يصف النقاد هذا الكتاب بأنه جاء محصلة لجهود بذلها واحد من أساتذة الحياة «ماجستر فيتاي» كما يقول التعبير اللاتيني، بمعنى أنه ثمرة لجهود واسعة ودؤوبة بذلها مؤلفه من خلال ملاحة واسعة وطموحة في خضم بحار التاريخ البشري منذ مراحله الأولى التي عاد بها المؤلف نحوا من 50 ألف سنة إلى الوراء، حيث توّقف عند حقبة اكتشاف الزراعة.
بكل ما انطوت عليه من تحولات جذرية بل ثورية تجسدت في الانتقال إلى مرحلة التنظيم الاجتماعي بشكله الرشيد الذي ما لبث أن هيأ الظروف المواتية لقيام وازدهار حضارات ما قبل التاريخ في وديان الأنهار ما بين الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى وصولا إلى العصر الحديث الذي كان من أبرز معالمه أو منجزاته ما تمّ في بريطانيا بالذات من ابتكار الآلة من ناحية واكتشاف طاقة الفحم من ناحية أخرى، وهو ما وضع الانجليز على عتبات الثورة الصناعية، ومن ثم كان دورهم في التفوق السياسي والاقتصادي على مستوى العالم ابتداء من القرن الثامن عشر على وجه الخصوص.
وحين يصل الكتاب إلى الحقبة الراهنة من القرن الواحد والعشرين فهو يستعرض العقبات التي يمكن أن تعوق مسير التاريخ الإنساني ويبلورها في انتشار الأسلحة النووية وفي الأخطار الناجمة عن انفلات الزيادة في عدد السكان، فضلا عن تغيرات الأحوال المناخية الكوكبية وتفشي الأمراض الوبائية على مستوى العالم، ثم يلمح الكتاب إلى أهمية السنوات الأربعين المقبلة التي يمكن أن تشهد، في تصّور المؤلف، تحولات في النفوذ والمكانة والثروة من القطب الأميركي إلى قطب جديد اسمه الصين.
هذا الكتاب بالغ الضخامة على حد ما يذهب إليه الناقد أورفيل شل بعد مطالعته للصفحات التي بلغت 750 صفحة التي يتألف منها متن الكتاب، والضخامة هنا لا تنصرف وحسب إلى مجرد الحجم بقدر ما أنها تصدق كذلك على الموضوع الذي اختار المؤلف، الدكتور أيان موريس أن يعكف على تقصيه ومعالجته عبر تلك الصفحات التي تشدد على ان الاربعين عاما المقبلة ستكون الاخطر في تاريخ العالم. والموضوع بإيجاز شديد هو: تاريخ التطور الإنساني.
وإن كانت الفرضية العلمية التي تنطلق منها طروحات الكتاب تدور حول السؤال الجوهري الذي يقول: ما هي الأسباب والأساليب التي أتاحت للغرب أن يتفّوق ومن ثم يتغلب على الشرق؟وبديهي أن الغرب هو على وجه التحديد قارة أوروبا غربها وربما وسطها بالذات، إضافة إلى قارة أميركا الشمالية (الولايات المتحدة بالذات). أما الشرق فيكاد المؤلف يركز الحديث فيه على الجانب الأقصى منه، وبالذات على الصين وربما الهند واليابان، مع إشارات واجبة بالطبع إلى ربوع الشرق الأوسط.
ونبادر كي نؤكد أننا لسنا بصدد كتاب في التاريخ البشري، ولو كان الأمر كذلك لما اخترنا أن نلقي عليه لمحات ضوء في هذه السطور رغم أهمية التاريخ بطبيعة الحال.
حدث قبل 50 ألف سنة
والحق أننا بصدد كتاب اختار فيه مؤلفه أن يرصد مسار التاريخ ثم يقف ملّيا عند محطات شتى من تطور المجتمع البشري، ولكن لكي يستخرج، ومن ثم يبلور من هذا كله رؤية استشرافية تعينه، وربما تعيننا على قراءة سفر المستقبل.
من هنا تبدأ أولى فصول الكتاب عند مرحلة مبكرة وبعيدة في دفتر التاريخ، هي مرحلة ما قبل الحضارة بمفهومها المتعارف عليه وقد عايشها البشر منذ 50 ألف سنة من عمر الزمن، بمعنى أنها المرحلة التي أفضت كما يقول المؤرخون إلى اكتشاف الإنسان للزراعة فنا وحرفة وأسلوبا للمعيشة وطريقة لغزل خيوط النسيج الاجتماعي، ومن ثم التوصل إلى كيان المجتمع البشري بشكله المتبلور ودعائمه المستقرة.
من هنا فليس من المصادفات أن تشهد المراحل المبكرة من تاريخ البشر قيام حضارات في حقب ما قبل التاريخ المسجل والمعروف في أقطار مثل الصين وخاصة في وديان أنهارها وحول ضفاف تلك الأنهار، كنهر يانجتسي بالذات الذي كانت المناطق المنتمية إليه تحفل كما يقول الكتاب بثروات طبيعية قوامها نوعيات شتى من النبات وسلالات مختلفة من الحيوان.
ورغم ما يشاع في العصور الحديثة عن اطراد تقدم الغرب وتفوقه على الشرق فإن كتابنا لا يلبث أن ينبّه إلى أن خط التفوق لم يكن متواصلا ولا مستقيما باستمرار، بل كان هناك حركة جزر ومد، كرّ وفر كما قد نسميها من حيث التنافس في مضمار التقدم بين هذين الطرفين، وبمعنى أن يخطو أحدهما خطوة أو اثنتين في مرحلة ما فإذا به يتراجع خطوات في مراحل أخرى.
ومن ذلك مثلا أن يحتفل التاريخ الحديث بذلك الإنجاز الجغرافي المشهود الذي تحقق على يد كريستوفر كولومبوس في عام 1492 ومازال يحمل لافتة تنطق كل حروفها بما يلي: اكتشاف العالم الجديد اكتشاف أميركا.
لكن هاهو البحث التاريخي ينبه إلى أن ثمة أسطول سبق له الإبحار، قبل كولومبوس بأكثر من 80 سنة، بقصد استكشاف أراضي العالم الجديد، وفيما كان أسطول كولومبوس لا يضم سوى 3 سفن متوسطة الحجم ومنها سفينة سانتا ماريا التي اشتهر اسمها عبر التاريخ، فقد سبق للصين أن أوفدت الأميرال شنغ هي لإنجاز هذه المهمة قائدا لأسطول قوامه يومها 300 سفينة أكبر من سفن كولومبوس ويعمل على متونها 27 ألف بحار.
عن هضاب الشرق الأوسط
المهم أن كانت المساحة الفاصلة في التقدم والمنعة بين طرفي الشرق والغرب تتسع أحيانا ولكنها لا تلبث تضيق، وخاصة عندما كان من هذين الطرفين يحسن استثمار موقعه الجغرافي وإمكاناته الطبيعية ومعها موارده البشرية بطبيعة الحال.
في هذا السياق تتوالى بحوث هذا الكتاب، خاصة مع الفصول الاستهلالية بحيث تتراكم عبر سطورها معارف ومعلومات يمكن أن ترهق القارئ غير المتخصص في بعض الأحيان، لأن المؤلف يطوف بقارئيه عبر تواريخ ما قبل التاريخ سواء في غابات افريقيا أو في شعاب الهضاب كما يسميها، التي تشكل تضاريس مناطق الشرق الأوسط، وهي المرتفعات التي اتسمت بها تلك الأصقاع بعد انتهاء العصر الجليدي.
ومنها إلى أصقاع الصين وما يحف بها من مناطق الشرق الأقصى، إلى أن يصل هذا العرض التحليلي لأحقاب التاريخ البشري إلى ضفاف شبه مأهولة وخاصة عند اكتشاف أميركا في أواخر القرن الخامس عشر، وهو الكشف المشهود الذي أفاد أوروبا بالدرجة الأولى بقدر ما ألحق أضرارا بشعوب أخرى. وفي هذا يسوق مؤلفنا تعبيره الطريف، والمرير أيضا حين يقول: باكتشاف الأميركيتين، حصلت أوروبا على قارة جديدة، فيما حصل سكان أميركا الأصليون (الهنود الحمر) على مرض الجُدري.
من ابن خلدون إلى توينبي
وعندنا أن ما بذله مؤلفنا، البروفيسور موريس من جهود في مجال الرصد التحليلي واستقاء الدروس المستفادة من ظاهرة صعود وانهيار الدول والإمبراطوريات والممالك والحضارات، إنما ينتمي إلى تلك الكوكبة من المؤرخين المتعمقين الذين قد يأتي على رأسهم أساتذة كبار من قبيل العلاّمة المسلم عبدالرحمن بن خلدون (1332- 1406) صاحب المقدمة، أو المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون (1737- 1794) صاحب كتاب اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية الصادر في 1776 عام استقلال أميركا.
فضلا عن المؤرخ البريطاني المعاصر أرنولد توينبي (18890- 1975) صاحب موسوعة دراسة التاريخ التي حرص فيها على إيفاء الحضارة العربية الإسلامية حقها الموضوعي من البحث والتوفير والتأصيل.
وفيما رأى الكثير من هؤلاء الأعلام أن أكبر آفات الدول والحضارات هو جنوحها إلى دعة الترف وانغماسها في حمأة الاستهلاك، ومن ثم يكون قصورها في الطموح إلى الأفضل، وتعطيلها ملكة التجديد والإبداع والابتكار إلا أن مؤلفنا أيان موريس عمد إلى تلخيص هذه الآفات التي رآها وقد أودت بكيان الحضارات، في القضايا الخمس التالية:
(1) الهجرات غير الشرعية.
(2) تغير المناخ.
(3) نقص الغذاء إلى حد تفشي المجاعة.
(4) انتشار الأوبئة.
(5) فشل الدولة (في تنظيم وترشيد وإدارة المجتمع).
مع ذلك، يحرص كتابنا على رصد الظاهرة الجدلية الملحوظة في تاريخ تطور المجتمع الإنساني: هي ظاهرة مشعل الحضارة البشرية الذي لا يكاد ينطفئ ضياؤه، بل هو بالأحرى ينتقل من موقع إلى موقع آخر على خارطة العالم الذي نعيش فيه، حيث يتم إمداده بزاد جديد من مواهب البشر ونبوغ الإنسان.
ألا ترى إلى حضارات نهر النيل في مصر وبلاد ما بين النهرين في العراق، ومن بعدهما حضارة اليونان والرومان، ومنها إلى حضارة وإمبراطورية الإسلام الناطقة بالعربية؟ أيامها وخلال ظلام العصور الوسطى في أوروبا، كانت العربية، بفضل ازدهار الأندلس الإسلامية، هي لغة العالم والترجمة والعلاقات الدولية «لنجوا فرانكا» كما يمكن وصفها، وخاصة في مناطق حوض البحر المتوسط ومنها إلى غرب أوروبا.
ولقد تزامن هذا الازدهار للكيان الإسلامي العربي مع مد حضاري ازدهرت آثاره في الشرق الأقصى خلال نفس المرحلة الزمنية على يد أسرة سونغ الحاكمة في ربوع الصين، وبعدها انتقل مشعل الحضارة وأشرقت شموسها مع فجر النهضة الأوروبية من جنوبي المتوسط أيضا إلى حيث بلغ نضجه في انجلترا مع عقود القرن الثامن عشر للميلاد.
لماذا إنجلترا بالذات؟
لأنها شهدت كما يوضح كتابنا تطوير التكنولوجيا التي كفلت التحول الجذري المشهود من زمن العمل اليدوي إلى عصر الآلة مؤذنا بحقبة بالغة الخطورة في سباق التطور البشري حملت اسمها المعروف: عصر الثورة الصناعية.
في هذا السياق يوضح مؤلف الكتاب كيف أن حلول الثورة الصناعية أدى بالضرورة إلى مرحلة من التجديد الاجتماعي ومن إتاحة الفرصة للتنظيم الخّلاق أو الابتكاري في مجالات الإدارة والسياسة والاقتصاد، وهذا كله أعطى دفعة كبرى لعملية التطور التي أفاد منها المجتمع الإنساني بشكل عام.
فتش عن الفحم
هكذا تصل بنا فصول هذا الكتاب إلى ختام القرن العشرين بكل فتوحاته التكنولوجية، وخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأيضا بكل أدوائه وأرزائه وفي مقدمتها ما شهده القرن الماضي من حروب كونية ساخنة وباردة على السواء.في نفس السياق نلاحظ أن مؤلف الكتاب يقف مليا عند ما يراه بمثابة العنصر الأهم في تفوق الغرب (من بريطانيا إلى فرنسا وغيرهما)، ومن ثم في قدرة هذا الغرب على بسط سيادته (هيمنةً كانت أو استعمارا أو استيطانا) على ربوع شاسعة من مناطق العالم.
المؤلف يرى أن هذا العنصر يتلخص في حقيقة جوهرية هي: اكتشاف طاقة الوقود الاحفوري.
بدأ الأمر منذ أواخر القرن 18، وعلى امتداد القرن 19، باكتشاف الفحم واستخدامه مصدرا أساسيا للطاقة التي كانت لازمة لتشغيل الآلات.
ثم تواصلت الجهود باكتشاف البترول مع سنوات القرن العشرين الذي جاء بمثابة كنز سليمان الأسطوري الشهير، وبمعنى أنه جاء موْرِدا غزير الحجم ومادة قاعدية تنتج العديد من المشتقات الثمينة اللازمة لتلبية احتياجات التقدم في مجالات قد لا تحّدها حدود.
المهم أن الغرب بفضل الآلة والبترول بالذات اكتسب ثقة في النفس وفي القدرات. وما لبث أن ترجم هذا كله إلى ما يصفه كتابنا بأنه شكل سلطوي من أشكال الرأسمالية، ثم ترجم هذا الشكل النافذ إلى نزعة إلى الهيمنة سواء كانت على شكل تفّوق في مجال التجارة والتصدير أو على شكل كلمة مسموعة في التعامل مع قضايا الدول ومشاكل الشعوب، أو حتى على شكل سطوة إمبريالية بسطت نفوذها في حقبة الاستعمار على أقطار عديدة في قارات آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية.
لكن هذه الظاهرة، المؤسسية بكل أبعادها وتداعياتها، أصبحت الآن ماضيا انقضى في سجل التاريخ. وفيما عاش العالم خلال النصف الأخير من القرن العشرين ظاهرة الاستقطاب الثنائي من حيث الهيمنة والنفوذ السياسي أو العقائدي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
وفيما حكمت الأقدار بالتصّدع والزوال على القطب السوفييتي ذاته، فقد جاء القرن الواحد والعشرون بغريم مستجد على ساحة التنافس مع الولايات المتحدة. بيد أن التنافس كف عن أن يكون أيديولوجيا ولا حتى سياسيا، بعد أن تحّول ليصبح تنافسا في حلبة الاقتصاد والثروة بالدرجة الأولى. في ضوء هذا كله، أصبح من حق قارئي هذا الكتاب أن يطرحوا السؤال الجوهري الذي يقول: ترى لمن الغلبة في نهاية المطاف، هل لأميركا أم للصين؟
في معرض إجابة السؤال يحيل المؤلف إلى العنوان الفرعي لهذا الكتاب، وهو العنوان الذي يتساءل بحق حول المسار الذي تتبعه حركة التاريخ، وما عساها تكشف عنه بالنسبة للمستقبل.
بين الإفلاس والازدهار
وهنا أيضا يطرح المؤلف إجابته على السؤال موضحا ما يلي: إن تحّول الثروة ومن ثم تحّول النفوذ والقوة من الغرب إلى الشرق أمر حتمي أو يكاد يكون.
ثم يمضي هذا الإيضاح ليضيف ما يلي: إنه تحّول من أميركا «المفلسة» إلى الصين الصاعدة على طريق الازدهار.
وعلى هذا الأساس يعود قارئو الكتاب إلى طرح السؤال البديهي: وإذن فمن المستفيد من هذه التحّولات التي يستشرف هذا الكتاب وقوعها؟
ومرة أخرى تخّف السطور من الفصول الختامية لكتابنا لتوضح ما يلي: إن الفيصل هنا ليس مجرد تحّول بورصة الاحتياطيات النقدية ولا ارتفاع معدلات التصدير إلى صالح قوة عالمية (هي الصين حاليا) وخصما من رصيد قوة عالمية تعاني الأزمة، وهي الولايات المتحدة.
إن صخرة بروميثيوس في زماننا الراهن تتمثل في عقبات شتى يراها مؤلف الكتاب بمثابة عراقيل من شأنها أن تعوق مسير التاريخ عقبات من قبيل انتشار الأسلحة النووية الفتاكة، والزيادة المنفلتة في عدد سكان العالم، وفي تفشي الأمراض الوبائية، وغوائل تغيرات المناخ، وتدهور البيئة بكل ما ينجم عن ذلك من كوارث طبيعية. وليس من حل يخلص به هذا الكتاب سوى الدعوة بإلحاح شديد إلى أن يتعاون الغريمان في كل من الصين وأمريكا بدلا من أن يستسلما لإغراء المنافسة واحتدام الصراع.
إن مؤلفنا يرفض مقولة شاعر الإمبراطورية البريطانية الشهير رديارد كبلنغ: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا.
بالعكس، أيان موريس يلمح دون أن يفصح إلى أن على أميركا والصين أن يلتمسا سبل التلاقي بمعنى التعاون لمواجهة الأخطار والتحديات المشتركة التي تتربص بالعالم وساكنيه، وهو يخلص في ختام اطروحاته إلى أن يقول: إن السنوات الأربعين المقبلة ستكون هي الحقبة الأهم من سواها في التاريخ.
ثم إن هذه السنوات سوف تشهد، في رأي المؤلف أيضا، دخول لاعبين جدد إلى الساحة وفي مقدمتهم أطراف مثل اليابان والهند، وتلك بدورها رسالة ينبغي أن يعي الغرب الأوروبي وبالذات الغرب الأميركي ما تنطوي عليه من دلالات.
الناشر: مؤسسة فرّار شتراوس وجيرو
عدد الصفحات: 750 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي
