يعالج الكتاب بمنطق التتبع التاريخي والتحليل العلمي تطور ظاهرة الكاريزما وهي الخاصية أو الموهبة التي يتفرد بها القادة والزعماء التاريخيون، وقد توهَب أيضا لأفراد يتحلون بسمات تجتذب إليهم الأفراد وتجعلهم أقرب ما يكونون إلى قلوب الناس.

وقد شهدت العقود الأولى من القرن العشرين طرح هذه المقولات والبحوث عن "الكاريزما" في إطار دراسات علم الاجتماع وعلم السياسة، وخاصة على مستوى المدرسة الألمانية التي كان من أعلامها المفكر الشهير "ماكس فيبر" في تحليلاته لأنماط القيادة وفي تعريفاته لمصطلح "الكاريزما" على أنها موهبة يحظى بها أفراد غير عاديين من القادة والزعماء الذين يُحدث خطابهم العام فعل السحر في جماهير المؤيدين. على أن الكتاب يتابع بالتحليل أفكار وطروحات "فيبر" ويحرص على أن يسوق أمثلة معاصرة في أغلبها عن الزعامات والقيادات التي يمكن أن توصَف حسب المعيار الفيبري بأنها "كاريزمية".

خاصة وأن الفكر الألماني في هذا الخصوص طرح شروطا في هذا المضمار، كان في مقدمتها أهمية الاستقامة الأخلاقية والمناقب السلوكية في شخصية القائد الكاريزمي، فضلا عن أهمية توافر عناصر اقتناعه برسالة يؤديها تجاه شعبه وقضاياه، إضافة إلى أهمية أن ترتبط هذه الرسالة بما يحقق المصالح العليا لمن يتبعونها ويقتنعون بها في الحرية والعدالة والأمن. وفي هذا السياق يورد الكتاب نماذج عديدة عن الزعامات الكاريزمية، بدءاً من لينين وديجول في أوروبا وكينيدي في أميركا ونهرو في آسيا وعبدالناصر في الوطن العربي.

 

الكاريزما بمعنى المواهب الجاذبة - الساحرة إن شئت، وبمعنى القدرات الخلابة التي تجعل الفرد بفضل مواهبه الفطرية ومَلَكاته الطبيعية قطبا أو محورا لكل اهتمام السامعين والمتابعين. والكاريزما بهذه المعاني وبغيرها كادت تصبح في زماننا الراهن جزءا أساسيا من اهتمامنا بل من حياتنا اليومية.

بيد أن المشكلة هي أن أصبح استخدامها، ومن ثم اتساع انتشارها، مطية لسوء الفهم وخطأ الرأي لدرجة أن المبالغة في تسويقها كما نتصور وصل بها إلى سوقية الابتذال. حيث لم يعد الناس يدققون في فهم أبعادها، ولا في تمحيص الأصول التي نبعت منها، ولا في الإحالة إلى المراجع والمصادر العلمية التي أفضت إلى تقصيها وتدارسها وصياغتها.

وكلمة "كاريزما" مشتقة من الأصل اليوناني "كاريز" التي تعني الموهبة أو العطية أو البركة الموهوبة من السماء، وبهذا فالفرد الكاريزمي يعني الإنسان الذي أضفت عليه المقادير نعمة الجاذبية وقدرة التأثير إلى حد الإلهام على الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات. وقد انصرفت الكلمة في تراث الديانة المسيحية خلال عصور خلت إلى معنى التكريس والحماس وعفوية السلوك ودينامية الفكر والحواس، فضلا عن موهبة التعبير التي يكاد يكون لها فعل السحر في نفوس السامعين.

 

طروحات ماكس فيبر

مؤرخو التطورات الفكرية والإنجازات البحثية في العصر الحديث ينسبون مثل هذه الطروحات إلى واحد من مؤسسي علم الاجتماع وعلم السياسة في زماننا! ونتحدث هنا عن العالم المفكر الألماني ماكس فيبر (1864-1920).

جمع فيبر بين الاهتمام بعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وتركت دراساته ونظرياته آثارها العميقة على النظريات الاجتماعية المعاصرة ، وخاصة ذلك البحث الذي يعرف بالاسم التالي: "سوسيولوجيا القيادة أو الزعامة".

انطلق "ماكس فيبر" من موقف معارضة ودحض ما ذهبت إليه نظريات "كارل ماركس" الشيوعية عندما ركزت كل تحليلاتها وطروحاتها على العنصر الاقتصادي وحده بوصفه كما يتصور الماركسيون العامل المؤثر، وربما الأوحد في تشكيل مصائر الشعوب ودفع حركة التاريخ.

على الجانب الآخر من هذه المعادلة أكدت نظريات "فاكس فيبر" على أن حركة التاريخ تتأثر أيضا بعوامل أخرى منها القيم الدينية والمثل غير المادية، فضلا عن مستجدات بارزة أخرى في مقدمتها شخصيات القادة والزعماء الموهوبين أو التاريخيين أو الكاريزميين الذين يقودون مسيرة شعوبهم نحو تشكيل وإعادة تشكيل المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها.

 

التأثير الإيجابي

في هذا السياق بالذات، يحرص مؤلف كتابنا، البروفيسور "آرثر شفايتزر" على أن يسجل ملاحظة بالغة الأهمية يسوقها على النحو التالي: صحيح أن "ماكس فيبر" أكد على الموهبة غير الاعتيادية لهذا القائد أو ذلك الزعيم، لكن الأهم أنه حرص على أن يميز بموضوعية تدعو للإعجاب بين شرعية هذا القائد وعدم شرعية ذلك الزعيم، وبمعنى أن هناك قائدا كاريزميا رائع الجاذبية ويحظى بالشرعية، فإذا به يقود شعبه نحو البناء والتنمية والتطور والسلام العادل والرخاء المستفيض. وهناك قائد كاريزمي آخر، ولكنه أقرب إلى زعيم عصابة، فهو موهوب في التأثير على أتباعه ولكنه يفتقر إلى شرعية البناء والتنمية والعدل والسلام، ويكفيه أن يؤثر في الجموع المسلوبة الإرادة، فإذا به يقودها إلى الهدم والتدمير، أو إلى إشعال الصراعات وانتهاك الحرمات وإسقاط القيم التي تنظم حياة الناس.

في السياق نفسه يضيف المؤلف قائلا: لا عجب أن لقيت نظرية الكاريزما التي نادى بها "ماكس فيبر" اهتماما واسعا وعميقا في ميدان العلوم الاجتماعية، ومن ثم فقد جاء تطبيقها على هتلر والحزب النازي بقدر ما جاء تطبيقها على لينين والحزب البلشفي الشيوعي.

 

الإيمان بالرسالة

على كل حال فإن المفكر "فيبر" يمضي ليضيف واحدا من الأبعاد الجوهرية في شخصية الزعيم القائد الكاريزمي وهذا البعد تجسده العبارة التالية الإيمان بالرسالة والثقة الوطيدة في النفس.

وفي هذا السياق أيضا يعلق مؤلف كتابنا قائلا: إن تطور هذه الثقة في النفس الداخلية عملية تجمع بين المشقة والخطورة في آن معا، فالقائد الكاريزمي عليه أن يوّطد نفسه على أداء المهمة التي كلفته بها الأقدار، وعليه أن ينغمس في غمار أحداث وسلوكيات وأفعال توضح في مجموعها قوة الإرادة المتنامية وتجّسد عنصر الشجاعة، فيما تعبر عن امتلاكه قدرات استثنائية. في الوقت نفسه كما يشير الكتاب من واجب الزعيم أو القائد الكاريزمي أن يمتنع عن التعاطي مع بعض المسرات الدنيوية (بمعنى الشواغل أو المباهج العادية، المكررة أو المبتذلة) التي تُقبل عليها الكثرة من الناس، وهو ما يعبر أساسا عن التزامه الفريد والعميق إزاء المهمة التي عاهد نفسه على النهوض بأعبائها.

بعد هذه الخلفية التنظيرية التي جهد المؤلف في شرحها خلال الفصول الأولى من الكتاب، يواصل مع فصول الأبواب التالية الحديث عن أنماط الزعماء الكاريزميين في عصرنا، حيث يصنفهم إلى زعيم ديكتاتور مثل "هتلر" في ألمانيا النازية أو "لينين" و"ستالين" في روسيا الشيوعية، و"موسوليني" في إيطاليا الفاشستية، ثم إلى زعيم ديمقراطي له مشروعية اختياره من جانب الملايين من جماهير شعبه على نحو ما كان يمثله الزعيم الهندي "جواهر لال نهرو"، ومن قبله الروح العظيم "المهاتما غاندي"، الذي كان يمارس تأثيره الكاريزمي لا من خلال خطابة ساحرة ولا مؤثرات سمعية أو بصرية، ولا في صورة مفعمة بالدراما، ولكن من خلال بساطة القدوة ونموذج الكفاح في ظل الاستغناء والإصرار عند الإنسان.

هذا البحث يقود المؤلف إلى الحديث عن تطور بالغ الأهمية أو هو في تصورنا شرط جوهري لا تكتمل الشخصية الكاريزمية إلا بفضل توافره وهذا الشرط هو: أن يجسد الزعيم القائد الكاريزمي أماني شعبه وطموحات ناسه وأحلام نطاق عريض من الجماهير البسيطة من محبيه ومعجبيه ومؤيديه.

 

الزعيم وإرادة الشعوب

هكذا كان "تشرشل" خلال الحرب العالمية الثانية، إذ كان يمثل إرادة انجلترا في هزيمة ألمانيا النازية.

وهكذا كان "ديغول" الذي بدأ من بساطة كونه واحدا من قادة المقاومة الوطنية الفرنسية ضد الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب المذكورة، ثم ما لبث أن تحّول مع تحرير بلاده إلى كاريزمية الزعيم التاريخي، المؤمن بعظمة فرنسا وإرادة شعبها وهذا ما دفعه مع أواخر الخمسينات لإبرام اتفاق الجلاء والاستقلال مع المجاهدين الجزائريين، بعد احتلال استعماري فرنسي لذلك البلد العربي المناضل دام 162 عاما.

على أن الأمر لم يقتصر في رأي هذا الكتاب على الرجال، فقد سلك المؤلف في خضم الزعامات الكاريزمية زعيمة الهند وابنة "نهرو" السيدة "أنديرا غاندي".

 

نماذج الكاريزمية

وفيما كان كثير من هذه النوعية من القادة قد صعد إلى مراقي الزعامة بفضل تنظيم سياسي وحزبي مزود بالطبع بآلة دعائية بالغة الكفاءة وعميقة التأثير، على نحو ما كان عليه الحال في الحزب النازي الألماني أو الحزب الشيوعي الروسي، فقد عرض المؤلف كذلك إلى زعماء كان لهم نشأة عسكرية ولم يسبق أن سمع بأسمائهم أحد، إذ كانوا ضباطا محترفين في جيوش بلادهم وبالتالي كانوا ممنوعين بحكم المهنة من الانخراط في سلك أي تنظيم سياسي أو حزبي أو أي جماعة مدنية.

هنا يورد كتابنا نموذجين من هؤلاء الضباط في معرض الحديث عن كاريزما الزعامة والقيادة: نموذج من تركيا اسمه "كمال أتاتورك"، ونموذج من مصر اسمه "جمال عبدالناصر".

يقول المؤلف: لم يصبح "أتاتورك" هو مؤسس الجمهورية التركية إلا بعد انتصاره في الحرب ضد اليونان عقب الحرب العالمية الأولى، أما جمال عبد الناصر فلم يكن سوى واحد من تشكيل الضباط الأحرار في مصر، الذين شكلوا بعد 23 يوليه 1952 مجلس قيادة الثورة، وما لبث أن أصبح الناطق باسم المجلس المذكور (بمعنى القوة المحركة لنشاطه) وبعدها مضى إلى تشكيل حكومة برئاسته. ومن هذه التركيبة التي مزجت بين العنصر العسكري والعنصر المدني كشف عبد الناصر عن خصاله غير الاعتيادية وظل حاكما كاريزميا مطلقا حتى وفاته في عام 1970.

المهم أن هذه الأحاديث التي عرض فيها المؤلف إلى زعماء من الشرق في قامة "ناصر" ومن طراز"أتاتورك" هي التي قادته إلى توسيع نطاق اهتماماته التحليلية كي يتحول إلى سيرة زعماء كاريزميين آخرين من حركة عدم الانحياز ومن العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، هنا أسهب المؤلف الحديث عبر الفصول اللاحقة من هذا الكتاب عن زعماء من قبيل "جوزيب بروز تيتو" في يوغوسلافيا البلقانية و"موشي منه" و"ماوتسي تونغ" في جنوب شرقي آسيا، و"كاسترو" في كوبا، و"بيرون" في الأرجنتين، و"سيكوتوري" في أفريقيا.

 

بين الفشل والطموح

نلاحظ أيضا في تحليلنا للكتاب أن المؤلف في غمار احاطته بالموضوع لم ينس أن يعرض لوجهين آخرين من عُملة الكاريزما كما يمكن أن نسميها: الوجه الأول هو: فشل الكاريزما. والوجه الثاني هو: طموح الكاريزما.

من أمثلة الكاريزما الفاشلة ما حدث للزعيم النازي الإنجليزي "سير أوزوالد موزلي" الذي كان خطيبا مفوها وقادرا على تحريك الجموع. لكن الجماهير كما يوضح كتابنا لم تقتنع بأنه يصدر عن رسالة نبيلة يؤمن بها ومن ثم فقد خذلته جموع الناخبين.

وفي أميركا حاول السناتور "أيوجين ماكارثي" منذ عام 1950 أن يلعب دور القائد الكاريزمي، صدقته جماهير الناخبين في البداية فقد كان بدوره خطيبا بارعا وقادرا على تحريك عواطف المستمعين، لكنه ما لبث أن باء بالخسران عندما أدرك أفراد الشعب الأميركي - يستوي في ذلك نخبة المثقفين والساسة وكذلك قواعد الجماهير الشعبية - أن الرجل عندما رفع شعار تطهير أميركا من العناصر "الحمراء" .

على نحو ما كان يصف الماركسيين، فقد كان يصدر في حقيقة الأمر عن منطق البغض ويحض على الكراهية ويعتمد أسلوبا من الابتزاز السياسي والتشهير بسمعة الناس. كان أقرب إلى الإرهاب الفكري بل والاغتيال المعنوي لدرجة أن وصفت الحوليات التاريخية الأميركية حملة "ماكارثي" التي حملت لافتة "محاربة الأنشطة اللاأميركية" بأنها كانت أقرب إلى "مطاردة الساحرات الشريرات" وكم كان تأثيرها الرهيب على سمعة فنانين ومثقفين لدرجة دفعت بعضا منهم إلى، الانتحار!

أما الطامحون المتطلعون إلى الكاريزما فيسوق المؤلف نموذجا لهم عندما يتحدث عن الرئيس الأميركي "ريجان" الذي كان يتمتع بملامح "فوتوجنيك" كما يصفها الكتاب، بمعنى الوجه المعبر أمام عدسات التصوير. ولكن "ريجان" مضى في تاريخ أميركا بوصفه الرئيس المحبوب فقط لا غير، وليس الزعيم الكاريزمي على نحو ما كان يتسم بذلك "جون كينيدي" في عقد الستينات، أو "بيل كلينتون" في عقد التسعينات.

 

مواهب نيكسون

بنفس المقياس كانت قدرات ومواهب رئيسهم الأسبق "ريتشارد نيكسون" كفيلة بأن تؤهله بل وقد ترفعه إلى مصافي الزعامة الكاريزمية، لكن فضيحة "ووتر جيت" التي اكتشف فيها الشعب الأميركي أن رئيسه كان يخدعه أو يكذب عليه، جاءت ضربة قاصمة بقدر ما كانت عاملا يؤكد بعمق أهمية عنصر الاستقامة والمناقب الأخلاقية التي لابد وأن يتصف بها القائد الكاريزمي، خاصة في زماننا الراهن الذي لم تعد فيه أسرار محجوبة، بل أصبح كل سلوك وكل قرار وكل تصرف بل وكل عبارة أمورا يمكن أن تكون مشاعا تكشفه وتتداوله وتعلق عليه وسائل الإعلام المسموع والمطبوع فضلا عن الإعلام المرئي والالكتروني على حد سواء.

على كل حال فالكاريزما لا تعمل في فراغ، ولا مكان فيها للهواة، هكذا يؤكد كتابنا مع طروحاته الأخيرة في معالجة الموضوع، والمعنى أن القائد الكاريزمي في زماننا الراهن بالذات لا يخلب لبّ الجماهير ولا ينال إعجابها أو تأييدها لمجرد الإعجاب أو التأييد.

إن القائد الكاريزمي، على نحو ما يؤكد المؤلف، نقلا عن نظريات "ماكس فيبر" لابد وأن يرتبط بما يحقق مصالح هذه الجماهير، وبمعنى أن ترى فيه هذه الجماهير مثلا أعلى للقيم الأخلاقية التي تحترمها والأعراف الثقافية التي تصدر عنها، وأخيرا، وهذا هو الأهم، أن ترى الجماهير في نضالاته وأفكاره وحواراته وابتكاراته ومن ثم تعبيراته وشعاراته سبيلا إلى تحقيق ما ترنو إليه جموع الناس من تحقيق الحرية وإقرار العدالة وتجديد الأمل في المستقبل على اختلاف الأقطار والتوجهات والمشارب والأعمار.

المؤلف: آرثر شفايتزر

الناشر: دار نيلسون هول - شيكاغو

عدد الصفحات: 415 صفحة

عرض ومناقشة: محمد الخولي