استفاد بن علي كثيرا من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث عرف الرئيس التونسي السابق كيف يناور بمهارة ويقدّم نفسه بصفة المناهض العنيد ضد التطرّف والإرهاب لينال صفة أحد رجال السياسة الأكثر انفتاحا في العالم العربي ـ الإسلامي.

وتوالت في سياق ما بعد 11 سبتمبر زيارات القادة الغربيين، خاصّة الفرنسيين، إلى تونس. قدّم الجميع صورة مشرقة لبن علي الذي أعاد انتخابه لرئاسة الجمهورية بنسبة عالية من الأصوات في انتخابات عامي 2004 و2009.

كانت الأجهزة الأمنية تحت الرقابة الصارمة لقصر قرطاج. وكان الجيش حليفا مع إبعاده التام عن السياسة. حزب التجمّع الدستوري، حزب بن علي، هو الذي كان يسيطر كليّة على الحياة السياسية وتجييرها لخدمة النظام.

بالتوازي مع تجميل صورة بن علي عرف الاقتصاد التونسي فترة من الازدهار. وتدفّقت المساعدات والقروض على تونس من أوروبا والمؤسسات الدولية.

لكن ذلك كلّه لم يمنع سقوط بن علي على خلفية الاستياء الاجتماعي وانفجار الأزمة المالية العالمية والبطالة، خاصّة للشباب، والفساد والظلم وطموحات ليلى طرابلسي.

 

على ضوء معطيات المشهد الذي رسمه المؤلفان لتونس في ظل نظام بن علي منذ بداياته، يؤكّدان أن جميع الآمال التي عقدها التونسيون عليه قد انتهت إلى خيبة كبرى.

استفاد بن علي كثيرا من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. ذلك بمعنى أنّه بعد أن قدّم نفسه للغرب منذ مطلع عقد التسعينات كمناهض للتطرّف ارتقى إلى مصاف المدافعين عن الأفكار التنويرية وعن الديمقراطية على أساس المواقف التي اتخذها حيال تلك التفجيرات. خاصّة أنه تبنّى خطابا يعيب على الغربيين تراخيهم حيال المتطرفين الذين كانوا يمارسون نشاطاتهم في لندن وغيرها من العواصم الأوروبية. خطابه المناهض للتطرف جعل منه أحد أكثر رجال السياسة في العالم العربي ـ الإسلامي بصيرة وتنوّرا في نظر الغرب.

لقد عرف بن علي كيف يناور بمهارة فائقة. وينقل عنه المؤلفان قوله في مقابلة مع صحيفة نمساوية «ينبغي اجتثاث المتطرفين. وهذا ما فعلته في بلادي. لقد وجّهتم ـ يقصد الغربيين ـ لي الكثير من النقد، لكنني كنت أنا على صواب».

استغلال مأساة 11 سبتمبر التي تمتد جذورها حتى الشرق الأوسط أعطى نتائج تفوق ما كان ينتظره النظام التونسي. ذلك ما دلّت عليه سلسلة الزيارات التي قام بها قادة فرنسا، بعد انقطاع، منذ خريف تلك السنة 2001 . كان أوّل من زار تونس آنذاك هو هوبير فدرين وزير الخارجية. ثمّ تبعه بعد فترة وجيزة الرئيس جاك شيراك. لم تبخل وسائل الإعلام بالحديث عن عودة الحرارة للعلاقات التونسية ـ الفرنسية.

بالمقابل كانت خيبة أمل المعارضين للنظام التونسي في نفس مستوى تلك الخيانة. ذلك أن تفجيرات 11 سبتمبر أعادت الثقة بابن علي من قبل الأوروبيين والأميركيين، وأنهت في الوقت نفسه جهودا كبيرة كان قد بذلها المعارضون للتعريف بـ «الوجه الآخر للمعجزة التونسية» لدى الرأي العام الأوروبي. وينقل المؤلفان عن المعارضة التونسية قولها ان بن علي لم يشن الحرب على المتطرفين، ولكن بالأحرى على الديمقراطيين.

لقد استطاع بن علي أن يجمّل كثيرا من صورته التي كانت قد بهتت إلى حد كبير في نهاية عقد التسعينات. هكذا أعاد انتخابه كرئيس لتونس بنسبة عالية من الأصوات في الانتخابات الرئاسية المزوّرة كالعادة، كما يؤكد المؤلفان، عام 2004 و2009.

كانت تونس بعد 11 سبتمبر تحت الرقابة الكاملة لنظام بن علي. حشد كبير من رجال الشرطة والمخبرين يحيطون بالبلاد وبالعباد. وكان الجهاز الأمني يخضع مباشرة لبن علي. أمّا الجيش فقد كان تحت الرقابة الدقيقة لقصر قرطاج. إنّ مشاركة عسكريين في مجلس الأمن القومي وتعيين ضابط على رأس الحرس الجمهوري لم يكن يعني أبدا أن الجيش يحكم من قريب أو بعيد. ولم يكن له أي صوت على صعيد السلطة السياسية.

لقد جرى تهميش الجيش ولم يكن بالنسبة لقصر قرطاج أكثر من حليف تنبغي مجاملته. ثمّ تعرّض الجيش للتهميش أكثر عام 2002 عندما سقطت طائرة عمودية ـ هيلوكوبتر ـ وقتل في الحادث رئيس أركان الجيش و11 من كبار ضباطه . ينقل المؤلفان عن مصادر تونسية أن ذلك الحادث كان مدبّرا.

بالمقابل كان الحزب الحاكم، حزب التجمّع الدستوري، يحتكر الحياة السياسية بشكل كامل. أمّا الأحزاب الأخرى المسموح فيها، فلم تكن أكثر من أشكال فارغة من أي محتوى أو كي يستخدمها النظام من أجل إظهار تعددية سياسية في تونس.

وكان حزب التجمّع الدستوري يسيطر أيضا على البرلمان ولكن دون وجود حياة برلمانية حقيقية. لقد كان حزب الرئيس وبالتالي مجرّد أداة يتلقى أوامر قصر قرطاج فيطيع. هكذا لم يتردد البرلمانيون التونسيون في تعديل الدستور كي يستطيع بن علي تجديد رئاسته عدّة مرّات.

ويحدد المؤلفان القول ان المرّة الوحيدة التي أخذ فيها قادة الحزب بعض المسافة كانت في عام 2010. ذلك في مواجهة طموحات ليلى طرابلسي، زوجة الرئيس، التي كانت تبحث عن زيادة نفوذها السياسي كي تصبح، بمواجهة بن علي المريض، بمثابة «حاكمة قرطاج» الحقيقية.

 

ساركوزي وبن علي

بالتوازي مع الموقع السياسي القوي الذي استعاده بن علي منذ 11 سبتمبر 2001 عرف الاقتصاد التونسي حالة من الازدهار الاقتصادي. لقد استطاعت تونس التي لا تمتلك الغاز ولا النفط أن تحقق آنذاك نموا اقتصاديا سنويا بمعدّل يتراوح بين 5 إلى 6 بالمئة حتى الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. تتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كانا يسوقان تونس كأحد الأمثلة الجديرة بالاقتداء بها.

الأوروبيون قدّموا، بدفع من الفرنسيين، المساعدات بسخاء لتونس التي حصلت في الفترة الواقعة بين 1995 و2009 على 1.7 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي و2.8 مليار يورو كقروض من البنك الأوروبي للاستثمار من أجل تشجيع إصلاح وتحديث البلاد.

يشير المؤلفان إلى أن الاتفاقيات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وتونس نصّت على احترام حقوق الإنسان. لكن تلك لم تكن أكثر من كلمات خاوية من أي معنى في أرض الواقع. المهم والأساسي كان بالأحرى هو «البزنس». وفرنسا تمثّل البلد الأول في العالم من حيث عدد الشركات وقيمة الاستثمارات في تونس. والسائحون الفرنسيون يتوافدون أفواجا على الشواطئ التونسية ويشكّلون أحد مصادر الدخل الأساسية للبلاد.

لم تكن الحرّية موجودة ولكن الخبز ووسائل الترفيه والمقامرة وقمع المحتجّين. تلك كانت حالة تونس «الهادئة» في ظل بن علي، حسب تعبير المؤلفين. وكان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك من أكثر الداعمين لبن علي ونظامه «المتقدّم جدا بالقياس إلى الكثير من البلدان»، كما كان يردد. لم يتغيّر موقف شيراك أبدا رغم حركات الاحتجاج التي نظّمها اليسار الفرنسي لمناصرة حقوق الإنسان في تونس.

انتهت رئاسة شيراك عام 2007، لكن الدعم الفرنسي لبن علي استمر. وينقل المؤلفان عن نيكولا ساركوزي، خليفة شيراك، قوله في زيارة الدولة التي قام بها إلى تونس في شهر أبريل 208 مامفاده «البعض قساة مع تونس التي تزيد الانفتاح والتسامح في العديد من المجالات». ثمّ أضاف «إن مجال الحريّات يتسع». باختصار أطرى ساركوزي كثيرا على مناقب بن علي وعلى نظامه. ذلك إلى درجة أن أصداء ما قاله كانت لا تزال ترنّ في الآذان بعد ثلاث سنوات غداة سقوط بن علي.

ومن الحوادث التي يسوقها مؤلفا هذا الكتاب، للدلالة على عمق التواطؤ الذي كان قائما بين قصر قرطاج وقصر الإليزيه، حادثة سرقة عماد طرابلسي، ابن الأخ المدلل لليلى طرابلسي زوجة بن علي لأحد اليخوت من كورسيكا. وينقلان عن السارق قوله عن اليخت المعني: أملك سيارات فيراري وليموزين، لكن زوجتي لا تثيرني بمقدار هذا اليخت. إنّه جوهرة من الماس الخالص.

جرى اكتشاف اليخت المسروق في ميناء سيدي بوسعيد ودلّت التحقيقات الخاصّة أنه في قبضة مارق كبير فوق العقاب. في الواقع كان ابن اخ زوجة الرئيس يشكل رمزا لحاشية المافيا التي تغلغلت شيئا فشيئا في قصر قرطاج. وفي شهر أبريل من عام 2009 طلبت المحكمة الفرنسية في كورسيكا تقديم عماد طرابلسي وشركاه، وعلى رأسهم شقيقه معز، إلى محكمة الجنايات.

لقد بذلت ليلى الطرابلسي مساعيها لدى قصر الإليزيه لإنقاذ ابن أخيها المدلل من القضاء الفرنسي ونجحت في ذلك، حيث ان المدعي العام في كورسيكا أعلن أن ولدي أخ ليلى طرابلسي لن يمثلا أمام القضاء الفرنسي بحجّة أن تونس لا تسلّم مواطنيها.

 

مفاجأة السقوط

من كان يمكنه أن يتوقع في باريس أو في تونس أو في أي مكان آخر أن بن علي سوف يسقط كما حصل؟، يتساءل المؤلفان. ويشيران أوّلا إلى أن السرعة التي تمّ بها ذلك فاجأت الجميع.

كانت هناك مؤشرات كثيرة خلال الأشهر القليلة التي سبقت سقوطه تدل على أن بن علي المريض والمنهك لم يبصر حالة الاستياء العميق الذي كان يتعاظم لدى الرأي العام في بلاده. والمؤشرات كانت واضحة على تصاعد الاحتجاجات والمخاطر منذ التظاهرات في قفصة جنوب البلاد عام 2008 والتي قمعتها السلطة بقسوة. بالوقت نفسه أكّد الخبراء «العارفون» بالملف التونسي في فرنسا وأوروبا أن بن علي لا يزال يمسك زمام الأمور بيده وأن المعارضة التونسية مشتتة إلى درجة أنها لا تملك قدرة مواجهة السلطة. كذلك أثبتت السفارة الفرنسية في تونس أنها لم تبصر ما كان يجري.

وكان للأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انفجرت في خريف عام 2008 آثارها في إضعاف النظام. بهذا المعنى كانت الأزمة التونسية «مستوردة» جزئيا. على سبيل المثال انخفضت عائدات السياحة في تونس منذ عام 2009، وحيث ان هذا القطاع يقدّم نسبة 20 بالمئة من العملات الصعبة للبلاد.

لكن المشكلة الحقيقية كانت في الاقتصاد التونسي. ذلك أن «المعجزة التونسية» التي طالما جرى التغنّي بها كانت خيالية، جزئيا على الأقل. ذلك ما أكّده دبلوماسيون أميركيون في رسائلهم الموجّهة لوزارة خارجيتهم، كما ينقل المؤلفان عن عدّة مصادر. لقد أشار أولئك الدبلوماسيون أنه لا ينبغي التوهّم كثيرا حول «الصحّة الجيّدة» للاقتصاد التونسي. فالنمو يعود للاستهلاك والاقتراض وليس للاستثمارات. والتوفير ضعيف والحديث عن وجود طبقة وسطى مزدهرة مجرّد «أسطورة».

الانقاذ ما كان له أن يأتي من الاستثمارات الخارجية. ذلك ان رؤوس الأموال الخارجية تُستخدم بالأحرى لشراء مؤسسات جرت خصخصتها وليس لإنشاء شركات وخلق فرص عمل، كما أشارت وثيقة أميركية. نتيجة ذلك كلّه أصبحت مسألة إيجاد فرص العمل أحد الجروح الكبرى في تونس، خاصّة بالنسبة للشباب.

وتدلّ الإحصائيات المقدّمة أن شابا من أصل كل ثلاثة شباب دون الثلاثين من العمر في تونس غدا يعاني من البطالة. ولم يكن تحصيل شهادة جامعية ليغيّر كثيرا في الأمر. إن ما بين 60000 إلى 70000 شاب يصلون سنويا إلى سوق العمل منذ سنوات وفي جعبتهم شهادة جامعية. ولم يكن الاقتصاد التونسي يقدّم أكثر من 40000 فرصة عمل وفي قطاعات لا تتطلّب التأهيل المهني المتقدّم.

أولئك الشباب الجامعيون العاطلون عن العمل الذين تحطّمت آمالهم بالصعود الاجتماعي حاولوا الحصول على سبل العيش عبر ممارسة سلسلة من الأعمال الصغيرة كمرشدين سياحيين عندما تحين الفرصة أو كحرّاس في مرآب أو في متجر أو كباعة متجولين. من هذه الفئة الأخيرة كان محمد البوعزيزي الشاب الجامعي العاطل عن العمل الذي أضرم النار بنفسه فأشعل فتيل الثورة التي أطاحت بابن علي وبحاشيته.

وهناك عامل آخر ساهم في هزّ نظام بن علي هو ولادة صنف جديد من المعارضة بفضل شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي عبر الفيسبوك. كانت السلطة التونسية تعتقد أنها تسيطر على هذا المجال.

في الفترة الأخيرة من حكم بن علي المريض والمنهك تعاظمت المنافسة على خلافته وانتشر الفساد على نطاق واسع. وبدا بوضوح أن زوجته ليلى طرابلسي تنسّق عملية انتقال السلطة لأحد المقربين منها، على خلفية الفساد والتهديد، ما مهد لثورة الياسمين.

الكتاب: صديقنا ابن علي

الحلقة الاخيرة : «المعجزة التونسية»

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2011

تأليف: نيكولا بوو، جان بيير توكوا