انطلقت في باريس منذ مطلع سنوات 1990 مطبوعات عدة ذات انتشار محدود ركّزت اهتمامها على العالم العربي عامّة وعلى تونس بشكل خاص. ولم تكن قليلة فيها عناوين مقالات من نوع «استقرار وأمن وازدهار: تحقيق حول بلاد تتقدّم». البلاد المقصودة كانت تونس والمناسبة زيارة الرئيس التونسي السابق ابن علي لفرنسا عام 1997.

ويتحدث المؤلفان في هذا السياق عمّا يسميانه «مجموعة الضغط ـ اللوبي ـ التونسية في فرنسا». ما يتم تأكيده هو أن مختلف المطبوعات المعنية كانت تدار، تحت لافتة الدفاع عن قضايا العالم الثالث، من قبل أفراد قريبين تحديداً من أوساط اليمين المتطرّف الفرنسي.

كذلك اعتمد نظام بن علي على شبكة من العلاقات المناصرة لتونس أقامها مع الساسة الفرنسيين من معسكر اليمين خاصّة ومع بعض مسؤولي معسكر اليسار أحياناً. بكل الحالات كان هدف بن علي هو أن تتم «معاملة تونس في فرنسا مثل الولايات المتحدة.(...). وكان من الصعب إفهامه أن تونس بلد صغير»، كما ينقل المؤلفان عن رجل أعمال فرنسي ـ تونسي كان يعمل في خدمة قصر قرطاج.

وعلى رأس الأصدقاء السياسيين لتونس في فرنسا الرئيس السابق جاك شيراك ورئيس الحزب الديغولي الراحل فيليب سيغان. كان تقاربهما مع تونس على خلفية تبنّي سياسة إقليمية تشجّع على الاستقرار وتدعو إلى مكافحة التيارات المتزمتة. كذلك كان هناك الإعجاب بنظام قوي عرف كيف ينهي جميع المعارضات، ما أعاد للمعنيين صورة الأسطورة الديغولية الجامعة.

كان شيراك هو صاحب المقولة الشهيرة عن «المعجزة التونسية». لكن الصديق الأكثر إخلاصاً لتونس في السرّاء والضرّاء كان فيليب سيغان الذي لم يكن يتردد في المقارنة بين الرئيس بن علي والجنرال شارل ديغول. ويتساءل المؤلفان: هل يعود لك لطفولته في تونس؟ أو هل لكون أن تونس هي أحد البلدان النادرة التي عاملته كرجل دولة؟ بكل الحالات ما أكّده فيليب سيغان صراحة ومراراً وتكراراً هو أن ابن علي «رجل سياسة حديث ومدافع حتى النهاية عن مفاهيم الإنسانية والحريّة».

وعندما انفجرت أزمة حرب الخليج عام 1991، إثر اجتياح القوات العراقية للكويت، أخذ ابن علي جانب صدام حسين لأسباب داخلية. فلم يتردد فيليب سيغان في الذهاب إلى تونس ليعيد الحرارة للحوار الفرنسي ـ التونسي. وعندما حكم القضاء الفرنسي على المنصف ابن علي، شقيق الرئيس التونسي، بعشر سنوات سجن في قضية تجارة بالمخدرات، خفّ سيغان من جديد إلى تونس لإزالة «سوء الفهم المتبادل».

التونسيون لم يقابلوا حماسة فيليب سيغان لنظامهم بالعقوق. لقد قلّدوه عدداً من الأوسمة العليا وقدّموا له في شهر أبريل 1997 شقّة في تونس تقع في الطابق الأول من عمارة في شارع «لوندرة». وهي الشقة التي كان يسكنها عندما كان طفلاً. يحدد المؤلفان القول بهذا الخصوص أن سيغان عندما قدّمت له السلطات التونسية الشقّة وجّه رسالة لأحدهما ـ أي أحد المؤلفين ـ أكّد فيها قوله: «لا أريد استخدام الشقة بأية صورة. ومع حرصي على أنني تأثرت كثيراً بذلك وكي أقطع كل تفسير مخلّ (...) طلبت من السلطات التونسية أن تعهد بها بشكل نهائي لجمعية تونس ـ فرنسا التي تعمل على توطيد العلاقات بين بلدينا».

على جانب معسكر اليسار الفرنسي يحدد المؤلفان الشخصية السياسية الأكثر تأييداً لنظام بن علي ببرتران دولانوي، رئيس بلدية باريس، المولود هو الآخر في تونس. ويتم اعتباره أنه كان من بين الذين يحتلون الصفوف الأولى في الشبكات المؤيدة لتونس في فرنسا.

لكن بالمقابل يتم التأكيد أن علاقات الحزب الاشتراكي الفرنسي مع تونس أصابها البرود منذ مطلع عقد التسعينات، حيث أظهرت مذكرة داخلية القلق حيال «الوسط المتدنّي المحيط بالرئيس التونسي». ومع تأكيد تلك المذكرة أن الدولة الفرنسية لا بديل لديها عن سياسة التقارب مع النظام، فقد أشارت على الحزب الاشتراكي أن يقلّص لقاءاته وتعامله مع حزب التجمّع الدستوري الحاكم في تونس إلى أقصى درجة ممكنة.

لكن ذلك لم يمنع أولئك الذين يدعوهم المؤلفان بـ«اليسار المرفّه ـ يسار الكافيار» ويقدمان العديد من الأمثلة عن التواجد كثيراً في تونس وإظهار الدعم الكبير والمتحمّس لنظام ابن علي والحديث عن «شجاعة الرئيس» و«ذكاء النهج السياسي» الذي اتّبعه.

 

شبكات الأصدقاء

تتم الإشارة إلى أنه كان من المألوف أن يتواجد عدد من الشخصيات ورجال الأعمال القادمين من فرنسا لتمضية عطلة نهاية الأسبوع في فنادق تونس الفخمة وعلى شواطئها الرملية الجميلة. ومن بين الذين يذكرهم المؤلفان رغيد الشمّاع اللبناني ـ الفرنسي الذي كان يأتي غالباً برفقة زوجته صديقة ليلى الطرابلسي، قرينة الرئيس بن علي.

أراد المسؤولون التونسيون أن يحوّلوا صداقاتهم وعلاقاتهم مع مختلف الشخصيات إلى شبكات فاعلة، لكنهم فشلوا في ذلك، كما يؤكد المؤلفان. ويضيفان أن الاستثناء الوحيد عن تلك القاعدة كان نجاحهم في جذب اليهود ممن كانوا في تونس. وينقلان عن مسؤول تونسي سابق في باريس قوله عام 1994: «ينبغي تعويض الزمن الضائع. اليهود أكثر قرباً منّا من الفلسطينيين الذين وفّرنا لهم المأوى طيلة سنوات، والذين بما يملكونه من دولارات لا يكنّون أي احترام لبلادنا».

وكانت السلطات التونسية قد نظّمت في صيف 1992 حفل استقبال للمصطافين اليهود من أصل تونسي. وأُعيد بنفس الوقت فتح الكنيس اليهودي الواقع في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس. وحضّرت جمعية اليهود ذوي الأصول التونسية قدوم الحاخام الأكبر في فرنسا آنذاك جوزيف سيتورك إلى تونس. لقد حرص الرئيس التونسي بن علي في لقائه الحار مع سيتورك على أن يمسك بيد الحاخام في جولته لزيارة قصر قرطاج. وقال بن علي: «يهود هذه البلاد هم تونسيون بالكامل ولهم نفس حقوق الآخرين وعليهم نفس واجباتهم».

ولم يبخل الحاخام بكيل سيلٍ من المديح للرئيس ابن علي ووصفه بـ«الشجاع والمعتدل والمتنوّر». وأشاد بـ«التغيير السعيد الذي عرفته تونس عام 1987 الذي شجّع روح التسامح». وجرى في ذلك السياق تعيين طبيب يهودي من أصل تونسي يعمل في ضاحية «مونتري» الباريسية كأمين صندوق حساب مصرفي تابع للحكومة التونسية في باريس. كذلك جرى انتخاب يهودي تونسي لنائب رئيس أرباب العمل في تونس. وكان الرئيس التونسي بن علي قد خصص مبلغاً من حسابه الخاص من أجل ترميم كنيس يهودي في قلب العاصمة تونس.

وفي شهر مايو من عام 1999 حضر 5000 يهودي من فرنسا وإسرائيل إلى تونس، وقد خاطبهم وزير السياحة قائلاً: «أنا فخور، فخور جداً أن أراكم في تونس التي هي بلدكم وسوف تستقبلكم دائماً بقلب مفتوح وأذرعة مفتوحة».

وأضاف مع تصفيق الحاخام الأكبر في تونس والمغنّي انريكو ماسياش ورئيس مكتب رعاية المصالح الإسرائيلية في تونس قائلاً: «الطائفة اليهودية هي أحد مكوّنات الهوية الوطنية لتونس، أرض الاستقبال والتسامح والسلام».

لكن النجاح الذي حققه نظام ابن علي في توثيق العلاقات مع اليهود لم يكن كافياً لبناء سياسة تواصل إعلامي مع الخارج. ولم تستطع الوكالة التونسية للإعلام الخارجي أن تفي بالغرض، فقام النظام بإغلاق مكاتبها في الخارج عام 1997. وبدأ الاعتماد على مجموعة من الأخصائيين الإعلاميين الفرنسيين المعروفين. ويشير المؤلفان إلى سلسلة طويلة من المقالات المطالبة بالتعاطف مع «الصديق ابن علي». لكن بالمقابل ارتفعت كذلك أصوات عدة تندد بمساس نظامه بحقوق الإنسان الأساسية.

ما يؤكّده المؤلفان أيضاً هو أن تعاوناً وثيقاً قام بين الأجهزة السريّة التونسية والأجهزة الفرنسية. الزيارات المتبادلة كانت كثيرة. ويروي المؤلفان أنه في لقاء عمل بفندق «إفريقيا ـ افريكا» بتونس عام 1992 قال أحد المسؤولين الأمنيين التونسيين كما نقل عنه أحد الحضور ما مفاده: «قولوا للمعارضين التونسيين اللاجئين عندكم إننا على استعداد لإعادة جوازات سفرهم لهم. وعندما سيأتون إلى تونس سنعرف كيف نهتم بهم».

 

دبلوماسية المجاملة

قام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بزيارة رسمية لتونس عام 1995 بعد انتخابه رئيساً للجمهورية بعدّة اشهر فقط. كان الاستقبال حارّاً وحافلاً، وكان شيراك في غاية السعادة، كما عبّر هو نفسه عن ذلك. وكال المديح لابن علي، حيث وصفه بـ«رجل الدولة الذي يجسّد تونس الجديدة». والرئيس الذي وضع بلاده «على طريق التحديث والديمقراطية والسلام الاجتماعي». وفي خضمّ موجة المديح أعلن شيراك عن مضاعفة المساعدة المالية الفرنسية لتونس.

لم يكن التعاطف الفرنسي مع تونس قد بدأ مع جاك شيراك الذي لم يفعل سوى أن عمّق النهج الذي بدأه سابقه فرانسوا ميتران. لكن عندما قام ابن علي بـ«انقلابه الطبي»، عبر توقيع سبعة أطباء على تقرير يفيد بأن بورقيبة لم يعد قادراً على ممارسة مهام منصبه الرئاسي، لم تكن باريس تملك موقفاً واضحاً عمّا إذا كان ينبغي تأييد التغيير أو إدانته.

فرنسا هي المستثمر الأجنبي الأول في تونس. وهناك عدّة مئات من الآلاف من التونسيين يعيشون في فرنسا ويسهمون ببناء الاقتصاد الفرنسي. والجميع يعرفون أنّه كانت هناك روابط تاريخية وعاطفية كثيرة تربط بورقيبة «المجاهد الأكبر» بفرنسا، ما دفع باريس للتردد في قبول تنحيته بالطريقة التي جرت فيها. بل إن البعض مالوا نحو إدانة التغيير في تونس على يد رجل مجهول هو ابن علي «رجل أميركا»، حسب رأي عدد من الدبلوماسيين الفرنسيين.

لكن الحالة الذهنية المتردية لبورقيبة، كما كان يعرف الجميع أيضاً، وقيام ابن علي بانقلابه دون إراقة الدماء، والإجماع الذي كان يحظى به رجل تونس القوي الجديد من أغلبية التونسيين، ومن قبل الخارج عامّة وخاصّة الأميركيين، وتصريحاته الأولى الباعثة للطمأنينة والأطروحات الديمقراطية التي أعلنها؛ أمور كانت تذهب كلّها في الاتجاه المعاكس للتردد الأوّلي الذي أبداه الدبلوماسيون الفرنسيون بوضوح. ثمّ إن السفارة الفرنسية في تونس والأجهزة السريّة الفرنسية كانت من أنصار تأييد التغيير الذي جرى في تونس.

إن وزارة الخارجية الفرنسية أظهرت ببيانها الخاص بالتغيير الذي شهدته تونس، أنها «أخذت علماً» بالتغيير الذي حصل في تونس بتاريخ 7 نوفمبر 1987 دون أن تتخذ موقفاً صريحاً في الواقع، حسب التحليلات المقدّمة.

لقد ضايق موقف وزارة الخارجية الفرنسية المتردد بوضوح قصر قرطاج. وبقي ذلك الاستياء قائماً رغم الحديث الهاتفي «الحارّ» الذي أعقب البيان مباشرة، بين الرئيس فرانسوا ميتران والرئيس ابن علي وبين رئيس الوزراء آنذاك جاك شيراك ونظيره التونسي هادي البكّوش. لكن الغيمة التي سادت العلاقات بين باريس وتونس انقشعت سريعاً، خاصّة بعد زيارة الرئيس فرانسوا ميتران لتونس في منتصف عام 1989. ثمّ كان «موسم تونس» في باريس عام 1995.

لكن ما يؤكّده المؤلفان هو أن ابن علي لم يمتلك أبداً سوى معارف سطحية عن فرنسا وعن الطبقة السياسية الفرنسية والمجتمع الفرنسي. المكان الوحيد الذي يعرفه بشكل ممتاز هو الكلية العسكرية «سان سير». ويؤكدان أيضاً أن تونس لم تكن في عهده بلد «الياسمين»، الذي يفتح ذراعيه لاستقبال السائحين. ولكنها كانت أيضاً، وخاصّة، البلاد التي تقمع عشرات الآلاف من مواطنيها.

ملخّص الحلقة الثانية

 

حاول نظام بن علي منذ البداية أن يشكّل مجموعات ضغط تدعمه وتحسّن صورته في الخارج، وخاصّة في فرنسا، القوّة الاستعمارية السابقة التي تربطها علاقات تاريخية مع تونس منذ الاستقلال. هكذا تأسست في فرنسا سلسلة من المطبوعات «ذات الانتشار المحدود» وذات الولاء الصريح لتونس. وقامت شبكة من العلاقات مع عدد من الشخصيات السياسية الفرنسية، اليمينية بشكل خاص، على رأسها جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسي السابق.

لكن يبقى فيليب سيغان، الأكثر صداقة لتونس بين رجال السياسة الفرنسيين ولنظام ابن علي، وهو أحد أشهر الشخصيات الديغولية في فرنسا والمولود في تونس. وقد بقي مخلصاً لها حتى وفاته قبل سنوات قليلة. وأقام نظام ابن علي بعض الصداقات مع معسكر اليسار الفرنسي من أبرزها وأكثرها تأييدا برتران دولانوي، رئيس بلدية باريس. هؤلاء جميعاً وغيرهم كُثر شكّلوا ما يسميه مؤلفا هذا الكتاب بـ«شبكات الأصدقاء».

إحدى الصداقات الكبيرة التي أقامها نظام ابن علي، كانت مع اليهود ذوي الأصول التونسية، حيث أُعيد افتتاح أكثر من كنيس في مدينة تونس وغيرها، وزار البلاد عدد من كبار الحاخامات اليهود. صديقنا بن علي

الكتاب: صديقنا بن علي

الحلقة (2): «المعجزة التونسية»

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2011

تأليف: نيكولا بوو، جان بيير توكوا