على مدار الفصول العشرين التي يتكون منها متن هذا الكتاب، يتابع المؤلف تطورات الأوضاع على صعيد منطقة وول ستريت - بوصفها حي المال والأعمال الواقع بجزيرة مانهاتن في مدينة نيويورك، وهو الحي الذي ظل لفترات طويلة، وربما على مدار عقود القرن العشرين، يمثل المحور النابض لحركة الاقتصاد وعالم التمويل والمضاربات والبورصات والاستثمارات في طول العالم وعرضه.
ومن هنا جاءت الأهمية التي يوضحها هذا الكتاب عندما أصيب وول ستريت بصدمة انهيار الديون العقارية، وحالات العجز الفادحة والمستشرية باطراد، مما دفع بعدد من أكبر المصارف والبيوتات المالية إلى حافة الإفلاس، ومما أصاب الاقتصاد الأميركي.
وخاصة مع خريف عام 2008 بتلك الصدمة المروعة المتمثلة في أزمة مالية، ما لبثت أن أدت إلى حالة ركود اقتصادي واسع النطاق اتسع ليشمل معظم اقتصادات العالم بحكم الدور المحوري الذي يقوم به اقتصاد الولايات المتحدة وخاصة بالنسبة لبلاد كبرى مثل الصين.
ولا يفوت الكتاب أيضا أن يلمح إلى أن من أسباب هذه الأزمة التي عصفت بالدور القيادي لدوائر "وول ستريت" ما يتصل أولاً بالأطماع التي استبدت بمديريها الاقتصاديين من أجل تقاضي مكافآت وأرباح ومزايا ورواتب فلكية، وثانياً ما يتصل بعلاقات غير سوية ربطت بين دوائر الثروة في نيويورك ودوائر السلطة الحكومية خلال حقبة بوش السابقة في واشنطن، هذا فضلاً عن مشاعر الغرور التي استبدت بدوائر وول ستريت بعد حقبة كلينتون التي شهدت حالة من الرخاء والنمو المالي إلى حد كبير.
لأن العالم أصبح بالفعل "قرية الكترونية"، فقد أصبح بديهياً بالتالي أن تتأثر كل أحياء هذه القرية العالمية بما يجري في حارات وأزقة ومسالك الأحياء الأخرى.
وعندما تجمعت غيوم الأزمة المالية في خريف عام 2008، كان منطقيا أن تمتد سحاباتها الضبابية كي تغشى مختلف شعاب الكرة الأرضية التي تحمل اسم "العالم"، ولو بدرجات تختلف ما بين الارتفاع والانخفاض.
وفيما بدأت تلوح آثار من الانتعاش أو هو التعافي من جراء الأزمات، على نحو ما تعبر مصطلحات الأمم المتحدة، إلا أن غيوم الأزمة المالية ما برحت تعاود إطلالتها الكئيبة وخاصة في أيام الصيف الحالي القائظ السخونة كما قد نقول.
صحيح أن أطرافا واعية مثل الاتحاد الأوروبي، تحركت بسرعة مشهودة لإلقاء طوق الانقاذ مثلاً إلى العضو اليوناني كي يسبح، أو يحاول أن يسبح، ممسكا بالطوق المذكور، بعيدا عن أخطار الغرق في لجّة الديون التي هددت، ومازالت تهدد، كيانه الاقتصادي وأساليب المعيشة، المعقولة التي تعوّدت عليها جموع الجماهير في بلاد الإغريق.
لكن الأنظار ما لبثت أن تحولت أخيرا عبر مياه الأطلسي كي تتركز من جديد عند هذا الذي يجري على المسرح الأميركي، وهو الساحة التي مازالت تمارس موضوعيا أعمق التأثير على مجريات الاقتصاد وربما السياسة في عالم اليوم.
وأصل الحكاية، كما بات معروفا، هو تلك المواقف المتصلبة إلى درجة التعصب، والمتربصة إلى درجة التشنج، التي يتخذها الحزب الجمهوري المعارض في الولايات المتحدة إزاء الإدارة الحالية في البيت الأبيض، بهدف إسقاط الرئيس الأميركي الشاب باراك أوباما وحرمانه بالتالي من الفوز بولايته الرئاسية الثانية والأخيرة.
حدث في الربيع
وخلال ربيع هذا العام، جربوا حيلاً ومخططات شتى، كان من بينها مثلاً تلك الحملة التي شنها بارون الأعمال العقارية في نيويورك "دونالد ترامْب" ومؤداها كان التشكيك في أن "أوباما" مولود أصلا على أرض أميركية، ومن ثم فهو في تصورات مثل هذه الحملات الهجومية رئيس فاقد الشرعية من الأساس، وكان أن سارعت أركان البيت الأبيض والحزب الديمقراطي الحاكم إلى إعلان ونشر شهادة ميلاد الطفل الأسمر "باراك حسين أوباما" في ولاية هاواي - الأميركية بالطبع.
ولذلك خمدت نيران مثل هذه الحملات إلى أن تجددت مع أيام الصيف الحالي، كما أسلفنا، وبصورة أخطر من خلال تعنّت الجمهوريين إزاء حل مشكلة الديون القومية الداخلية للولايات المتحدة. ورفض أساليب التوافق أو أي حلول وسط قدمها الرئيس الأميركي لانتشال الاقتصاد الأميركي من هذه الأزمة، وهو ما ظل يهدد في نهاية المطاف بإعلان "إفلاس" حكومة الولايات المتحدة الأميركية بجلالة قدرها.
ومثل هذا الإعلان لا يؤدي وحسب إلى تشويه صورة أميركا في عيون العالم، فلا محل هنا مثلاً لمشاعر سلبية من قبيل الشماتة، حيث لا مكان لمثل هذه المشاعر أو غيرها في عوالم الاقتصاد أو التمويل أو النقود.
المشكلة هي أن بلدا آخر له اقتصاد عملاق كما قد نسميه اسمه الصين أصبح مهددا بخسائر أكثر من فادحة في قيمة الودائع التي يمتلكها بعشرات مئات المليارات من أذونات الخزانة الأميركية.
مشكلة التصنيف
والمشكلة هي أن المؤسسات المتخصصة دوليا في وضع وتطبيق معايير تصنيف الجدارة الائتمانية للاقتصادات الدولية أصبحت على استعداد للهبوط بمؤشر تلك الجدارة بالنسبة للاقتصاد الأميركي، وهو ما يهدد بدوره بمشكلات خطيرة تترتب على اقتصادات شتى في مشرق العالم وغربه على السواء.
في كل حال فقد نبعت جذور هذه المشكلة التي أصابت اقتصاد عالمنا من موقع محوري يحمل الاسم المعروف: وول ستريت ذلك الحي الصغير الواقع على أطراف جزيرة "مانهاتن" التي تحتل قلب مدينة نيويورك، وقد أصبح معروفا بأنه حي المال والأعمال.
ظل هذا الحي، بكل شبكاته المتشعبة وكل مؤثراته الخطيرة المتفرعة في كل أنحاء العالم، يمارس تأثيراته على اقتصادات الدنيا، إلى أن وقعت واقعة الأزمة ابتداء من مجال الديون العقارية في خريف عام 2008.
ولأن هذه الأزمة أطاحت بأكبر مؤسسات الإقراض وأعتى بيوتات التمويل في دوائر وول ستريت، وفي مقدمتها مثلاً مؤسسة "ليمان برزرز" التي شارفت حافة الإفلاس بعد عمر كان يناهز وقتها 180 سنة من النشاط الاقتصادي، فقد كان هذا نذيرا بنهاية أخطر وأكثر شمولا:
"نهاية وول ستريت" هذا هو عنوان كتابنا الذي أصدره مؤلفه "روجر لوفنشتاين" بأسلوبه الصحافي المتخصص ليشمل أكثر من ثم 180 مقابلة أجراها مع سدنة وول ستريت وعلى أساس معلوماتها طرح رؤاه وتحليلاته لمسير هذا المحور الديناميكي في ساحة الاقتصاد العالمي ولمصيره الذي تنبأ فيه هذا الكتاب بالوصول إلى حافة النهاية بمعنى نهاية النفوذ والتأثير الذي كان يتمتع به وول ستريت على صعيد العالم والعصر.
عشرون فصلاً يتألف منها متن الكتاب يبدأ أولها بعنوان "على مفترق الطرق" وينتهي ختامها بالعنوان النبوءاتي كما قد نسميه وهو: "نهاية وول ستريت".
عند حافة الإفلاس
هي قصة فشل أو سقوط كما تحكيها فصول الكتاب. وهو يركز التحليل على أن بعض شركات التأمين العملاقة كانت تُصدر وثائق التأمين لصالح المضاربين الخاسرين في بورصات الأوراق المالية، لكن لم يكن هناك وثائق ولا نظم للتأمين ضد العجز عن سداد الديون العقارية، فضلاً عن مشتقات هذه الديون وما في حكمها من رهونات.
ولأن هياكل الاقتصاد تجمع بينها وشائج موثوقة أقرب إلى الشبكة المترابطة أو المتكاملة فقد انطبقت عليها نظرية "الدومينو" الشهيرة، وبمعنى أن سقوط هذه المؤسسة أو انهيار تلك الشركة أو إفلاس تلك الدار التمويلية، كان كفيلاً - بحكم قوانين الدومينو - بانتقال أثره، وكأنما بالإشعاع كي تحق على ما سواها من مؤسسات لعنة السقوط والانهيار بمعنى العجز عن سداد المستحقات، وهو ما يؤدي منطقيا إلى إعلان الإفلاس. ساعتها أفاق القوم وكأنما كانوا في حال من السبات العميق أو هو الخدر اللذيذ.
كان ذلك كما يوضح كتابنا في سبتمبر من عام 2008. وهنا يتابع الكتاب وقائع الاجتماع الذي عقده في نيويورك خلال عطلة نهاية الأسبوع رئيس الاحتياطي الفيدرالي وقتها (البنك المركزي) الأميركي "تيم جيثنر" وضم الاجتماع قادة القمة من مصارف أميركا. وقد بدأت الجلسة الأولى بكلمات المسؤول المصرفي الكبير يقول: أيها السادة جئنا إلى هنا من أجل محاولة تفسير الأمور.
وانتهى الاجتماع بكلمات المسؤول نفسه يقول: أيها الرجال، أنتم بحاجة إلى أن تأتوا لنا بحل لما نحن فيه.
هنا يعلق مؤلفنا "روجر لوفنشتاين" قائلا: ولم يستطع الرجال أن يأتوا بأي حل لا من قريب ولا من بعيد، وقصارى ما فعله أحدهم واسمه "ريتشارد فولد" أن أعلن الفشل أو التراخي في التماس الحلول، ولذلك فقد علق مخاطبا مستمعيه: إنكم تطلقون قوى الشر من عقالها.
المجد للأرباح
وعلى عادة الصحافيين، اختار المؤلف شخصية محورية أو شبه محورية هو رجل الاقتصاد في وول ستريت واسمه "بوب روديرغيز" الذي نصادفه مع أول فصول الكتاب فيما نكاد نودعه، أو يودعنا مع ختام هذه الفصول، وبين المشهدين يحلل المؤلف وبالتفصيل وقائع سقوط سوق الرهونات العقارية في نيويورك، وما تبع ذلك من تساقط متتابع لحلقات الديون المشتقة من بعضها البعض تلك التي عمدت إلى تداولها دوائر الوول ستريت بيعا وشراء في إطار مبادلات وتفاهمات وصفقات لم يكترث موقعوها باحتمالات المخاطر التي كانت محدقة بها من مختلف الجوانب، وإنما كان الهدف كما لا تفتأ توضح فصول هذا الكتاب يتمثل في أمر واحد وهو: الربح ولا شيء غير الربح.
وكان أهم ما في هذا الهدف هو تلك والمكافآت والمرتبات والمزايا والأرباح السوبر طائلة وتلك النسب الفادحة التي كان يستأثر بها كبار العاملين من مديرين وتنفيذيين في مؤسسات حي المال والأعمال النيويوركي ومصارفه.
وفي السياق نفسه لا يتورع مؤلف الكتاب عن النفاذ بقارئه إلى ما خلف كواليس تلك الصفقات أو إلى ما تحت طاولات المكاسب التي حققوها دون تدبر لأمر العواقب التي عندما وقعت، أوقعت النظام المالي بأكمله في شر الأعمال. لقد زاد الأمر فداحة وربما اتسعت دائرة الشبهات عندما تواطأت مؤسسات التصنيف على نحو ما يوضح مؤلفنا فكان أن أصدرت بيانات وإحصاءات وتبويبات ظلت تثني على أداء دوائر وول ستريت، ولكن كان ظاهرها طمأنة جموع المستثمرين أو عامة المتعاملين دون أن تفصح جهلاً أو تآمراً أو انتهازية عما كان يحيق بمصالح هؤلاء المستثمرين أو المتعاملين من أخطار.
ورغم ما يلاحظه النقاد والمحللون من أن المؤلف كان حريصا على عدم إصدار أحكام، بقدر حرصه على اتباع أسلوب العرض والتحليل إلا أن المؤلف لم يتورع في بعض السياقات عن أن يورد انتقاداته لما كان يجري وفي سطور يقول فيها: برغم أن الأموال النقدية كانت آمنة في بعض الأحيان، إلا أن عدم إحاطة جماهير المستثمرين بمدى ما يحدق بها من أخطار، كان خطأ جسيما وبالغ الفداحة، والأغرب من ذلك هو سلوك التغاضي الذي كانت تسلكه دوائر المتابعة والرقابة الحكومية على ما كان يدور في وول ستريت.
ثم يستطرد المؤلف في السياق نفسه يقول:
-ولو كان القوم قد اتبعوا أسلوب الإفصاح الكامل، لكان محتملا أن يتوصلوا إلى كبد الحقيقة مهما كانت مرارتها، وكان مؤدى هذه الحقيقة أن النظام المالي في أميركا قد تعرّض لرصاصة موجهة إليه. ولو تسنى للمستثمرين (وقتها) أن ينجوا من ذلك الخطر الذي كان متربصا بهم، لكان بوسع السوق المالية أن تجبر "ذي ستريت" على كبح جماح اندفاعاته بعيدا عن هاوية المخاطرة، ومن ثم لاستطاع أن يبدأ في تجميع رؤوس الأموال من جديد.
حكاية نيويورك مع واشنطن
من جانب آخر لا يتورع محللو هذا الكتاب عن توجيه انتقاداتهم لذلك الأسلوب المجمل أو المخفف الذي يتناول به المؤلف قضية أخرى نراها من منظورنا بالغة الخطورة: إنها قضية العلاقات، الواضحة أحيانا والمستترة أحيانا أخرى بين دوائر وول ستريت في نيويورك ودواوين الإدارة الحكومية في واشنطن (كان ذلك في حقبة الرئيس بوش الابن): إنها علاقة الثروة بالسلطة، وفي إطارها ربطت مصالح مليونية بالطبع بين بعض مسؤولي إدارة "بوش" وبين ما كان يجري في أروقة وكواليس ودهاليز كبرى مؤسسات المال والأعمال في وول ستريت ومنها مؤسسة "غولدمان ساكس" على سبيل المثال.
تعامل المؤلف مع هذا الجانب الذي يربط الاقتصاد بالسياسة بقدر ملحوظ من التخفيف، وهو ما حمل الناقد الأميركي "م. أورثوفر" على أن يقول في معرض تحليله لطروحات الكتاب: حتى مبادرات الكونغرس من أجل إنقاذ دنيا المال والأعمال جاءت موجزة (أو محدودة) إلى حد الابتسار، ولا نكاد نجد ذِكْرا على سبيل المثال للرئيس بوش نفسه، والحاصل أن حديث المؤلف عمد إلى التركيز المفرط على ما كان يحدث في مانهاتن (وول ستريت) مع إغفال ما كان يدور في واشنطن (دوائر الحكومة والبرلمان).
أزمة الركود الكبير
في كل حال فلقد أفضت أزمة الديون العقارية، وما تبعها من دمار وإفلاس كبرى مؤسسات التمويل الأميركية إلى ما وصفه المؤلف بأنه الركود الفادح أو الكبير (عنوان الفصل التاسع عشر قبل الأخير ). وقد تلخصت أهم الأسباب في عبارات مسؤول اقتصادي أمريكي كبير هو "ريتشارد فيشر" حين حرص في فبراير 2009 على أن يقول:
علينا أن نعترف بأن كثيرين من مسؤولي دوائر التمويل في بلادنا، بمن فيهم مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عجزوا إما عن استشراف علامات الخطر التي أحدقت بسياسة الإغراق والإسراف المالي، أو أنهم عمدوا إلى تجاهلها أو اتخاذ إجراءات إزاءها.
المهم أن الأزمة ألقت بأعبائها الفادحة على كاهل الاقتصاد الأميركي، ومن ثم العالمي، والغريب أن أصابت الكثيرين بصدمة عدم التصديق على نحو ما ينقل كتابنا ص 283 عن "آلان غرينسبان" الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي، ولكنها في كل حال شكلت نهاية وول ستريت، لا بمعنى إغلاق أبوابه أو إنهاء أنشطته، ولكن بمعنى نهاية الثقة التي طالما كان يتمتع بها وهي ثقة في قدرة هذا الموقع الديناميكي في عالم الاقتصاد على أن يتنبأ ويستشرف ويتخذ أهبة الاستعداد مسبقا لما عساه يحدث في المستقبل.
ولعل الدرس المستفاد الذي يوجزه كتابنا في آخر فصوله، ثم ينقله عن "آلان غرينسبان" شخصيا هو أن مأساة وول ستريت تتمثل في أن عام 2008 الذي شهد وقوعها، جاء بعد نحو عقدين من الرخاء والرفاه ونجاح الأداء الاقتصادي في أميركا خلال حقبة كلينتون بالذات على مدار التسعينات: هنالك ظل القوم يركنون إلى دعة الرفاه وخمول الازدهار.
وربما كان في هذا ما جعلهم يتصرفون في الأموال والعقارات والأسهم والسندات بمنطق أقرب إلى الغرور، وهو ما حال بينهم وبين التدقيق في عمليات التنبؤ وإحصاءات الاستشراف وإسقاطات التوقع بما عسى أن تؤول إليه تطورات الأوضاع. من هنا وقعت الأزمة وكان من المفروض أن يحسبوا لها حسابها. وهذا درس بالغ القسوة، ولكنه درس مستفاد في كل حال.
الكتاب: نهاية وول ستريت
المؤلف: روجر لوفنشتاين
عدد الصفحات: 339 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بنغوين برِس، نيويورك،
