عرفت سنوات زين الدين بن علي منذ بداياتها حالة من القمع الأمني. الأمر الذي كان يتناقض تماماً مع الخطاب الرسمي السائد وتأكيده الحازم على احترام حقوق الإنسان. على اعتبار أن ذلك كان أولوية للسياسة الحكومية، كما أكّد الرئيس السابق ابن علي نفسه.
وكانت الصحافة والصحافيون على رأس ضحايا القمع لمجرّد نشر مقال يمس، ولو من بعيد، ما يوحي بغير تمجيد النظام والرئيس. الأمثلة المقدّمة عن التضييق على عمل الصحافيين كثيرة.
هذا إلى درجة أن شعار «حريّة الإعلام» غداً خاوياً من أي معنى فعلي. ولم يبق في تونس أي صحيفة حقيقية تنطق باسم حزب معارض. ولم يقتصر القمع على المحليّة، لكنه طال نشاط رجال الإعلام الأجانب العاملين في البلاد.وإذا كانت تونس قد عرفت نهوضاً اقتصادياً في عهد ابن علي، فإن الأمر تعود جذوره للسياسة التنموية التي تبنّتها حكومة بورقيبة في القطاعات الأساسية. لكن مع النهوض استشرى الفساد وبرع فيه خاصّة المحيطون بالرئيس وأفراد أسرة زوجته الثانية ليلى الطرابلسي.
أبدى الرئيس التونسي السابق اهتماماً كبيراً بالمعلوماتية. وكان يحرص على أن يستعرض أمام زائريه معرفته بأجهزة الكمبيوتر والفرق بين ماركاتها. وما يؤكّده المؤلفان هو أن أعضاء الحكومة كانوا يعرفون واقع ملاحقته لتحركاتهم على شاشة حاسوبه.
ويذكران أيضاً قصّة الطالب اللامع مروان بن زينب، الذي حصل على منحة دراسية في إحدى أكبر الجامعات الأميركية. لكنه توفي عن عمر يناهز 26 سنة بـ«حادثة سير»، بعد توصّله لـ«الدخول» إلى المنظومة المعلوماتية الخاصّة بالقصر الرئاسي. وينقل المؤلفان أن الشاب مروان أُصيب بالهلع، كما أسرّ لأحد أصدقائه، عندما وجد قائمة بأسماء عملاء الموساد المعتمدين في تونس للرقابة على القادة الفلسطينيين، ونقل هذا المعلومات لابن علي، فكافأه بتعيينه وزيراً في حكومته.
وما يؤكّده المؤلفان هو أنه عشيّة وفاة مروان، تواجدت الشرطة في حيّه وانخرطت مع العائلة لحراسة الجثّة. في اليوم التالي كان رجال الشرطة متواجدين أيضاً. ولم يحدث مثل ذلك بمناسبة موت طالب بسيط. لكن هل كان مروان مجرّد مواطن عادي؟ كما يتساءل المؤلفان.
كان ذلك عام 1989، أي بعد عامين من تولّي ابن علي السلطة، وفي عام 1990 هزّت قضيّة غامضة أخرى الأوساط السياسية التونسية. ذلك عندما جرى اعتقال موظف سام في وزارة الخارجية هو دالي لعماري، وحُكم عليه بالموت، ثمّ جرى تخفيف الحكم للسجن مدى الحياة.
التهمة الرسمية كانت تلقيه لأموال من مسؤول في الأجهزة السريّة الأميركية. لكن هناك عدّة شهادات قدّمت تفسيراً آخر مفاده أنه عشية تعيين المعني سفيراً لتونس في اليونان جرى استبداله بأحد ضباط الجيش. فما كان منه سوى أن وجّه رسالة للرئيس ابن علي يشتكي فيها من عسكرة الدبلوماسية التونسية. فكانت العقوبة التي نالها بسبب جسارته، كما يشير مقرّبون منه. ما يؤكّده المؤلفان هو أن تونس عرفت منذ بدايات حكم ابن علي حالة من القمع الأمني وتعميم عمليات التعذيب. وخرجت شهادات عدة ورسائل سريّة تشير كلها إلى ممارسة مختلف أشكال العنف على المعتقلين السياسيين في السجون ومراكز الشرطة.
ويصل المؤلفان إلى القول إن تونس لم تكن حالة فريدة في ما يخص خرق حقوق الإنسان. ولكنها كانت تمثّل أحد البلدان التي تعرف تبايناً، بل تناقضاً كبيراً بين الخطاب الرسمي والواقع، وبين النظرية والممارسة.
كان تصديق الدعاية الرسمية على أنها تعكس الواقع يجعل من تونس «فردوساً» حقيقياً في ميدان احترام حقوق الإنسان. كان احترامها مفروضاً «نظرياً» من قبل قمّة الدولة. وكان ابن علي يردد: «لقد وضعنا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في مقدّمة مبادئنا وأهدافنا». وقوله: «احترام حقوق الإنسان هو خيارنا وسياستنا». ولم تكن الصحافة المحليّة تبخل في الترويج لمثل تلك المقولات.
كذلك لم يكن نظام ابن علي يقبل أي نقد توجهه الصحافة الخارجية. وعندما نشرت المجلّة الشهرية الفرنسية «لوموند ديبلوماتيك» في شهر أبريل ـ نيسان مقتطفات من تقرير لمنظمة العفو الدولية يدين ممارسات النظام التونسي ردّت السفارة التونسية في باريس غاضبة أنه ليس في تونس سجناء رأي وجميع السجناء هم ممن ارتكبوا جرائم أو شاركوا في ارتكابها.
بل ووجهت السفارة اتهام الصحافة الغربية بمحاولة «تشويه صورة الديمقراطية الفتيّة». لكن ذلك لا يمنع واقع أن الآلاف في تونس عانوا من قمع السلطات الأمنية، كما يؤكّد المؤلفان.
دور الإعلام
قامت أجهزة الشرطة في ظل حكم ابن علي بالتضييق على عمل الصحافيين. هكذا أمضى أحد صحافيي مجلة «الأنوار» الأسبوعية الخاصّة وقتاً في السجن، بسبب نشره لتحقيق صحافي عن «ماسح أحذية» مثل المئات من أمثاله في مدينة تونس. وتعرّض أحد الصحافيين في جريدة «الشروق» للمساءلة لنشره تحقيقاً عن التسوّل.
أمّا مدير مجلة «الشعب»، الناطقة باسم نقابة العمال التونسيين «النقابة التونسية للشغل»، ورئيس تحريرها فقد جرى استدعاؤهما إلى وزارة الداخلية للتحقيق معهما بسبب مقال تحت عنوان : «إندونيسيا: الشعب ينتفض ضد غلاء المعيشة». إن إندونيسيا على بعد آلاف الكيلومترات عن تونس، لكن قصر قرطاج كان يخشى من العدوى، كما يقول المؤلفان.
بتعبير آخر غدت مقولة حريّة الإعلام في تونس مجرّد كلمات خاوية من معناها. ويقدّم المؤلفان في هذا السياق أمثلة عدّة مأخوذة من الصحافة العالمية الأميركية وغيرها، قامت بتصنيف ابن علي في خانة رؤساء الدول «أعداء الصحافة»، إلى جانب سلوبودان ميلوزوفيتش الصربي، وفيدل كاسترو الكوبي، وغيرهما. بل وتقدّمت مرتبته بين الأكثر قمعاً سنة بعد أخرى.
وما يؤكّده المؤلفان، هو أن الرقابة على الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية لم تكن بيد الحكومة؛ ولكن بيد قصر قرطاج مباشرة. وكان الشخص المسؤول عن تنسق الدعاية الإعلامية للرئيس ابن علي، هو عبد الوهاب عبدالله، الذي كان يسيطر تماماً على كل ما يكتب وما يقال في الصحافة التونسية. ولم يكن بالإمكان نشر أي افتتاحية لا تروق له، ولم تكن أية صحيفة أجنبية تأمل أن تجد مدخلاً إلى تونس إلا بموافقته على ذلك. تجدر الإشارة إلى أن عبد الوهاب عبد الله كان قد دبلج سلسلة طويلة من المقالات للرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، قبل الانتقال إلى مديح زين العابدين بن علي.
وأدّت السياسة المتّبعة حيال وسائل الإعلام في عهد ابن علي إلى أنه لم يبق في تونس عام 1999 سوى أربع مجلات تعنى بالمعلومات السياسية والنقابية. ولم يبق لدى أي حزب سياسي معارض وسيلة إعلام حقيقية تنطق باسمه. باختصار جرى إسكات جميع الأصوات وأُغلقت جميع وسائل الإعلام التي لم تكن تنضوي تماماً في إطار جوقة مديح الرئيس.
وبعد وضع اليد تماماً على الصحافة المحليّة أظهر قصر قرطاج إرادته الواضحة في فعل الأمر نفسه بالنسبة للصحافة الخارجية المتواجدة في تونس، ومن أجل الوصول لتلك الغاية كانت كل الوسائل متاحة ومباحة.
ويذكر المؤلفان أمثلة عدة على ممارسات رجال السلطة حيال رجال الإعلام الأجانب. وليس أقلّها تدبير «فضائح» أخلاقية «مفبركة»، وإلصاق مختلف التهم بترويج معلومات تسيء للبلاد، وعدم السماح بأي نقد أو حتى ذكر اسم معارضين للنظام.
المثال الأكثر بلاغة بنظر المؤلفين عن الرقابة الإعلامية في عهد ابن علي يجدانه في رفض السلطات التونسية السماح لشركة «ميكروسوفت» الأميركية بيع موسوعتها الالكترونية الشهيرة «انكارتا» في تونس.
واكتشفت الشركة أن السبب الحقيقي للمنع هو أن النص الخاص بتونس، المقتبس عن مقال نشرته سابقاً صحيفة «لوموند» الفرنسية، يحتوي على ثلاثة أسطر اعتبرها رقباء قصر قرطاج «مفرطة» في نقدها. وهكذا جرى منع بيع الموسوعة التي سمح بتسويقها في جميع أنحاء العالم باستثناء كوريا الشمالية وتونس.
المعجزة الاقتصادية !
عرفت تونس منذ نهاية عقد التسعينات، سيلًا من المديح الغربي، ومن مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. الكل اجتمعوا على الإشادة دون تحفّظ بـ«النموذج التونسي». ولم تتردد صحيفة فرنسية كبيرة عن اختيار عنوان لها يصف تونس بـ«تنين بلدان المغرب القادم»، وذلك على غرار «التنينات الآسيوية الشهيرة».
ما لا ينكره المؤلفان هو أن تونس حققت في عهد ابن علي تقدّماً كبيراً، قياساً ببلدان المغرب الأخرى. وينقلان عن مثقف تونسي قوله: «هذه البلاد محكومة بشكل سيئ، ولكنها مسيّرة اقتصادياً بشكل جيّد». لكنهما يعيدان ذلك إلى حد كبير للسياسة التي انتهجها الرئيس بورقيبة في القطاعات الأساسية لتنمية البلاد، وللقرارات التي اتخذها في مجال الأحوال الشخصيّة والقطاع الديموغرافي.
لقد استفادت تونس ابن علي من تلك التركة. لكن ذلك ما حرص نظام ابن علي على طمسه، فمثلاً اضطر مدير بنك خاص على الاستقالة لمجرّد تذكيره في حديث مع صحافي أجنبي بما فعله بورقيبة. كان تهديد السلطة للبنك المعني صريحاً جداً. وتمثّل في أحد خيارين، إمّا استقالة المدير وإما سحب الدولة كل ودائعها من البنك.
تتم الإشارة في هذا السياق أن تونس استفادت أكثر من بقيّة بلدان المنطقة من «الكرم المالي» للمجموعة الدولية. وهذا ما حاول نظام ابن علي طمسه أيضاً، الأمر الذي لا يمنع واقع أن البلاد حصلت على أحد أكبر الحصص بين بلدان المغرب من مساعدات البنك الدولي، وذلك على خلفية السياسة المالية التي اتبعتها الحكومة وراقت كثيراً للمؤسسات المالية العالمية. لكن المشكلة هي أن الأرقام المعلنة رسمياً من قبل الحكومة التونسية لم تكن تتطابق مع الواقع، وكان يتم التلاعب بها كي تتماشى مع المعايير الأووبية المحددة في اتفاقية «مستريشت».
صديق الفقراء الزائق
لقد أراد ابن علي أن يقدّم نفسه على أنّه صديق الفقراء. والتونسيون جميعاً. كانوا مدعوّين يوم 8 ديسمبر من كل سنة للمساهمة في الحساب رقم 2626 الخاص بصندوق التضامن الوطني، وكان على الشركات أن تصبّ فيه كل شهر ما يعادل 30 دولاراً تقريباً عن كل موظّف لديها. كان مبدأ الدفع طوعياً، لكن نادراً ما كانت الشركات تتجرّأ على عدم الدفع.
كان مجموع ما يتجمّع في الحساب، بما في ذلك مساهمات الدولة، عدّة مئات من ملايين الدولارات. ذلك من أجل إنهاء ما كانت السلطة تسمّيه بـ«مناطق الظل»؛ أي المناطق الريفية التي لم تطلها التنمية. لكن لم يكن للحكومة ولا البرلمان ولا محكمة الحسابات أي حق في السؤال عن الوجهة التي ذهبت إليها الأموال. الشخص الوحيد الذي كان يطلعه سكرتير الدولة المسؤول عن إدارتها على حساباتها هو رئيس الجمهورية ابن علي الذي كان يتصرّف في الأموال كي يحلّ بـ«ضربة عصا سحريّة» مشاكل المحتاجين.
توجه للطبقة الوسطى
لم تكن الشرائح الشعبية هي التي كان الرئيس ابن علي يجهد كي يثير إعجابها. لكنه كان يتوجّه أيضاً للطبقة الوسطى، إن لم يكن بقصد جعلها حليفة للنظام فعلى الأقل من أجل تحييدها عبر «استيراد» نموذج الاستهلاك الغربي. هذا وكأنه أراد أن يقول لأبناء شعبه: يمكنكم أن تأكلوا وتشربوا وتستهلكوا ما تشاؤون، ولكن لا تنخرطوا في العمل السياسي. وذلك ما كانت قد عبّرت عنه مجلة «الاكسبريس» الفرنسية بجملة مفادها: «اصمت واستهلك». ذلك النهم الاستهلاكي كانت له نتائجه الاجتماعية الخطيرة. ولم يكن أقلّها زيادة عدد المساجين ممن لم يستطيعوا دفع الأقساط المترتبة عليهم. لكن الخطر الأكبر على الاقتصاد الوطني التونسي كان مصدره أصحاب الصفقات الذين كانوا يحيطون بابن علي. وقد انتشرت منذ نهاية عقد التسعينات الماضي الرسائل السريّة الشاجبة لذلك.
وبرزت مجموعة سريّة تحت اسم «اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد». وانتشرت بين أوساط المعارضة في تونس والخارج منشورات تحمل عناوين من نوع «العائلات التي تنهب تونس». وعلى رأس تلك العائلات عائلتا شيبوب والطرابلسي.
عائلة الطرابلسي هي عائلة ليلى الطرابلسي، الزوجة الثانية لابن علي. إن عشرة من أفراد هذه العائلة كانت لهم اليد الطولى في عالم الصفقات والنشاطات الاقتصادية في مختلف القطاعات، وعلى رأس هؤلاء الأخ الأكبر لليلى «بلحسن الطرابلسي».
مؤلفا هذا الكتاب يتحدثان عما يسميانه «ليلى وشركاؤها». هؤلاء جميعاً عرفوا درجة فاحشة من الثراء، بينما كانت هناك «كتائب من حاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل».
الكتاب: صديقنا ابن علي
الحلقة الأولى: «المعجزة التونسية»
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2011
تأليف: نيكولا بوو ـــ جان بيير توكوا
