أكثر من 50 زيارة قام بها للصين عبر 40 سنة المفكر والسياسي الأميركي الشهير الدكتور «هنري كيسنجر» منذ زيارته الأولى للعاصمة بكين في مطالع عقد السبعينات من القرن العشرين.
ورغم أن كيسنجر أصدر كتباً عدة ودراسات، فضلا عما ألقاه من محاضرات وما شارك به من منشورات، فقد عمد الرجل إلى إصدار كتابه الحالي «عن الصين» باعتبار أنه كان أول من طرق أبواب سور الصين العظيم، خلال المراحل الأخيرة من زعاماتها التاريخية، وفي مقدمتها كل من «ماوتسي تونغ» ورئيس وزرائه المثقف «شوين لاي»، وفي سطور الكتاب يوضح «كيسنجر» أبعاد الفارق النوعي الذي باتت تتصف به صين القرن الـ21 عن صين الخمسينات إلى السبعينات من القرن الماضي، وهو الفارق الفاصل بين أعقاب الانغماس في الشأن الايديولوجي ومن ثم العزلة النسبية عن العالم، وبين الصين التي تتبع نهجاً أكثر واقعية وتنشغل ببناء اقتصاد بالغ القوة وتفعيل برامج الحد من الفقر في كثير من مناطقها، فيما تؤجل دعوات وخطط التوحيد السياسي مع تايوان، ثم تشكل موضوعياً أكبر دائن وأكبر شريك تجاري للولايات المتحدة الأميركية.
من هنا فالكتاب يمثل في التحليل الأخير خلاصة تجارب خاضها واحد من مخضرمي السياسة الخارجية والعلاقات الدولية في أميركا، ويأتي صدوره في خضم أدبيات سياسية وفكرية متلاحقة تتناول بالذات قضية من أخطر قضايا الشأن الأميركي وهي قضية صعود الصين.
على طريقة المؤلفين والمفكرين الكلاسيكيين اكتفى «هنري كيسنجر» بأن يختار عنواناً كلاسيكياً بدوره ليضعه على صدر الكتاب الذي نقدم له عرضاً تحليلياً في هذه السطور. والعنوان ببساطة هو: عن الصين.
لكن هاهو الدكتور «كيسنجر» يعمد إلى تخصيص كتاب كامل تكاد صفحاته تقارب الستمئة صفحة كي تتناول بالذات موضوعاً واحداً يحمل بدوره عنواناً من كلمة وحيدة هي: الصين.
ويكاد كتابنا يطل على هذا الموضوع من زاويتين تنتمي كل منهما إلى عنصر الزمان.
ــ الزاوية الأولى: هي منظور المستقبل، وباعتبار أن هناك ما يمكن أن نصفه من جانبنا بأنه «الهاجس الصيني» الذي يتمثل بالدرجة الأولى في كوْن الصين هي أكبر دائن مالي للولايات المتحدة، فيما تشكل أكبر مصدّر (بتشديد الدال) إلى أسواق الاستهلاك الأميركية، لا على أساس تصدير المواد الأولية أو الخامات التي تشكل مدخلات في عمليات الصناعات التحويلية وهو ما يجسّد العلاقة النمطية التي ظلت تربط بين الدول السوبر متقدمة في أميركا وغرب أوروبا وبين دول شتى في العالمين الثاني والثالث، ولكن على أساس علاقة ندّية أو شبه ندية، حيث باتت السوق الداخلية الأميركية تستوعب المصنوعات الصينية المتقدمة وتتنافس على صعيدها منتجات التكنولوجيا الصينية، التي تتمتع بداهة بميزة نسبية تتمثل أساساً في رخص أسعارها ودقة موافقتها أو تلاؤمها مع أذواق واحتياجات عامة المستهلكين.
ــ أما الزاوية الثانية: فتتمثل في البعد الماضوي وهو ما يتعلق بحقائق ووقائع التجربة بالغة الأهمية والثراء التي حصلها هنري كيسنجر في غمار علاقاته مع بكين، تلك التي بدأت وتطورت ونضجت في حقبة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون مع مطالع عقد السبعينات من القرن الماضي.
ويكفي أن نسجل مع الناقد الأميركي «ماكس فرانكل» الحقيقة البسيطة التالية: إن الدكتور هنري كيسنجر لم يقتصر دوره فقط على كونه أول مسؤول سياسي أميركي موفد من واشنطن إلى بكين بالأدق إلى الصين الشيوعية، ولكنه أيضاً أهم مسؤول سياسي ودبلوماسي وأكاديمي أميركي تعددت زياراته إلى العاصمة الصينية ولقاءاته مع أجيال من زعمائها الكبار على مدار اربعة عقود حتى الآن، حتى ليبلغ عدد هذه الزيارات الكيسنجرية إلى أرض التنّين الصيني في أقصى شرق آسيا أكثر من 50 زيارة بالتمام والكمال.
البداية كانت لعبة
وإذا كانت فصول كتابنا تعبر عن نضج العلاقة بين الطرفين، كيسنجر والصين، فإن بدايات هذه العلاقة كانت من أبسط، إن لم تكن من أغرب ما يكون؛ ذلك لأنها أدخلت إلى قاموس وأعراف الدبلوماسية والعلاقات السياسية الدولية نمطاً كان مستجداً مع مطلع السبعينات على هذا المجال، إنه السياسة عن طريق الألعاب الرياضية وبالتحديد سياسة تنس الطاولة.
وبمعنى أن بدأت تباشير هذه العلاقة منذ 40 سنة بتبادل فريقي التنس الزيارات الرياضية كما نؤكد بين واشنطن وبكين.
قبلها ظلت أميركا في حال من الحرب غير المعلنة ومن الإصرار الرافض والمتواصل لوجود، مجرد وجود الصين الأم بوصفها طرفا فعالاً ودولة معترفاً بوجودها على الساحة الدولية، هذا الموقف الأميركي الغريب بدأ مع رئاسة «ترومان» في عام 1949، عام اندلاع الثورة الشعبية في الصين بزعامة «ماوتسي تونغ» وإعلان قيام دولة جديدة تحت عنوان «جمهورية الصين الشعبية» التي قامت تحت أعلام الشيوعية واعتنقت الأيديولوجية الماركسية. ومن يومها، وعلى مدار عقدي الخمسينات والستينات، ظل الكابوي الأميركي يرفض الاعتراف بالدولة المستجدة البليونية السكان في بكين، فيما تُولي اعترافها بكيان أصغر حجماً وأقل شأناً بالمقارنة وهو دولة ما كان يُعرف وقتها باسم «الصين الوطنية» في جزيرة فورموزا التي أصبحت تعرف باسم تايوان.
لكن هاهو كيسنجر في كتابه الجديد، الذي نعرض له في هذا المقام، يؤكد على أن مصالح أميركا مع نهاية الستينات كانت تقتضي تغيير هذا الموقف، لا حّبا في سواد عيون الصينيين ــ رغم ضيق حدقاتها ــ ولكن توخياً لتحقيق المصالح القومية لأميركا بالدرجة الأولى.
الواقعية السياسية
هنا تنضح سطور كتابنا بما نصفه بأنه نهج الواقعية (ريال بوليتيك) وهو نهج تعود مرجعيته إلى الفكر السياسي الألماني بالدرجة الأولى. وهنا أيضاً لا ننسى أصول كيسنجر الألمانية من جهة فضلاً عن انكبابه من جهة أخرى على دراسة الواقعية السياسية عند الوزير النمساوي الأشهر «لوثر مترنيخ» (1773 1859) الذي كان مهندس التوازنات والأوضاع الأوروبية بعد حقبة «بونابرت» منذ عام 1815 للميلاد والمعروف أن «مترنيخ» ونهجه السياسي كان موضوع رسالة «كيسنجر» لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية.
وبإيجاز شديد كانت المصلحة العليا لأميركا هي محاولة الخروج من مستنقع الحرب في أدغال فيتنام وخاصة في مواجهة جماعات «الفييتكونغ» الشيوعية المدعومة بالاتحاد السوفييتي، وكان مهماً وقتها موازنة النفوذ السوفييتي بنفوذ الطرف الشيوعي الآخر الذي يحمل اسم الصين.
ماذا دار في الصين؟
ولقد تكشّف، فيما بعد، أن الجانب الآخر من هذه المعادلة كان بدوره تواقاً إلى إمكان التواصل مع الطرف الأميركي، نعم كانت صين ذلك الزمان تتطلع إلى كسر طوق العزلة الذي كان مفروضاً عليها كي تخرج إلى الساحة العالمية وتتبوأ مقعدها الذي تستحقه بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي.
هذه الحقيقة يؤكدها مؤلف كتابنا حين يقول بالحرف: كان من المحتم أن يعمل كل من الطرفين الأميركي والصيني على التماس التواصل بينهما، ولم يكن من ذلك مناص بحكم ضرورات الظروف في ذلك الزمان، وأياً كانت نوعية (شخصية) القيادة في هذين البلدين فقد كان هذا الاتصال جديراً بأن يتم إن عاجلاً أو آجلاً في كل حال.
بعدها يوضح المؤلف أن أميركا كانت تعاني عقابيل تورطها في فيتنام: مظاهرات شعبية عارمة في عواصمها وعواصم العالم تندد بالحرب والدور الأميركي منها، وهو ما أجهد آليات السياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة وجعلها تتطلع إلى الشريك الصيني المستجد في آسيا، فيما كان الشريك المذكور، كما يوضح مؤلفنا كيسنجر في هذا الكتاب، يتطلع بدوره إلى قدر من حرية التنفس بعد طول إجهاد كما يؤكد المؤلف من جراء ما كان يعرف خلال عقد الستينات بأنه «الثورة الثقافية» ودليلها الأيديولوجي المعروف باسم «الكتاب الأحمر» الذي يحوي تعاليم العم «ماو» الذي كان بدوره قد دخل في صراعات أيديولوجية وإقليمية مع شريك الأمس الشيوعي ممثلا في الاتحاد السوفيتي.
هنا يذهب كيسنجر إلى أن المفاتحات الصينية ــ الأميركية التي بادر من جانبه إليها اتبعت القاعدة العتيقة البسيطة التي تقول: عدو عدوي هو صديقي.
لكن فصول الكتاب لا تلبث أن تتحول من هذه البساطة إلى مناقشة ما استجد على المشهد الدولي مع سنوات هذا القرن الجديد من عناصر التشابك والتعقيد.
الطرق إلى الاقتصاد
نحن الآن في عهد مختلف تماماً عن مبادرات كيسنجر ولقاءاته التي سبقت مع زعامات الأمس من آباء الصين المؤسسين، وفي مقدمتهم مثلاً رئيس الوزراء التاريخي «شوين لاي».
انتهت ثورة «ماو» الثقافية بكل مغارمها (جنونها كما يقول مصطلح الكتاب) وخرجت الصين من حصار أساليب التخطيط المركزي إلى اتباع أساليب أكثر تحرراً وأوسع آفاقاً في إدارة الشأن الاقتصادي، لتصبح قلعة عفية راسخة من قلاع البحث والتطوير والانتاج الصناعي في دنيا العولمة المعاصرة. لكن سقطت في الوقت نفسه امبراطورية الغريم السوفييتي الذي كان وكان أن انطلقت الصين من عزلة خانقة إلى استشراف آفاق أرحب على ساحة عالمية أوسع.
ماذا إذن عن الطرف الآخر من هذه المعادلة؟
يمضي كتابنا ليوضح كيف أن أميركا منذ عقد التسعينات ظلت تشعر بالتفوق بوصفها القطب الأوحد في عالمنا، وانطلق نفر من ساستها ومفكريها، وخاصة خلال حقبة المحافظين الجدد (نيوكونز) في ولاية بوش الابن إلى التبشير بما وصفوه بربيع الديمقراطية، لكن أميركا في الوقت نفسه، وهو ما يحرص المؤلف على اثباته طوحت بها المقادير لتصبح أكثر إدماناً وبصورة خطرة على ثلاثة من أنماط الاستهلاك وهي على وجه التحديد: النفط + السلع + القروض.
ومن عجب أنها أنماط تأتي في مجموعها، أو فيما يكاد يكون معظمها، من مصادر لا تتأتى ولا تتوافر إلا من خارج الحدود.
هذه المستجدات يراها المؤلف دافعاً منطقياً لتجديد آليات وأساليب العلاقة الحالية والمستقبلية بين واشنطن وبكين.
«واي كي»
وهنا أيضاً يحيل كيسنجر إلى ما أتيح له من دراسة نهج التفكير الصيني في الأساس، موضحاً بأن الثقافة الصينية تعتمد باستمرار مصطلحاً تعرفه بكين في لغتها على النحو التالي: واي كي. ومعناه، اذهب، أو انطلق.
وينطوي هذا المعنى ــ كما يسجل مؤلف الكتاب ــ على النزعة العملية ــ البرغماتية، كما يسميها كيسنجر لدى القيادات الحالية في الصين، مقابل الزعامات السابقة التي كانت تصدُر أساساً عن منطق الأيديولوجية وثباتها؛ لهذا يوضح المؤلف أن هذا المنطق جعل زعامات بكين الحالية وخاصة رئيسها «هوجنتاو» ورفاقه يكتفون بالبقاء داخل حدود الصين التاريخية، بمعنى الاستعداد أو بالأدق التريث لإنجاز إعادة التوحيد سلمياً بين الصين الأم وتايوان الجزيرة ولكن مع مواصلة التقدم الاقتصادي المرموق للصين، لا لأغراض التصدير وحسب ولكن أساساً من أجل استئصال شأفة الفقر في ربوع الصين واصقاعها.
على أن الكتاب في رأي جمهرة من المحللين والمفكرين الذين تناولوه فور صدوره مؤخراً، وفي تصورنا أيضاً أن كيسنجر يوضح بصراحة غريبة أنه يرى في الديمقراطية عبئاً على مهنة السياسة! يصدق هذا في رأيه على الأصوات الزاعقة للمطالبة بالديمقراطية داخل أميركا أو مطالبات أميركا ذاتها بكل صخب هذه المطالبات في خارج الحدود.
وهذا الذي يدفعنا إلى التصور بأن كيسنجر، وقد بلغ الآن أرذل العمر لايزال يطل على العمل السياسي وعلى فن إدارة الدول من موقع يخلط بين الواقعية السياسية والانتهازية السياسية.
وهذه النزعة بالذات هي التي جعلته لا يتورع، أيام كان مساعداً للرئيس «نيكسون» عن أن يقطع الطريق على سياسي أميركي آخر هو «روجرز» وزير خارجية «نيكسون» حين حاول «روجرز» أن يطرح مبادرات لتطبيق قرارات مجلس الأمن بما كان من شأنه إزالة آثار العدوان الإسرائيلي عام 1967 والعودة إلى حدود 4 يونيو حزيران من ذلك العام.
النزعة البرغماتية نفسها، ولنقل الانتهازية هي التي دفعت مؤلف كتابنا إلى أن يعرض على الصين، مع أوائل السبعينات أن يزودها بكل ما حصلته المخابرات المركزية الأميركية من معلومات عن الاتحاد السوفييتي وخاصة ما يتعلق بالقوى النووية التي قال كيسنجر: إن السوفييت كانوا يكدسونها بغرض تدمير الصين ذاتها.
وبالمناسبة فتلك معلومات مستجدة، جرت إذاعتها مؤخراً وبصورة متزامنة مع نشر هذا الكتاب.
الكتاب: عن الصين
عدد الصفحات: 586 صفحة
تأليف: هنري كيسنجر
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بنغوين، نيويورك،
