ثمة خطان متوازيان تتبعهما مقولات هذا الكتاب. ويتمثل أولاهما في سرد تحليلي لتطور التاريخ السياسي لروسيا منذ عهدها القيصري في القرن التاسع عشر ومع اندلاع الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 بقيادة لينين وإلى العقد الأخير من القرن العشرين الذي شهد مطلعه انهيار وزوال دولة الاتحاد السوفييتي الشيوعية، فيما شهدت أواخره انتهاء حقبة يلتسين، التي تسببت في دمار الاقتصاد الروسي وألحقت أضرارا شتى بمرافق الحياة الروسية.
ومن بعدها بدأت حقبة بوتين ثم حقبة رئيس الكرملين الحالي ميدفيديف التي رفعت شعار (روسيا الجديدة) في محاولة لاسترداد مكانة موسكو ودورها بوصفها عاصمة القوة، أي الدولة العظمى التي طالما شكلت قطبا منافسا وعنيدا للقطب الأميركي طيلة سنوات الحرب الباردة (1945- 1989).
وضعت الحرب الباردة أوزارها في عام 1989. وهو العام الذي شهد، كما هو معروف، انهيار سور برلين الفاصل بين شرقي وغربي العاصمة الألمانية. وكان السور رمزا وتجسيدا ماديا للانقسام بين عالم الشرق الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفيتي وعالم الغرب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة. وفيما كان هذا الانقسام العولمي أيديولوجيا يميز بين العقيدتين الشيوعية الماركسية، شرقا، والرأسمالية الليبرالية غرباً في أوروبا ومنها عبر الأطلسي في أمريكا.
فقد ظل قائما على مدار السنوات الفاصلة بين انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وموعد انهيار سور برلين الذي ألمحنا إليه، وهو الموعد الذي أسلم بدوره إلى بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، وكان بدوره الموعد الذي شهد أعراض التصدع ومن ثم الانهيار إلى حالة الزوال بالنسبة للاتحاد السوفيتي.
بعد ثورة أكتوبر
عاشت الدولة السوفيتية، بين عام 1917 الذي شهد انفجار الثورة البلشفية على يد فلاديمير لينين، وحتى أفول الشمس السوفيتية ونهاية دولتها على يد آخر زعمائها وهو «ميخائيل جورباتشوف» في الفترة 1991 1992.
وعلى الرغم من أن علامات الضعف المؤسسي والوهن السياسي كانت بادية على الجسد السوفيتي على مدار سنوات سبقت، فقد بدا انهيار الكرملين الشيوعي في موسكو أقرب إلى الحدث الصاعق، لأنه كان مرادفا لزوال ظاهرة ثنائية الاستقطاب، طالما قسمت عالمنا إلى شطريه الشيوعي والرأسمالي طيلة حقبة الحرب الباردة.
وبرغم أن غورباتشوف حاول معالجة جانب من هذه الأعراض عندما عمد إلى طرح ما وصْفته السياسية الشهيرة حاوية بندين أساسيين وهما: (1) إعادة البناء (البيريسترويكا). (2) الشفافية (الجلاسنوست)، لكن الوصفة السياسية جاءت بعد فوات الأوان، أي بعد أن أنشب المرض السياسي كل أظفاره في الجسد السوفيتي المريض، فكان أن أسلمه إلى نقطة النهاية. بعدها، وعلى امتداد عقد التسعينات، ظل العالم يترقب، وهو غير مصدق، تطورات الأحداث المستجدة على المسرح الروسي، خاصة في ظل ولاية الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين.
اقتصاد المحاسيب
كانت حقبة «يلتسين» اقرب إلى رد الفعل المأساوي إزاء الحقبة السوفيتية، وكم شهدت سنوات التسعينات مظاهر الهوان السياسي والدمار الاقتصادي في روسيا، الجديدة، حيث تضاءل نفوذها في العالم إلى درجة التقزم، وطـُرحت مؤسسات وشركات قطاعها العام في أسواق بيع السماح تحت شعار التحول من ملكية الدولة إلى ملكية القطاع الخاص. وما لبثت المجامع الاقتصادية الدولية أن اصطنعت اسما مبتكرا يعبر عما ارتبط بها من آفات الاستغلال وشبهات التربح وكان الاسم هو: كروني ايكونومي. ومعناه: اقتصاد المحاسيب.
ولم يكن المحاسيب في روسيا وقتها سوى شراذم المستغلين وأفواج المغامرين وزمُر الانتهازيين، بل عمد بعضهم إلى التجمع ضمن تشكيلات عصابية عرفها العالم وقتئذ باسمها الشائع: المافيا الروسية.
تلك هي باختصار شديد الخلفية التي جاء على أساسها «فلاديمير بوتين»، رجل الاستخبارات السوفيتية السابق (الكي. جي. بي) إلى موقع السلطة، الرقم الأول في قصر الحكم الكرملين في موسكو.
روسيا الجديدة
مع مطلع القرن الجديد، كان بوتين قد استقر عزمه على إنهاء تراث حقبة يلتسين بكل مغارمها وكل جراحاتها التي خلّفت ندوبا لمّا تندمل بعد في البنية المادية والكيان السيكولوجي والتوجهات السلوكية في أوساط الشعب الروسي، حيث رفع بوتين شعاره الأثير وهو: نحو روسيا الجديدة.
وبوصفه رجل استخبارات محنكا، كان من طبع «بوتين» أن يلتمس من أسباب القوة ما يسند تفعيل هذا الشعار.
وربما دفعته هذه الحنكة إلى أن يكون واقعيا فلا يلتمس الأسباب التي ينشدها في الدور السياسي الذي سبق واضطلع به الاتحاد السوفيتي الذي أصبح كما أسلفنا صفحة مطوية في دفتر التاريخ.
الحنكة نفسها هي التي دفعت «بوتين» إلى أن يعزف عن التماس قوة روسيا في دورها الثقافي أو المعرفي.
لقد شاءت أقدارها أن تتخلف عن ركب التطور في دنيا الكمبيوتر وشبكات التواصل الالكترونية، فيما أفضت حقبة الفوضى خلال رئاسة «يلتسين» إلى تقليل أو تصغير، بل وتشويه صورة روسيا ودورها ومكانتها في عالم كان يطرق وقتها أبواب الألفية الثالثة.
هنا عمد «بوتين» ومعاونوه، وكان أقربهم وقتها الرئيس الحالي مدفيديف، إلى نسيان، أو تناسي، دور القوى الناعمة في روسيا، ومن ثم جاء تركيزهم على أهم مكونات القوى الخشنة وهو: الاقتصاد. وبالتحديد الامكانات البترولية. وبتحديد أكثر الغاز الطبيعي.
وبهذا عمد إلى صياغة المعادلة التي تُمثل أهم محاور هذا الكتاب، وجاءت أهم بنودها على النحو التالي: احتكار النفط + احتياطيات الغاز الطبيعي سلطة بوتين الحازمة في الكرملين = قوة مضافة تؤدي إلى صعود «روسيا الجديدة» التي ينشدها الروس.
أما المعنى الذي يحرص المؤلف على التأكيد عليه عبر الفصول والصفحات فيتمثل بدوره فيما يلي: إن الإمكانات الاقتصادية ممثلة في النفط والغاز تُجسد في التحليل الأخير ميزة نسبية لروسيا، بقدر ما تشكل الأدوات الطيّعة والمقتدرة التي تتيح تحقيق المصالح السياسية لروسيا الجديدة المنشودة.
بين لينين وبوتين
وحين عمد مؤلف كتابنا إلى تقليب صفحات التاريخ أتضح له ولنا أن شركات النفط طالما لقيت عنتا بل ومقاومة من جانب القادة الأوائل للثورة الروسية.
وبلغ الأمر منذ عشرينات القرن الماضي وما بعدها إلى أن صدرت أوامر من جانب كل من «لينين» ومن بعده «ستالين» بإبعاد هذه الشركات العالمية عن أنشطة التنقيب والاستكشاف والإنتاج البترولي في أراضي روسيا الشاسعة والواعدة أيضا.
هكذا كان على حقبة «بوتين» أن تعزز الامكانات وتصحح الأساليب التي تتبعها مؤسسة «غازبروم» التي أصبحت محورا لأنشطة الغاز الطبيعي بالذات وخاصة في ضوء تصديره إلى وسط وغرب أوروبا كي تسد هذه الصادرات احتياجات أكثر من حيوية في تلك المناطق.
ثم يزيد من القيمة النسبية لمضمون هذا الكتاب أن مؤلفه استطاع في توازن علمي مرهف أن يجمع بين سرد التاريخ السياسي لروسيا منذ مطالع القرن الماضي، بل وأحيانا مع مغيب القرن 19.
وبين متابعة تطور التاريخ الاقتصادي لذلك البلد الكبير الممتد على ساحتي خارطة أوروبا وآسيا، وخاصة فيما يتعلق بقضية الطاقة، بداياتها وآفاقها وتعقيداتها ومستقبلها.
عدد الصفحات: 256
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد، لندن، 2011
