاء على المنافسين.

المهم أن ما يلفت أنظارنا كقارئين في هذا الكتاب هو ذلك التماثل الذي يلحظه ويرصده المؤلف بين وسيلتين متباعدتين من وسائل الاتصال والإعلام وهما: الراديو والانترنت.

والتباعد هنا زمني بالدرجة الأولى، حيث يفصل بين اكتشاف المذياع واستخدام الانترنت نحو 70 عاما من القرن العشرين.

لقد بدأ الراديو في عشرينات القرن الماضي أقرب إلى وسيلة للهواة، تبث رسالته محطات عديدة كانت متناثرة في بلدات وحواضر الولايات المتحدة، ويمتلكها مواطنون عاديون بسطاء في نهاية المطاف، وأن دفعهم شغف الإعلام إلى أن يجلسوا خلف الميكرفون حيث كان بوسع كل واحد، وأي واحد، أن يصبح، مذيعا.!

على الطرف الآخر للمعادلة نفسها بدأت الانترنت وسيلة يشغف بها "السحرة، الشياطين الصغار" كما يقول المصطلح المتواتر في عامية الولايات المتحدة، كانوا فتية أو فتيات في أولى سنوات الشباب، وكم راعتهم تلك الثمرات التي جادت بها قريحة شاب مثلهم لم يكد يكمل سنوات الجامعة، وكان اسمه "بيل غيتس".

 

عن تطور المذياع والشبكات

والحاصل أن الراديو تحوّل من هواية إلى احتراف، ومن محطات، متناثرة إلى مؤسسات إذاعية عملاقة خضعت كما هو معروف إلى سيطرة شركات وتجمعات واحتكارات ومن ثم أجندات فئوية وطبقية وأيديولوجية وحكومية على السواء.

وهذا هو وجه المقارنة وهو أيضا المصير المتوقع، كما يتصوره مؤلف هذا الكتاب، بالنسبة لشبكة الانترنت بل ولتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل عام: أنْ تفقد نقاء الانفتاح أو بكارة الاستنارة لصالح الاحتكارات المصلحية والأهواء المؤسسية.

وليس من مخرج من هذا المصير على نحو ما يقول ناقد آخر هو "مارك ماكدونالد"- سوى أن نتبع نصيحة مؤلف هذا الكتاب ذاته، وهي تؤكد على شعار جوهري ينبغي تطبيقه في هذا المضمار وهو: مبدأ الفصل. بمعنى الفصل بين أطراف "الدورة" الاتصالية التي باتت تجسدها شبكة الانترنت بالدرجة الأولى. وإذا كان المفكر الفرنسي "مونتسكييه" قد نادى بمبدأ الفصل بين السلطات فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد مع الصفحات الختامية على مبدأ الفصل بين الأطراف الثلاثة الفاعلة في دنيا الاتصال وهي:

(1) عملية وضع وصياغة المضمون.

(2) المرافق والهياكل الأساسية التي تكفل أداء الشبكة.

(3) وسيلة الاتصال.

هنا أيضا يحذر المؤلف مما يصفه بأنه "التكامل الأفقي" بين مثل هذه العناصر المحورية، فمن شأنه أن يفضي إلى احتكار توصيل الرسالة، أو إلى صياغتها على ضوء مصالح معينة، وهو ما يتنافى بداهة مع حرية تدفق المعلومات، وهو أيضا ما قد يكفل للمعلومات وما في حكمها من مراحل ومضامين التواصل فيما بين جماهير الناس أن تظل بعيدة عن ضيق المصالح ومنزّهة عن شبهة الاحتكار ومبرأة من شتى الأغراض.

الكتاب: مفتاح التحويل الأكبر .. دور إمبراطوريات الإعلام بين الصعود والسقوط

عدد الصفحات: 384 صفحة

تأليف: تيم وو

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: نوف، نيويورك،