هو مجلد ضخم تزيد صفحاته على الألف صفحة، لأن مؤلفه، وهو من ثقات المؤرخين الأميركيين، يستعرض من منظور السرد النقدي والتحليلي العلمي تاريخ الولايات المتحدة منذ حصول أميركا على الاستقلال عن «المستعمر» البريطاني في عام 1776 وحتى المرحلة الراهنة من مطالع القرن الحادي والعشرين. وقد وصف النقاد هذا الكتاب الموسوعي بأنه عمل طموح، لأنه يتوقف ملياً عند توجهات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية منذ نشوء »الدولة« الأميركية في عهد رئاسة »جورج واشنطن« إلى حقبة »جورج بوش الابن« ومن ثم حقبة »أوباما« الراهنة، وفيما يفصل الكتاب الحديث بشأن تكوين الولايات المتحدة، ناقداً بشدة أحياناً سلوكيات دولتها العنيفة إزاء الكيانات المجاورة في مناطق الكاريبي والمحيطين الأطلسي والهادي، فهو يركز على أسلوب تعامل الرئاسات الأميركية مع أوضاع ومشكلات العالم خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين، ومن بعدهما الحرب الباردة، حيث يلمح إلى بدائل كان يمكن اتباعها لتجنب المغارم التي تحملتها شعوب شتى، منها الشعب الأميركي نفسه، فضلاً عما أوضحه المؤلف عن مدى عجز فريق الأمن القومي المعاون للرئيس أوباما عن حسن استثمار مكانة أميركا لمصلحة العالم، وهو ما لا يترك في رأيه بديلاً أمام دعاة السلام والتنمية والحرية سوى مواصلة النضال.

»سانتا ماريا« اسم لا تزال تتردد أصداؤه في أروقة تاريخ العالم الحديث، لم يكن اسم إمبراطورية باذخة ولا اسم ملكة متوجة. إنه اسم سفينة كانت تفرد أشرعتها كي تستقبل هبوب الريح الآتية من شمال غربي الكرة الأرضية، شأن آلاف السفن التي سبقت ملاحتها العصر الذي اكتشف طاقة البخار، مع ذلك فقد ظلت شهرة «سانتا ماريا» مائلة في التاريخ المعاصر، لسبب بسيط هو ارتباطها باسم »كريستوفر كولومبوس« (1451- 1506) الذي أبحر فوق متنها متجهاً إلى أقصى الغرب من العالم المعمور في سنوات العقد الأخير من القرن الخامس عشر للميلاد. وكان ذلك بالتحديد في عام 1492.

وهو العام الذي وصل فيه الملاح »كولومبوس« قائداً لأسطول صغير وجسور إلى أراضي ما اصطلحوا على وصفه أيامها بأنه »العالم الجديد«.

 

توسع الكرة الأرضية

نزل »كولومبوس« على أديم اليابسة بعد ملاحة شاقة في غمرات المحيط الأطلسي ثم أعطى أوامره برسو سفينته «سانتا ماريا»، ومعها السفينة «بنيتا» والسفينة »نيتا«، وكان ذلك إيذاناً بأن البشرية أضافت إلى كرة الأرض التي استوطنتها شطراً واعداً ومستجداً من مساحة هذه الأرض، ما لبث أن حمل بدوره اسماً مازال يتردد في حوليات السياسة والإعلام حتى عصرنا الراهن وهو: نصف الكرة الغربي «الهيميسفير».

وبالتحديد كانت اليابسة التي نزل إليها «كولومبوس» هي ما يعرف الآن باسم مناطق «سان سلفادور»، وكانت اليابسة التي عاود كشفها في رحلة ثانية سنة 1493 هي ما يعرف الآن بمناطق «بورتوريكو وجزر فيرجن وجامايكا».

مع هذا كله، فالأهم أن هذا الكشف كان التمهيد الجغرافي، والتاريخي أيضاً لاكتشاف الكيان الأهم والأوسع والأخطر الذي يحمل الاسم المعروف وهو: أميركا.

وبصورة أدق، فهذا الاسم يصدق أيضاً على مناطق الجنوب في ما يعرف باسم أميركا اللاتينية. وقد اتسعت هذه الاكتشافات بفضل رحلات قام بها ملاحون ومكتشفون كبار أضافوا إلى اكتشافات كولومبوس، وكان من بينهم الإنجليزي «جون كابوت» والفرنسي «جاك كارتييه» فضلاً عن الأسباني «دي أفيلا».

هكذا شارك في اكتشاف، ومن ثم احتلال، أراضي العالم الجديد في الأميركتين الجنوبية والشمالية كل من انجلترا وفرنسا وأسبانيا، ومن بعدها، البرتغال.

وفيما أنشأ الأسبان مستعمراتهم في فلوريدا على السواحل الجنوبية لأميركا، أسس الفرنسيون مستعمرتهم في لويزيانا على نهر الميسيسيبي «لويس يانا» نسبة إلى مليكهم البوربوني »لويس«، فقد اتجه الإنجليز إلى أصقاع الشمال على سواحل المحيط الأطلسي، حيث أحرزت المستعمرات البريطانية نجاحات أكثر من قريناتها الأسبانية والفرنسية بفضل ما كانت انجلترا القرن السابع عشر تحرزه من أشواط بعيدة من التقدم في مضمار الرأسمالية التجارية والمنعة البحرية والانطلاق في مجال الكشوف الجغرافية فما بالنا بمحاولات الرواد الإنجليز في مجالات العلم والاختراع إلى أن حققوا الكشف التاريخي المتمثل في طاقة البخار، وكان ذلك إرهاصاً بليغاً بدخول انجلترا والعالم من بعدها عصر الآلة وثورة التصنيع.

 

أميركا: المستعمرة البريطانية

هكذا أتيح لبريطانيا العظمى، على امتداد العقود الممتدة من مطالع القرن السادس عشر وحتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، أن تبسط نفوذها على بقاع شاسعة من أراضي العالم الجديد، الأرض الأميركية حيث أنشأت 13 مستعمرة تابعة للتاج البريطاني، وكانت متاحة لأنشطة متباينة لاستغلال مواردها البكر وامكاناتها الثرية بغير حدود، سواء على يد شركات أنشأها اللوردات من سراة الإنجليز أو على يد مشاريع استغلالية أقامها مغامرون جاؤوا من انجلترا وانطلق بعضهم من واقع الرغبة في الكسب والتطور فيما كان البعض الآخر من صنف عتاة المجرمين الذين لم يتورعوا عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح بحق جماعات السكان الأصليين للبقاع الأميركية ممن عرفوا من وقتها باسم «الهنود الحمر».

هذه هي الخلفية التاريخية التي انطلق من ساحتها الكتاب الذي نحن بصدده في هذه السطور، وقد اختار له مؤلفه، الدكتور جورج هيرنغ عنواناً مقارناً وبالغ الدلالة كي يشير إلى بُعد الشُقة الفاصلة بين الحالتين اللتين شهدتا تحولات هذا الكيان الأميركي المستجد على تاريخ العالم وعلى النحو التالي: من المستعمرة إلى القوة (الدولة). ومن حالة المستعمرة إلى وضعية الدولة. ثم من مكان الدولة، أي دولة، إلى مكانة الدولة ــ السوبر، أو القوة العظمى.

 

قال جورج واشنطن

ولعل أهم ما يؤكده المؤلف منذ الفصول الاستهلالية لهذا الكتاب هو أن أميركا المستجدة على المشهد العالمي لم يكن من همّها «توسيع» نفوذها على مستوى عالمها، ولكن كان الشاغل الأكبر لزعمائها المؤسسين هو «تحجيم» نفوذ العالم الخارجي داخل أميركا ذاتها.

من هنا يحيل المؤلف إلى «جورج واشنطن» أول زعماء رؤساء الولايات المتحدة بعد استقلالها عن الإنجليز في عام 1776 موضحاً أن الزعيم واشنطن كان يطمح إلى وقت تحقق فيه أميركا كل أسباب القوة، لا لكي تنشر نفوذها إلى خارج حدودها، بل لكي تتمكن من حماية كيانها الغّض الوليد.

وهنا يقول جورج واشنطن: «نريد أن نصل إلى قوة العملاق، وساعتها لن يكون ثمة من يتجاسر على تخويفنا».

من هنا فالكتاب هو استعراض علمي شائق ومفصل لحكاية مستعمرة بدأت رقماً جديداً في قائمة الكيانات العالمية، وخضعت لاحتلال واستغلال رأسمالي على مدار قرنين أو نحوهما، ثم شاءت أقدارها الجغرافية أن تقع في أقصى النصف الغربي من كرة الأرض وسبقتها عصور شهدت قبلها حضارات باذخة وثقافات أصيلة وفتوحات بغير حدود في مضمار العلم والفكر والتطور والابتكار، بل وظلت هذه المستعمرة السابقة في حال من الانعزال النسبي على مدار فترة طويلة من القرن التاسع عشر كل هذا استطاع المؤلف كما سلمّت بذلك جمهرة النقاد أن يتابعه وأن يسجل وقائعه وتطوراته العبرة التاريخية في هذا المجلد الضخم ولكن بأسلوب التشويق العلمي كما قد نسميه بعيداً عن جفاف السرد الذي يشوب أحياناً موسوعية الموضوع.

ولعل أهم ما نتوقف عنده في هذا السياق يتمثل في حقيقة أن التدخل والنشاط الخارجي قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من أبعاد الشخصية التي ما برح يتبّعها هذا الكيان المسمى بأميركا، فإذا كان الزعيم المؤسس »واشنطن« قد طمح إلى تحصينها ممن قد يخيفها في يوم من الأيام، فإن مؤلف كتابنا يشير إلى أن هذا التخوف ما برح كامناً في العقل الباطن للكيان الأميركي، وإلا فكيف نفسر، في رأيه، سلوك أميركا منذ التسعينات وحتى الآن؟ ففي العقد التسعيني من القرن العشرين قضت تطورات الأحداث بزوال الخصم السوفييتي الذي كانت أميركا تخشاه، لكن التطورات نفسها أفضت بأميركا، لا إلى الخلود للهدوء، بل إلى المزيد من التداخل والتدخل في شؤون العالم الخارجي وربما بصورة أوسع وأشد عنفاً (على نحو ما شهدته حقبة بوش الابن على وجه الخصوص).

 

بين الفضائل والنفاق

بل يصل كتابنا إلى ضفاف من الصراحة المباشرة، حين يوضح أنه برغم مقولات واشنطن ، «ادعاءاتها» على نحو ما يقول البروفيسور »هيرنغ« بأن الولايات المتحدة تشكل تجسيداً عظيماً لفضائل محمودة وعادلة في العالم، إلا أن عوامل النفاق والتخبط ظلت باستمرار تشوب السياسة الأميركية.

ثم يدلل المؤلف على ما يذهب إليه حين يقول إن نزعة العنصرية في أميركا الفتيّة هي التي حالت دون الاعتراف بقيام دولة جديدة في هايتي، برغم أن هذه الدولة ولدت من رحم الثورة التي نشبت في هايتي ضد فرنسا، بل إن أميركا، المستجدة ما لبثت أن شنت حرباً على المكسيك مدفوعة كما يقول المؤلف أيضاً بالشهوة إلى امتلاك الأرض وهو ما شهدته الحرب التي نشبت عام 1812.

طبعاً، كان ذلك في سياق العقود الزمنية التي ميزت نشوء وتطور الكيان الذي أصبح اسمه الولايات المتحدة، ورغم بعض التحولات الإيجابية التي شهدها القرن التاسع عشر وشهدت نضجاً أو تعقلاً تدريجياً في هذه النزعات، ومنها مثلاً عزوف الرئيس الأميركي «كليفلاند» (1837 1908) عن ضم جزر هاواي بتحريض من المزارعين الأميركيين، إلا أن القرن نفسه شهد حروباً بين أسبانيا والولايات المتحدة.

رفعت فيها أميركا شعارات دعم الديمقراطية وتشجيع الروح الإنسانية، وإن كان بعض هذه الحروب التي شنوها تحت لافتة «إمبراطورية المياه المالحة» أدت في بعض الأحيان إلى مذابح راح ضحيتها الآلاف على نحو ما حدث من سحق حركة الاستقلال في الفلبين.

ويحمد المحللون أيضاً لهذا الكتاب تلك الثروة من التفاصيل التي أغنت بلا شك سرده وتحليله لوقائع التاريخ، وخاصة في مراحله الأحدث التي تزامنت مثلاً مع الصراعات الدولية الكبرى التي نشبت مع سنوات القرن العشرين.

في هذا الإطار لا يتورع مؤلف الكتاب عن وصف القرار الذي اتخذته أميركا بدخول الحرب العالمية الأولى (1914 1918) بأنه خطأ جسيم، وأنه انطلق من تصورات رئيسها وقتئذٍ، «ودرو ويلسون» بأن له من مكانة العظمة والسطوة والسلطان ما يجعله قادراً على إعادة تشكيل العالم.

 

ويلسون ومبادئه الـ14

وقد نجادل من جانبنا في هذا الحكم التاريخي الذي أصدره المؤلف على الرئيس ويلسون، خاصة وقد أشادت به الحركات الوطنية في العالم العربي في عام 1918 وما بعده، ولاسيما بإعلانه المبادئ الأربعة عشر، بعد انقضاء الحرب، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير المصير.

في السياق نفسه يذهب مؤلف كتابنا إلى أنه كان بالإمكان تخفيف وطأة الحرب الباردة التي «اشتعلت» على مدار الفترة 1945 1990 ودفعت شعوب العالم ثمنها بكل ما ضاع عليها نتيجة هذا الصراع الدولي، الذي ظل محتدماً بين الولايات المتحدة وشركائها، في الحلف «الأطلسي» وبين الاتحاد السوفييتي وشركائه في حلف «وارسو».

هذا فضلاً عما تحملته معظم تلك الشعوب من مغارم وتكاليف الحشد النووي بينما كان بالإمكان توجيه هذه الإمكانات إلى مجالات التنمية الاقتصادية ومكافحة الأمراض وتطوير المرافق والخدمات ومساعدة شعوب العالم الثالث، وبما يمكن أن يرتقي بحياة البشر.

وعندما يصل كتابنا إلى ضفاف الفترة الراهنة، ورغم ما قد يرصده المؤلف من وهن أو تراجع في قوة ونفوذ الولايات المتحدة، إلا أنه يخلص ساحة شؤون العالم.