ينتمي هذا الكتاب إلى ذلك الفصيل من الدراسات التي يشغف بها عامة القراء، بحكم أنها تجمع بين عنصري الفائدة العلمية والطرافة من حيث تناول الموضوعات المطروحة ومقاربة القضايا المثارة.
وربما يتصدر هذه النوعية أشهر كتاب في هذا السياق وهو الذي قدم أحداث وملابسات ثورة أكتوبر البلشفية في روسيا بكل ما ترتب عليها من أحداث جسام ونتائج بالغة الخطورة. صدر الكتاب المذكور تحت عنوان «10 أيام هزت العالم». أما مؤلف كتابنا فقد جمع 100 من أحداث التاريخ وبدأها من مراحل سبقت في ما قبل الميلاد ثم واصل متابعة هذا الرصد عبر عصور وانعطافات في مسارات الأحداث إلى أن وصل بها إلى أواخر عقد التسعينات ومن ثم إلى هذه السنوات الراهنة من القرن الواحد والعشرين.
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب هو تفهّم المؤلف لما يمكن وصفه بأنه حالات الضعف الإنساني، تلك التي قد تؤدي إلى تصورات مغلوطة أو إلى اجتهادات خاطئة، وإن كانت مشكلتها أنها ــ كأخطاء ــ لا تقتصر آثارها السلبية على الأفراد من صانعي السياسات أو متخذي القرارات، ولكنها تؤثر بداهة ــ وفي حالة القادة والزعماء ــ بالذات ــ على جماهير غفيرة من ناحية، بل قد يدوم تأثيرها كي يلحق أجيالا متوالية من ناحية أخرى. والأهم من هذا كله أن يخرج القارئ العادي، فضلا عن القارئ المتخصص أو القارئ المسؤول، بدروس مستفادة من عبرة التاريخ مما قد يؤدي إلى مزيد من ترشيد رسم السياسة وصنع القرار على السواء.
للمفكر والشاعر الأميركي المعاصر جورج سنتايانا _1863-1952) آراء طريفة بقدر ما أنها مريرة وثاقبة بشأن حوادث التاريخ وآراء ومذاهب المؤرخين، حيث يقول: الذين لا يستطيعون التعلم من التاريخ محكوم عليهم بأن يكرروه. ثم يقول أيضا: التاريخ ليس إلا حزمة من الأقاويل عن أحداث لم تقع قط ولكن يرويها أناس لم يكونوا من شهودها في يوم من الأيام..! من هذه الرؤية ينطلق كتابنا الذي يجمع، حتى من بداية عنوانه، بين استقاء العبرة من أخطاء التاريخ وبين طرافة السرد الذي نرى فيه تخفيفا فكريا أو ترويحا تاريخيا عما يكابده القارئ العربي في هذه المرحلة بالذات من معاناة يومية، وخاصة في غمار مطالعاته ومتابعاته لما يتلاحق على ساحة الوطن العربي الكبير من أحداث وتطورات.
أسلوب تجميع الأحداث
وعندنا أن وضْع هذا الكتاب يصدر عن التراث التجميعي الذي يعود إلى المؤلفين الموسوعيين في عصور سبقت، بقدر ما يحذو أيضا حذو مؤلفين وكتابات في عصرنا حاول أصحابها أن يوجزوا حوادث التاريخ ودروسه المستفادة في أعمال بالغة التكثيف وبليغة الأسلوب وكان في مقدمتها، وربما أشهرها كتاب الصحفي الأميركي «جون ريد» عن الثورة البلشفية في روسيا، الذي يحمل عنوانه المعروف: عشرة أيام هزت العالم.
وهو يحكي بداهة عن أحداث الأيام الحاسمة العشرة التي تزامنت مع نشوب ثورة روسيا على حكم القياصرة في أكتوبر عام 1917. التراث نفسه أو الأعراف البحثية ذاتها هي التي دفعت 20 من كبار الباحثين والمؤرخين المدنيين والعسكريين إلى إعداد كتاب يجمع بدوره بين الفائدة والطرافة وقد صدر محررَّا بقلم باحث أمريكي مرموق هو «روبرت كاولي» واختار له العنوان التالي: ماذا، لو..؟
وجاء التفسير في عنوان تمهيدي يتساءل بدوره: ماذا كان يمكن أن يحدث لو، وعلى سبيل المثال لو كان نابوليون لم يخسر موقعة «واترلو» عام 1٨15، بل انتصر فيها، ومن ثم واصل بناء طموحاته الإمبراطورية في أوروبا وفي العالم..؟ أو لو كان هتلر قد تذرع بشئ من الحكمة والتأني فلم يغامر بالزج بقواته المسلحة في عملية «باربروسا» التي هاجم فيها الأراضي الروسية، وكانت هذه العملية هي أول وأخطر مسمار في نعش الرايخ النازي الذي كان مسطرا على الحكم في ألمانيا الهتلرية..؟
100 خطأ في التاريخ
من هنا أصبح من حق كتابنا أن يصّدر طروحاته للقارئ موضّحا بدوره أنه يعرض على القارئ الانتكاسات والعثرات التي أدت إلى سقوط إمبراطوريات وانهيار اقتصادات وكان أن غيرت مسارات التاريخ، وهو يقدم على وجه التحديد 100 من هذه العينة. مع هذا كله فقارئ كتابنا لا يلبث أن يدرك أن من الأخطاء ما كان مفيدا للإنسانية في استقاء العبرة وتعلم الدروس ذلك ما قد نطلق عليه اجتهادا الوصف التالي: جدل التاريخ. ألا ترى مثلا إلى أخطاء حاكم مصر القديمة ، اخناتون، عندما رفض تقديس المعبود القديم آمون رع، كان ذلك كما يوضح مؤلفنا في عام 1390 قبل الميلاد، يومها بشّر اخناتون بفكرة معبود واحد بغير شريك اسمه «آتون» وهو الشمس.
ورغم أنه أخطأ حين بالغ في دعوته التوحيدية دون سابق تمهيد وأوغل في تحطيم آثار من سبقوه ومحو معالمها، إلا أن أخطاءه أسفرت عن تنبيه أو تمهيد البشرية عبر مسيرها الطويل إلى ما جاءت به رسالات السماء بعد ذلك من دعوات إلى توحيد خالق الكون عز وجل.
هناك خطأ تاريخي آخر واكب سيرة الفاتح المقدوني الأشهر، الاسكندر الأكبر: ففي إحدى المعارك على مشارف الهند، لم يصغ الاسكندر إلى نصائح معاونيه بالعودة إلى اليونان والاكتفاء بما أنجزه من فتوحات، كانت تستبد به شهوة خوض المعارك «كما يقول مؤلف كتابنا (ص33)، وهكذا دخل ساحة الحرب وأصيب بسهم في صدره حتى شارف على الموت، ومع ذلك نجا وعاد إلى اليونان بآثار حمى من جراء الإصابة شبه القاتلة، وحين وافاه الأجل عام 322 للميلاد، ارتكب الاسكندر خطأ آخر حين سأله أركان حربه: لمن تترك (مواريث) الإمبراطورية؟ فأجاب الاسكندر قبيل الرحيل: أتركها للأقوى. هذه العبارة بالذات هي التي أفضت إلى اشتعال الحروب بين المتنافسين من معاونيه وأركان حربهم على حكاية «الأقوى» وكم كلفت هذه الحروب من أرواح البشر ودمار العالم.
عندما اغتالوا قيصر
وثمة خطأ آخر وقع بالتحديد يوم 15 مارس عام 44 قبل الميلاد، وهو يوم اغتيال «يوليوس قيصر» على يد أفراد من كبار الساسة في روما التي كان يحكم إمبراطوريتها. هنا يوضح كتابنا أن قيصر كان دكتاتوراً. لكنه كان قائداً عسكرياً مقتدراً، وكان حاكما طبقت شعبيته الآفاق بعد أن استطاع أن يحقق لروما الإمبراطورية كل أسباب المنعة والازدهار في تلك الحقبة من العالم القديم، وصحيح أيضا أن الذين اغتالوه كانت حجتهم هي القضاء على حكم الفرد والتحول إلى ديمقراطية روما.
ولكن الصحيح أيضاً أنه كان بوسع مجلس شيوخ روما وقتها أن يتصدى لقيصر، وأن تشحب شعبيته بمرور الأيام وخاصة بعد عجزه عن تلبية كل مطالب الشعب، لكن الذي حدث أن أدى اختفاء قيصر من الصورة، لا إلى عودة الديمقراطية إلى حكم روما، بل إلى فتح الطريق أمام مزيد من الطغاة المستبدين بل والمجانين، الذين لا يزال يذكر التاريخ أسماءهم وأفاعيلهم ومنهم مثلا «كاليغولا» السفاح و«نيرون» الذي قام بإحراق روما نفسها.
ثم تتوإلى أغلاط التاريخ عبر العصور التي يستعرضها المؤلف «بيل فوست» إلى أن يصل بنا أو نصل معه ، بحكم مقتضيات المساحة، إلى مطلع القرن التاسع عشر سنة 1805 على وجه الخصوص. هنا يكمن الخطأ التاريخي كما يحصيه كتابنا في الحادثة رقم 44 وعنوانها هو: معركة الأباطرة الثلاثة. وهذا الثلاثي يضم على وجه التحديد كلا من «فرانسيس الثاني» إمبراطور النمسا و«الكسندر الأول» إمبراطور (قيصر) روسيا، ثم «نابوليون بونابرت» وكان هو إمبراطورا مستجدا على عرش فرنسا.
ترتبط سنة 1805 بمعركة «أوسترلتز» الشهيرة في حوليات التاريخ الأوروبي. وقد سبقها تحالف كان «بونابرت» يخشاه بحق بعد أن جمع بين إمبراطور النمسا وإمبراطور روسيا، من هنا كانت جيوشهما (85 ألف مقاتل) تفوق قواته الفرنسية (65 ألف مقاتل) وفي منطقة «اوسترلتز» كان الحليفان ينعمان بميزة موقع استراتيجي يفوق قوات بونابرت، فماذا يفعل؟
لقد عمد إلى كشف الجناح العسكري الأيمن لقواته مما أغرى قوات النمسا وروسيا باقتحامها، فكان أن حوصر المهاجمون داخل كماشة كان نابوليون قد أعدها بحكمة مستفيدا من فرط الثقة التي حجبت عن الحليفين رؤية الأمور، وهكذا حقق الغازي الفرنسي نصراً مؤزراً. ولو كان العكس هو الذي حدث لما دفع العالم ــ الأوروبي بالذات ــ مئات الآلاف من القتلى والجرحى لكي يهزم بونابرت ويقضي على طموحاته التوسعية في أوروبا وخارجها، وكان ذلك كما هو معروف خلال معركة «واترلو» الشهيرة بعد «أوسترلتز» بعشر سنين.
لكن هزيمة «واترلو» نفسها وقعت بعد تمهيد مأساوي بدوره، ارتكبه بونابرت عندما قرر غزو روسيا في عام 1812. هنا يقرن مؤلف الكتاب بين خطأ بونابرت في غزو روسيا (الغلطة 45) وبين خطأ آخر تم ارتكابه في قرن آخر، هو القرن العشرون، وفي المكان نفسه وهو روسيا (الغلطة 46). وكان صاحب الخطأ الثاني ــ كما أسلفنا ــ هو الزعيم الألماني «هتلر» في عام 1941.
الزعماء لم يتعلموا
والمعنى المباشر هو أن من الناس ــ حتى الزعماء والقادة ــ من لا يتعلم من دروس التاريخ، لقد عادت جيوش بونابرت مهزومة بعد أن غاصت أقدامها في أوحال روسيا الجليدية، ثم عاود هتلر ارتكاب الخطأ نفسه بعد بونابرت بنحو 129 سنة من عمر الزمان، ومن عجب أن يؤدي الخطأ الأقدم إلى هزيمة «بونابرت» في معركة «واترلو» فيما يؤدي الخطأ الأحدث إلى اندحار «هتلر» في معركة «برلين» بعد «واترلو» بمدة قوامها 130 سنة.
وبمناسبة الصراعات العسكرية، يقف كتابنا عند الخطأ رقم 64 وقد حدد الكتاب وقوعه في عام 1926، أي بعد نحو سبع سنوات من توقيع معاهدة «فرساي»، وهي معاهدة الصلح الشهيرة التي أنهت صراع الحرب العالمية الأولى.
المعاهدة نفسها كانت خطأ جسيما إذ انطوت على خطأ فادح على نحو ما يلمح مؤلف هذا الكتاب. لماذا؟ لأنها استفزت ألمانيا بدعوى أنها كانت الطرف المهزوم في الحرب حين قضت بقسوة بتقليص حجم وتسليح الجيش الألماني بدعوى «التأكد من أن لا يستطيع الجيش المذكور مهاجمة جيرانه مرة أخرى..» (ص251).
ويعلق المؤلف قائلا: في هذا الصدد، طبقت المعاهدة على نحو تعيس للغاية، بل كانت هي السبب الوحيد الذي دفع ألمانيا لالتماس سبيل للتخلص من قيودها، وكان أن بحثت برلين عن طرف خرج بدوره مضارا من جراء المعاهدة، وسرعان ما وجدته في روسيا البلشفية التي تَعَامل معها الحلفاء المنتصرون (في غرب أوروبا وأميركا) معاملة مهينة، وهكذا تحالف المنبوذان ــ الألماني المهزوم والروسي الشيوعي: كان ذلك منذ أواخر العشرينات إلى أواخر الثلاثينات، كانت معاهدة فرساي تحظر على ألمانيا حيازة أي سلاح للدبابات.
لكن الطرفين المنبوذين وقّعا معاهدة «راباللو» التي أتاحت التعاون الذي زود الألمان بالدبابة سلاحا وتدريبا على يد الخبراء الروس الذين مكّنوا برلين ــ ولاسيما بعد صعود هتلر إلى الحكم عام 1933 ــ من تجهيز أسلحتهم القتالية، وهي الأسلحة نفسها التي ما لبث أن اقتحمت الأراضي الروسية في خطأ كارثي آخر اقترفه هتلر نفسه عندما غزا موسكو وأوقع قواته فريسة للصمود الروسي المشهود في معارك ستالنجراد.
ثم يمضي كتابنا عبر السنوات التي توالت منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى أخطاء الرئيس بوش الابن في التعامل مع إعصار كاترينا في عام 2008، والمؤلف يفصّل مثلا ما شاب الحرب الكورية في مقتبل الخمسينات من سوء تفسير لتصريحات الساسة الأميركان، ومن ثم الزج بالجنود الأميركان في قتال الشمال والجنوب في أدغال جنوب شرقي آسيا، ثم ها هو يفصّل الحديث بإسهاب ملحوظ (عبر الصفحات 350 ــ 156) عن فشل معركة «خليج الخنازير» لغزو كوبا ــ كاسترو الشيوعية.
ويعزو هذا الفشل الذي منيت به أميركا تاريخيا، إلى أنهم تصوروه نموذجا، لما تم من نجاح غزو دولة جواتيمالا المجاورة في قارة أميركا اللاتينية، وهنا يختتم مؤلفنا تعليقه على حكاية خليج الخنازير في سطور يقول فيها: ولو كانت خطة هذا الغزو قد نجحت، أسوة بما حدث من غزو جواتيمالا، لكانت الصورة قد تغيرت تماما في نصف الكرة الغربي من العالم، فقد كان من شأن كوبا «الرأسمالية» (في حالة هزيمة كاسترو التي لم تتحقق بالطبع) أن تثّبط العزائم عن ما تعرضت له أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية من مؤثرات شيوعية.
ثم يلمح المؤلف إلى التسرع الذي قرر فيه الرئيس كيندي غزو كوبا، فيضيف المؤلف قائلا: ترى لو لم يفقد كيندي أعصابه وقتئذ (1961)، هل كنا نصادف «هوغو شافيز» (في فنزويلا المجاورة) في يوم من الأيام.؟ ولا يزال تساؤل المؤلف مطروحا، وليس بوسع أحد أن يجد إجابة شافية، اللهم إلا أن يقول على سبيل المثال: إن للقدر تصاريف عجيبة، وللتاريخ مسارات وتحولات وانعطافات يغيب فهمها أو توقعها عن الفهم أو الاجتهاد البشري في بعض الأحيان.
الكتاب: 100 غلطة غيرت مسار التاريخ
عدد الصفحات: 387 صفحة
تأليف: بيل فورست
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بيركلي، نيويورك، 2011
