في 14 فصلا اهتم المؤلف، بحكم خبرته الميدانية وحصيلته الثقافية وتوجهاته الفكرية، بمتابعة تحليلية لنضال الإنسانية من أجل إقرار وتفعيل وتطوير حقوق الإنسان في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، وخاصة بعد إعلان ما اُصطلح على وصفه من جانب إدارة الرئيس الأميركي السابق "جورج بوش الابن" بأنه "الحرب المعلنة على الإرهاب".

وفي الجانب التنظيري من الكتاب يميز المؤلف بين جانبي قوة الحق وحق القوة، وهو ما تمثله المعادلة التي توضح مدى التباين بين سطوة الدول وأدوات القهر وبين حقوق الإنسان التي تستند بداهة إلى تطور تاريخي طويل بدأ، في العصر الحديث على الأقل، مع نشوء الدولة القومية في شكلها الحديث وبالذات بعد معاهدة وستفاليا المبرمة بين القوى الأوروبية في عام 1648.

ثم تطور نضوج الوعي بحقوق الإنسان بفضل نظريات الفيلسوف الفرنسي "روسو" ثم المفكر الأميركي "توماس بين"، فضلا عن المبادئ الثلاثة الشهيرة التي أعلنتها الثورة الفرنسية عام 1789، وصولا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 وما تبعه من صكوك ومعاهدات واتفاقيات أصبح لها صفة الإلزام بوصفها جزء لا يتجزأ من القانون الدولي، رغم ما تعرضت له، كما يوضح الكتاب، من مخالفات بل وانتهاكات صارخة ما بين نظام "بينوشيه" في شيلي إلى صراعات البلقان الدموية في العقود والسنوات الأخيرة من القرن العشرين.

 

العنوان، الذي يحمله الكتاب الذي نعرض لفصوله ومضامينه في هذه السطور مجرد العنوان - ينطوي بدوره على رسالة بليغة بكل مقياس. لقد اختار المؤلف لكتابنا عنوانا تعبّر عنه كلمات نترجمها حسب معانيها على النحو التالي: التوصل إلى حقوق الإنسان.

والدلالة المهمة هنا تشير إلى أن على البشرية أن تواصل مسيرها كي تقطع المزيد من أشواط بعيدة إلى أن يتسنى لها إن فعلت ذلك إقرار وتفعيل تلك المجموعة من القوانين والقواعد والأعراف التي ما برحت تحمل العنوان الرئيسي الذي تتردد أصداؤه في كل جنبات عالمنا مع مطلع كل صباح ومغرب كل مساء: حقوق الإنسان.

ونستطيع أن نقول، على حد ما يذهب إليه البروفيسور الأميركي "ريتشارد فولك" مؤلف هذا الكتاب، إن الاهتمام العالمي الشامل بقضايا حقوق الإنسان قد بدأ يتركز وتسلّط عليه الأضواء في المرحلة التي تعرف في التاريخ الحديث بالعنوان التالي: مرحلة ما بعد "وستفاليا.

والمقصود بصورة أو بأخرى هو المرحلة التي شهدت أولا اتفاق الأطراف الأوروبية المتحاربة، أو التي كانت متحاربة على امتداد سنوات من القرن السابع عشر، على أن تضع أسلحتها، وأن تختار سبيلا يفضي، على نحو أو آخر، إلى التوافق والتفاهم والتواؤم، حتى لا نقول السلام والسكينة، ثم تشرع ثانيا في بناء الكيان السياسي الذي أصبح يعرف في معجم العلوم والممارسة السياسية باسم "الدولة القومية". وتم ذلك كله في ظل ما يعرف باسم التسوية الأوروبية العامة، التي أنهت وقتها حربا طاحنة ظلت مشتعلة في جنبات القارة الأوروبية على مدار ثلاثة عقود ومن ثم عرفها التاريخ الحديث باسم حرب الثلاثين سنة.

تمت هذه التسوية وأبرموا مواثيقها في عام 1648 على وجه التحديد. بعدها جاء انصراف كيانات الدول الجديدة في أوروبا إلى ترتيب "بيوتها" من الداخل ومن ثم كان اهتمامها بما لرعاياها من مزايا أو حقوق.

وكان هذا بالتالي هو المهاد الذي هيأ السبيل إلى طرح فكرة ومبادئ حقوق الإنسان بعد "معاهدة وستفاليا" بأكثر من قرن من عمر الزمان.

هكذا جاء نشوب ثورة فرنسا الكبرى في 14 يوليه 1789 ليطرح وسط دخان المعارك والصراعات مبادئها الشهيرة الثلاثة: الحرية والإخاء والمساواة.

وكان طبيعيا أن يُعبر تأثير الثورة الفرنسية مياه المحيط الأطلسي فإذا به يدفع رائدا من رواد العالم الجديد في أميركا إلى أن يضع دراسة ضافية من جزءين يدافع فيها عن الثورة ومبادئها.

نتحدث عن المفكر الأميركي "توماس بين" (1727- 1809) وعن كتابه الذي أصدره عام 1791 ليحمل عنوانه المعروف "حقوق الإنسان".

وسواء أجاد القوم تطبيق تلك المبادئ الإنسانية أم أساءوا تطبيقها، وسواء اختصوا بتطبيقهم شعوبهم في أوروبا أو أميركا، فيما حرموا من هذا التطبيق شعوب المستعمرات التي أخضعوها لسيطرتهم الإمبريالية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، فالحاصل أن ذاعت مبادئ حقوق الإنسان، وترسخت في الوجدان الجمعي البشري على مدار القرن التاسع عشر وصولا إلى مشارف سنوات المنتصف من القرن العشرين.

في تلك الفترة التي شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 تنادت الأطراف الدولية إلى بلورة حقوق الإنسان كي تودع في متون صكوك لها صفة الإلزام بالنسبة لشعوب العالم على اختلاف مواقعها من الكرة الأرضية.

 

هذا الإعلان الفريد

لكن الوثيقة الرائدة والملهمة تمثلت كما يوضح مؤلف كتابنا في أول إعلان لحقوق الإنسان أقرته الجمعية التأسيسية الفرنسية بتاريخ 26 أغسطس عام 1789 بعد أن استلهمت نظرية الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" في "العقد الاجتماعي" اضافة الي استلهام بنود إعلان الاستقلال الأميركي الصادر في عام 1776.

من هذا كله تبلورت في الوجدان الإنساني المبادئ الحاكمة على نحو ما نسميها - في ضوء ما يوضحه مؤلف هذا الكتاب، وفي صدر هذه المبادئ ما يلي: حقوق الفرد غير القابلة لا للتصرف فيها ولا للتنازل عنها وهي: الحق في الحرية وحقوق التملك والحق في الأمن.

وعندما تنادت الأطراف المنتصرة في الحرب العالمية إلى إنشاء الكيان الدولي المستجد في أواخر الأربعينات ليحمل اسم "الأمم المتحدة" فقد كان النبراس الذي اهتدت به شعوب وقيادات عالم ذلك الزمان غير البعيد، هو تلك الوثيقة الأم التي رأت النور على وجه التحديد يوم 10 ديسمبر عام 1948 اليوم الذي شهد صدور قرار الجمعية العامة في دورتها الثالثة رقم (217 ألِف) وحملت اسمها الشائع الذي ما برحت الأسرة الدولية تحتفل به في شهر ديسمبر من كل عام، وهو: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 

بين الحق والقوة

يحرص المؤلف عبر الفصول الاستهلالية من هذا الكتاب (وخاصة الفصلان الأول والثاني) على التمييز فكريا وقانونيا وعمليا بين جانبين أساسيين من معادلة حقوق الإنسان كما قد نسميها وهما:

(١) قوة الحقوق.

(٢) حقوق القوة.

ويوضح "فولك" أن مشكلة العالم تتمثل في أن قوة الحقوق لا تلبث أن تضعف، وتتهاوى إلى حد أن تتصدع وتتداعى، وربما تنهار أمام سطوة حقوق القوة، فما بالك إذا كانت قوة غاشمة تفرض أوضاع الهيمنة في الخارج وتمارس هيلمان السيطرة في داخل الحدود.

من هنا نلاحظ من جانبنا هذا الخلل في التوازن بين الحق والقوة، وهو النغمة السائدة عبر الفصول الأربعة عشرة التي يتألف منها متن هذا الكتاب. لهذا لا يفتأ المؤلف يؤكد على أهمية الدور الذي ما برحت تضطلع به المؤسسات الدولية الموكل إليها واجب السهر على تطبيق القانون الدولي ورعاية حقوق الإنسان، وفي مقدمتها بطبيعة الحال محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا التي يوجه إليها الكتاب ثناء مستطابا على أساس ما يراه المؤلف من قرارات أصدرتها المحكمة الدولية من منطلق شجاعتها في التصدي لسلوكيات الهيمنة التي يستأثر بها عدد من الدول في الفترات الأخيرة من تاريخ عالمنا.

من هنا يتطرق المؤلف إلى زيادة ترمومتر الهيمنة مع سيطرة فصيل "المحافظين الجدد" على مقاليد الأمور في أميركا خلال ولايتي الرئيس السابق "جورج بوش الابن"، ولاسيما في أعقاب حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

 

من اليوتوبيا إلى الواقع

وعندما يتحول الخطاب العام لهذا الكتاب من مستوى المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) في حديثه التنظيري عن حقوق الإنسان على مستوى الدول والنظم السياسية فضلا عن الساحة الدولية، فإن مؤلف الكتاب يحسن صنعا عندما يسجل في سطور حميمية كما نسميها أهمية أن يبدأ وعي وتفعيل واحترام حقوق الإنسان من داخل البيت، وفي إطار الأسرة المعيشية بوصفها الوحدة القاعدية في كل مجتمع إنساني، وبمعنى أن مبادئ الحرية أو الكرامة، أو الإنصاف أو تكافؤ الفرص ينبغي أن يبدأ الوعي بأهميتها والعمل المخلص على تفعيلها من داخل الأسرة وفي سياق ما اصطلح التربويون والاجتماعيون على وصفه بأنه عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي.

وربما تتركز أهمية هذا الكتاب من منظورنا العربي الإسلامي في أن المؤلف (ص52 وما بعدها) يعوّل كثيرا على ما يسميه باتساع أو بازدهار حقوق الإنسان "عندما يتم التحول الجغرافي (على خارطة العالم) من أوروبا إلى اسطنبول، وبمعنى أن تسود هذه المبادئ الإنسانية الجامعة أرجاء القارة الآسيوية والشرق الأوسط بقدر ما سادت أصقاع القارة الأوروبية في مراحل سبقت من عمر الزمان الحديث بعيدا عن الآثار السلبية، أو هي الثمار المريرة التي كان على العالم أن يتحملها أو يتجرع غصتها في أعقاب حادثة سبتمبر 2001.

لاعجب أن يصف كتابنا المرحلة الراهنة بأنها يجب أن تحمل عنوانا له دلالاته الخاصة وهو: عصر الحقوق.

 

كيف تضررت الحقوق؟

والكتاب يسّلم بأن هذه الحقوق، وهي حقوق الإنسان العالمية الشاملة بالدرجة الأولى، تضررت كثيرا، وطالما تعرضت للإفتئات عليها والتعدي على بنودها وأحكامها ،وخاصة في غمار ما وصف مع بدايات القرن الجديد الحالي بأنه الحرب على الإرهاب التي كان من شأنها إباحة، أو بالأدق استباحة ومصادرة حقوق البشر وحرياتهم الأساسية (على نحو ما شهده مثلا سجن أبوغريب في العراق أو معتقل غوانتنامو في مياه البحر الكاريبي).

ومع ذلك فكم عانت حقوق الإنسان من تعديات انحدر بعضها إلى وهدة التطهير العرقي، بل والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وهو ما شهدته ساحات الصراع الدموي في البلقان (يوغوسلافيا السابقة)، فضلا عما سبقت أطراف شتى إلى ارتكابه من جرائم بشعة، منها مثلا الاغتيال والاختطاف والإخفاء القسري للمعارضين على يد نظام الجنرال "أوغسطو بينوشيه" في شيلي خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين.

في ضوء هذا كله، يحمد النقاد والمحللون لهذا الكتاب أن مؤلفه لم يقتصر على الجانب النظري، أو على مجرد الدعوة أو الدرس التحليلي لقضايا حقوق الإنسان، ولكنه عمد إلى غزل نسيج يجمع بين خيوط التتبع التاريخي وخيوط البحث الأكاديمي ثم خيوط الشواهد والنماذج المستقاة من الممارسات التي شهدتها أرض الواقع في أكثر من قطر أو منطقة من مناطق عالمنا، وكأنه بهذا يحث قارئ الكتاب على المشاركة في تدارس القضايا المطروحة باعتبار أن قضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية لا تخصّ فردا بعينه ولا ثقافة بذاتها، ولكن جوهرها يتسم، بحكم التعريف، بصفة العالمية والشمول على اختلاف الأجيال وعلى تباين البلدان وتنوع الأنساق الثقافية والمعرفية واختلاف المراحل والتجارب التي عاشها وكابدها البشر على مر التاريخ.