حكم زين العابدين بن علي تونس منذ عام 1987 وحتى عام 2011. وقد شغل مناصب عدّة في عهد الحبيب بورقيبة وصولاً إلى تسلّمه منصب رئيس الوزراء في عام 1987 ولمدّة تزيد على الشهر قليلاً، قبل تنحية "المجاهد الأكبر" عن السلطة.
لعب بن علي على الصراعات داخل السلطة خلال السنوات الأخيرة من عهد بورقيبة الطاعن في السن والمريض. وهو ينتمي إلى أسرة متواضعة، ولم ينل قسطا كبيراً من الدراسة، إذ لم يحصل أبداً على الشهادة الثانوية. ومع ذلك جرى قبوله في الكلية العسكرية بعد الاستقلال، وتخرّج ضابطاً منها، ثمّ أمضى فترة تدريب لمدّة عشرين شهراً في المدرسة العليا الأميركية للاستخبارات والأمن في بلتيمور.
برز اسم بن علي في تونس للمرّة الأولى عند الاتفاق الوحدوي التونسي ـ الليبي لإقامة "جمهورية عربية إسلامية" عام 1974. اقترح معمّر القذافي آنذاك تعيين أربعة تونسيين بمناصب استراتيجية، من بينهم بن علي كرئيس لجهاز الأمن الوطني المشترك. لكن مشروع التوحيد كلّه لم يعش سوى أيام قليلة.
وصل بن علي إلى السلطة بعد استصدار تقرير وقّعه سبعة أطباء مفاده أن بورقيبة "غير قادر على ممارسة مهام الرئاسة". وكانت بداية عهد جديد. أمضى زين العابدين بن علي نحو 24 سنة في الحكم بين 1987 و2011 . ويشرح مؤلفا هذا الكتاب كيف حوّل خلال تلك الفترة تونس الهادئة إلى ثكنة عسكرية هائلة. وأثار هذا الكتاب عند صدوره للمرّة الأولى ضجّة كبيرة، واعتبر مؤلفاه، على ضوء الأحداث المستجدّة، أنه لا يزال يشكّل أداة مهمّة من أجل فهم المسار الذي أدّى إلى انتصار"ثورة الياسمين" في شهر يناير 2011 .
ويعود المؤلفان إلى تاريخ 7 نوفمبر من عام 1987 عندما عزل زين العابدين بن علي الأب المؤسس لتونس الحديثة، الحبيب بورقيبة، عن السلطة لأسباب مرضيّة، وتولّى قيادة السفينة التونسية. لقد حدث ذلك بهدوء وترحيب عام دون أيّ اضطرابات، وبعد 31 سنة من حكم "المجاهد الأكبر".
شغل بن علي مناصب عدّة في ظل بورقيبة كسكرتير دولة ثم وزير داخلية ثم وزير دولة فرئيس للوزراء، وذلك كلّه في فترة لا تتعدّى الأربع سنوات. لكن عندما تولّى الرئاسة لم يكن معروفا كثيرا من قبل التونسيين ولا من قبل الحكومات الغربية. وكانت الفكرة السائدة عنه أنه رجل أجهزة استخبارات واختصاصي في عالمها.
ولا يتردد مؤلفا هذا الكتاب في التأكيد على أن الصراعات الداخلية حول بورقيبة هي التي سمحت للجنرال بن علي بالطموح إلى المنصب الأعلى في الدولة. لكنهما يؤكدان في الوقت نفسه أنه من الصعب جدا تحديد دقيق للكيفية التي أصبح فيها الجنرال رئيساً، ذلك أن الكثير من معالم الطريق قد اختفى وأغلبية الشهود "صمتوا". بل إن سجلّه المدرسي عندما كان تلميذا في مدرسة سوسة "تبخّر" مباشرة بعد تولّيه الرئاسة في 7 نوفمبر 1987.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى كتابين صدرا في عقد التسعينات من القرن الماضي، أحدهما لوزير داخلية تونس الأسبق الطاهر بلخوجة، والثاني لوزير التربية الأسبق محمد الشرفي. هذان الكتابان لا يأتيان عملياً على ذكر الجنرال بن علي. ويذكر مؤلفا هذا الكتاب أن الشرفي انتقد ذات يوم في بيته أمام بعض زائريه قساوة النظام حيال المعارضين، فكان الرد هو مقالة بالخط العريض في جريدة "الصحافة" التابعة للحكومة تحت عنوان "انظروا أين تذهب أموال أطفالنا".
لم يكن مسموحاً لأحد الإساءة لصورة النظام. ووصل الأمر إلى مصادرة وحرق أعداد من مجلّة "إفريقيا ـ آسيا الجديدة" الصادرة في باريس عندما نشرت في أحد ملاحقها صورة للرئيس التونسي بن علي يبدو فيها الشعر الأبيض يغزو رأسه. المعروف أن بن علي حرص دائما على أن يصبغ شعره بحيث يحافظ على "سواده" باستمرار.
من كانوا يتحدثون في تونس عن سيرة حياة بن علي لم يبخلوا في كيل المدائح لمواهبه وكفاءاته. لكن المؤلفين يؤكّدان أن الحقيقة هي أقل سموّاً ورفعة مما تقوله كتب سيرته العامّة. وبن علي من مواليد بلدة صغيرة بين قابس وميدينين، وينتمي إلى أسرة متواضعة، وكان جدّه قد أقام في قرية قريبة من مدينة سوسة. عاش الفتى زين الدين في المنزل رقم 11 بشارع سيدي الغربي، رغم أن بعض الصحف "الصديقة" أشاعت لفترة طويلة أنه من موليد مدينة الموناستير بزاوية سيدي مخلوف الدينية.
الجنرال ـ الرئيس
لم يحصل بن علي على الشهادة الثانوية أبداً. ويردد البعض أنّه ترك المدرسة الثانوية في السنة الخامسة، أي قبل ثلاث سنوات من الحصول على الشهادة الثانوية في تونس. ومن هنا جاءت الصفة التي أطلقوها عليه أنّه "حامل شهادة ثانوية ناقص ثلاث سنوات". المألوف في فرنسا هو تعبير "شهادة ثانوية زائد ثلاث سنوات" لحملة الشهادة الجامعية.
ومما تردد كثيرا في تونس القول إن الفتى بن علي "تعلّم حب الوطن" في ثانوية مدينة سوسة، التي كانت أحد معاقل بث روح المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، لكن ليس هناك من يتذكّر ذلك. كما يشير المؤلفان إلى أن الفتى بن علي قد ساهم في النضال ضد الاستعمار خلال سنوات 1952 ـ 1956 . وهذا ما يبرره أنصاره بأنّه كان قاصرا آنذاك ولم يتم أبدا تسجيل اسم أي قاصر عندها في سجلاّت الشرطة.
بدأ المسار المهني لبن علي بعد الاستقلال، حيث دخل الى الكلية العسكرية بين عدد من الذين اختارهم الحزب الدستوري الجديد دون حصولهم على الشهادة الثانوية. وبعد التخرّج من مدرسة سان سير العسكرية في فرنسا تابع لمدّة عشرين شهراً دورة في الكلية العسكرية العليا للاستخبارات والأمن في بالتيمور بالولايات المتحدة. كان ذلك بدعم والد زوجته الأولى الذي كان برتبة عقيد في الجيش الفرنسي سابقاً.
اكتشف التونسيون اسم بن علي للمرّة الأولى عام 1974 أثناء الوحدة التونسية ـ الليبية العابرة. كان الحبيب بورقيبة ومعمّر القذافي قد أعلنا في 12 يناير من عام 1974 بيان ولادة دولة جديدة، الجمهورية العربية الإسلامية. جرى الاحتفال في مدينة جربة التونسية، واقترح الرئيس الليبي يومها اسم اربعة تونسيين لتولي مناصب استراتيجية في الحكومة الجديدة، بينهم بن علي في منصب رئيس "المكتب الثاني"، أي جهاز الاستخبارات والأمن العسكري.
فهل استشار الليبيون بن علي مسبقاً؟، يتساءل مؤلفا هذا الكتاب. ويجيبان أنه كان الليبيون دائما من يتعاملون معه في جيش بلد الجوار. وأنه من الصعب تصوّر إمكانية ترشيح بن علي لمنصب حساس دون موافقته. بكل الحالات غدا الحديث عما جرى في جربة من المحظورات بعد وصول بن علي إلى السلطة.
بعد أيام فقط من قمّة جربة، جرى إلغاء الاتفاق الوحدوي أمام المعارضة الشديدة التي أبداها رئيس الوزراء التونسي آنذاك الهادي نويرة الذي عاد بسرعة من زيارته لإيران. وفي قمّة غضبه عيّن زين العابدين بن علي ملحقاً عسكرياً لتونس في السفارة التونسية بالمغرب.
لم يبق بن علي طويلاً في المغرب، حيث عاد إلى تونس وساهم في عمليات القمع ضد المضربين من العمّال. وكان ذلك بمثابة بداية صعوده، ولكن أيضا بداية شهرته كمتسلّط وقمعي. ثمّ كانت أحداث مدينة قفصة في شهر يناير 1980 ، حيث حاول عدّة عشرات من التونسيين المتدرّبين في ليبيا السيطرة على المدينة.
جرى اعتبار بن علي مقصّراً في مهمته كمسؤول عن الأمن، وعُيّنه رئيس الوزراء التونسي الجديد محمد المزالي سفيراً في وارسو عاصمة بولندة. وينقل المؤلفان في هذا الصدد أن السيدة وسيلة بن عمّار الزوجة "القويّة" للحبيب بورقيبة قالت عن ذلك التعيين: "هذا خطأ كبير، فسوف يتعلّم هناك كيف يقوم بانقلاب عسكري".
وفي نهاية شهر فبراير 1984 جرى تعيين بن علي رئيساً للإدارة الوطنية للأمن الوطني. وقد وضع آنذاك مهمة رئيسية له، عبر استقباله كل صباح في قصر قرطاج، الحصول على ثقة بورقيبة المريض والعجوز. أصبح بن علي وزيرا للداخلية في شهر أبريل من عام 1986. وكانت الحركة الإسلامية التونسية تزدهر أكثر فأكثر ويكبر تهديدها، الأمر الذي دعا بورقيبة إلى القول: "لا أريد أن أموت قبل إنهاء أصحاب اللحى".
بدأ بن علي وهو وزير للداخلية في تشكيل الفرق التي سوف تكون لاحقاً في صميم عمل جهاز نظامه القمعي. وينقل المؤلفان عنه قوله بتوصيفه لطريقة عمله: "أستمع للآخرين وأتأمّل ثمّ أتحرّك. لكنني لا أحب أن أتكلّم، هذا ما تعلّمته في الولايات المتحدة الأميركية". بكل الحالات استفاد من تلك الفترة في بناء شبكاته. وأصبح أثناءها أيضا عضواً في المكتب السياسي للحزب الحاكم. كذلك كانت فترة بداية العلاقات الوطيدة والمستمرّة مع مسؤول مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في تونس، والابتعاد بالمقابل عن لقاءاته الاعتيادية مع الملحق العسكري بالسفارة الفرنسية بتونس.
بدا الطريق مفتوحاً أمام بن علي للوصول إلى السلطة. وقال في مقابلة له تعود إلى صيف 1987 مع صحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية: "غدت القوى العقلية لرئيس الدولة محدودة جداً، إذ ينسى كثيراً، وتعتريه موجات من الغضب، ولا تتعدّى قدراته على الفهم ما يمتلكه طفل صغير".
وفي إحدى موجات غضب بورقيبة، عيّن بن علي رئيساً للوزراء باعتباره رجل الثقة في عدائه للإسلاميين. كان ذلك بتاريخ 2 أكتوبر1987. وبعد أكثر من شهر بأيام قليلة، أسرّ بورقيبة لابنة أخته سعيدة ساسي التي كانت ترعاه أنه يريد تغيير رئيس الوزراء. فما كان من الجنرال سوى أن شرع بإجراءات عزل "المجاهد الأكبر" كي يصبح رئيساً للجمهورية التونسية.
بداية عهد جديد
من المؤكّد أن بن علي علم بنيّة الحبيب بورقيبة عزله عن رئاسة الحكومة. فمن أعلمه بذلك؟، يتساءل المؤلفان. ويجيبان أنه كان هناك شخصان على علم بنيّة بورقيبة هما ابنة أخته سعيدة ساسي ووزير إعلامه عبدالوهاب عبد الله، الذي كان يقرأ له بعد ظهر كل يوم الصحف. مهما يكن من أمر، قرر بن علي أن يتحرّك بسرعة كي لا يجد نفسه خارج لعبة السلطة. وما فعله كان بمثابة انقلاب "ضمن إطار الشرعيّة". لقد قامت دبابات حبيب عمّار رئيس الحرس الوطني ومسؤول حماية بورقيبة وزميل بن علي في الكليّة العسكرية باجتياح قصر قرطاج بعد قطع الاتصالات الخارجية عنه بحجّة أن عملاً إرهابياً على وشك الوقوع. ثمّ اتصل حبيب عمّار ببن علي قائلاً: " كل شيء جرى حسب ما هو متفق عليه. تهانيّ سيادة الرئيس".
استدعى بن علي يومذاك قادة الجيوش والقطاعات الكبرى إلى مكتبه. وكانت التعليمات للحرّاس واضحة؛ وهي أن رنّ الجرس مرّة واحدة يعني تقديم القهوة. أمّا رن الجرس مرّتين فمعناه القيام باعتقال الزائر. جنرال واحد هو بوزغارو رئيس أركان القوى الجويّة والذي تربطه ببورقيبة صلة قربى عائلية أعلن عن معارضته لخطة بن علي، فتمّ اعتقاله.
كان المطلوب أيضاً أن تتم تنحية بورقيبة عن السلطة بشكل دستوري على أساس أنّه "غير قادر صحيّاً على ممارسة مهام الرئاسة". هكذا جرى إحضار سبعة أطباء بينهم اثنان من العسكريين ليلا إلى مبنى وزارة الداخلية، وليس إلى حيث يوجد المريض. وطلب منهم بن علي تحرير تقرير طبي يثبت عدم كفاءة بورقيبة للحكم. أحد أولئك الأطباء احتجّ قائلاً: "إنني لم أر بورقيبة منذ أكثر من عامين". فأمره الجنرال بن علي قائلا: "لا أهميّة لذلك. عليك أن توقّع وكفى".
انقلاب فاجأ الجميع
لقد فاجأ انقلاب بن علي الجميع. ويشير المؤلفان إلى أن جريدة "الصحافة" الحكومية خرجت في صباح 7 نوفمبر 1987 وفيها افتتاحيّة تمجّد بورقيبة. الصحيفة نفسها في طبعة بعد الظهر لنفس اليوم خرجت وفيها افتتاحية تمجّد بن علي وتصفه بـ "المنقذ" و"منقذ البلاد من الجنوح". تجدر الإشارة أيضا إلى أنّ البلدان الغربية صفّقت للتغيير الذي عرفته تونس. لقد حاول بن علي أن يولي أهمية كبيرة للقيم الإسلامية. وكانت رحلته الأولى خارج البلاد كرئيس للجمهورية هي لأداء العمرة في مكّة المكرّمة. وأظهرته الصور التلفزيونية وهو يقبّل جدار الكعبة الشريفة والدموع تملأ عينيه. كان الهدف هو إضعاف حركة النهضة ذات الإيديولوجية الإسلامية. لقد لعب على جميع المشاعر وجميع التناقضات. هكذا توجّهت جميع الأنظار نحو قصر قرطاج. وفي عام 1989 فاز بن علي بالانتخابات الرئاسية بنسبة تزيد على 99 بالمئة من أصوات الناخبين.
تكررت نفس الحالة التي كانت سائدة في زمن بورقيبة بوجود حزب رئاسي تدعمه الدولة وأحزاب معارضة هامشية. واعتباراً من تلك الانتخابات تبددت الأوهام لدى كثيرين في البلاد. وظهرت الملامح الاستبدادية للنظام واستئثار المقرّبين من الرئيس بالسلطة والمكاسب. بالمقابل ظهرت بعض الأصوات التي عارضت التوجّه الفردي والحزبي الضيّق الرامي للسيطرة على مقادير البلاد والعباد. أمّا الديمقراطية فلم تكن أكثر من "ديمقراطية واجهة". لقد جرى تحطيم المعارضة الحقيقية بكل أشكالها، وأصبح خطابها فارغاً من أي مضمون، بينما بلغ عدد أعضاء حزب الرئيس أكثر من مليون شخص.
وبالإجمال، حلّ الصراع داخل بطانة الرئيس مكان النقاشات السياسية في تونس. واستخدم الرئيس كل السبل للبقاء في السلطة. هذا دون الاهتمام بصياغة مشروع سياسي حقيقي. لقد أراد الظهور بصورة الأب، لكنه كان رجل الثكنات العسكرية والأجهزة الاستخباراتية بامتياز. صديقنا بن علي
الأوهام الضائعة
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2011
نيكولا بوو وجان بيير توكوا
