يأتي هذا الكتاب حلقة جديدة محدثة في سلسلة اهتمامات مؤلفه جوزيف ناي التي تكاد تتركز في فرع العلوم السياسية المعني بعناصر القوة بالنسبة للدول والنظم والقيادات، سواء في وطنه الأميركي أو في العالم بشكل عام. والكتاب يعيد التمييز الذي سبق إليه المؤلف من سنوات بين عناصر القوة المادية (الخشنة) وعناصر القوة اللامادية (الناعمة)، مبّينا أن كل عصر كان له معاييره الفريدة في تعريف القوة، ما بين سبائك الذهب في قوة أسبانيا القديمة إلى حيازة المستعمرات في قوة هولندا ومن بعدها بريطانيا، فضلا عن قوة أميركا عند منتصف القرن العشرين، متمثلة في تقدمها النووي وارتفاع معدلات أدائها الاقتصادي.

وينبه الكتاب إلى ما يطرأ على أوضاع قوة الدول من تحولات تعيد توزيع الإمكانات والموارد على خارطة العالم، محللا في هذا المضمار خارطة القوة الأساسية في الوقت الحاضر ما بين أميركا وأوروبا وما بين اليابان إلى دول مجموعة «البريكس» التي تضم كلا من روسيا والهند والبرازيل ثم الصين التي يراها المؤلف أهم هذه الدول الأربع، من حيث قدراتها العسكرية وميزانياتها الطائلة فضلاً عن عدد مستخدمي شبكة الانترنت على أرضها (400 مليون صيني) وإن كانوا يخضعون بصورة أو بأخرى لقدر من الرقابة الحكومية.

ثم يخلص الكتاب إلى ما يصفه بأنه «القوة الذكية» التي تقوم على أساس الفهم الواقعي لإمكانات القوة ولحدودها مؤكدا على ضرورة استشراف تحولاتها في المستقبل.

 

 

 

 

حارت البرية في تعريف المصطلح الإنجليزي «Power» ربما لأنه ينصرف إلى معان مختلفة وقد يصدق على دلالات شتى، وربما لأنه يكاد يرادف معنى القوة ومعاني المنعة ومعاني السلطة في آن معاً. بل إن المصطلح نفسه يكاد يرادف في الإنجليزية أيضا معنى الكيان السياسي الذي يطلق عليه وصف «الدولة».

وليس صدفة أن نصادف في الأدبيات السياسية الخلدونية (نسبة إلى ابن خلدون) مصطلح مرادفا تلخصه كلمة «الشوكة».

وفي كل حال، فقد نحاول فك هذه الاشتباكات إذا ما تصورنا أن كلمة «Power» يمكن أن تصدق على هذه المعاني جميعها، باعتبار أنها تصدر عن دلالة لا تخفى مؤداها بمعنى أن القوة أو المنعة أو السلطة أو الهيبة أو الشوكة أو حتى الجبروت الذي يمكن أن تتمتع به دولة ما إنما يتأتى أساسا من امتلاك الدولة المعنية لأسباب هذه القوة، وهي أسباب وركائز تقوم في جوهرها على الانفراد بحيازة موارد وإمكانات يعدها القوم في عالم الدولة المعنية وفي سياق عصرها ميزة فريدة تعلي من شأن الدولة المذكورة، وربما تمهد لها أسباب السيطرة على ما سواها من كيانات الحكم والسياسة على السواء.

 

مبدأ مونرو

ولعل هذا هو المغزى الذي قصد إليه مؤلف هذا الكتاب، بوصفه واحدا من كبار أساتذة علم السياسة وأصول الحكم في الولايات المتحدة، خاصة وأن مؤلفنا البروفيسور «جوزيف ناي» ، كان ومازال معنيا بأمر التوجهات الإمبراطورية التي تدفع أميركا إلى التماس دور الهيمنة ومحاولات السيطرة في مراحل شتى من تاريخها القصير نسبيا (أقل من 250 سنة) في عالمنا، وهي اتجاهات إمبراطورية كما عالجها البروفيسور «ناي» بعد أن بدأت هذه النزعة مع محاولات واشنطون، ولما يكن عمر أميركا المستقلة والمتحررة من الاستعمار الإنجليزي قد بلغ النصف قرن من أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

نعم بدأت واشنطون محاولات بسط النفوذ في عام 1824 مع إعلان ما يعرف في حولياتها السياسية بالاسم التالي: مبدأ مونرو.

والمبدأ يحمل اسم رئيسها «جيمس مونرو» (1758 1831) ومفاده باختصار شديد هو العمل على انفراد الولايات المتحدة بمقاليد الأمور في نصف الكرة الغربي (غرب المحيط الأطلسي) وهو ما ينطبق أساسا على قارة أميركا الجنوبية (اللاتينية) وطبعا على منطقة أميركا الوسطى الواقعة في البحر الكاريبي الفاصل بين الأميركيتين الشمالية والجنوبية.

 

أميركا ودورها

بعدما انشغلت أميركا بأمورها الداخلية، وخاصة مع اشتعال نيران الحرب الأهلية في ستينات القرن 19 ولكن بعد أن عاودت المشاركة في الصراع الدولي خلال سنوات الحرب العالمية الأولى (1914، 1918) وإعلان رئيسها «ودرو ويلسون» مبادئه الأربعة عشر الشهيرة حول حق الشعوب في تقرير المصير، انكفأت أميركا على نفسها خلال أزمة الكساد الفادح في عقد الثلاثينات إلى أن شاركت من موقع القيادة أو شبه القيادة هذه المرة ، في أحداث الحرب العالمية الثانية (1939، 1945) وخرجت منها وقد حسمت أمرها على النحو التالي: أن تتسلم واشنطون المسئولية عن قيادة الغرب العالم الحر كما كان يعرف مع منتصف القرن العشرين، منافسا شرسا وعنيدا لقيادة الشرق التي كانت من مسئولية الاتحاد السوفيتي.

ثم دامت هذه الأوضاع الى حيث شاءت أقدارها، أو فلنقل حسن طوالعها، أن أصبحت أميركا هي القطب الأوحد في عالم تسعينات القرن حيث نعمت إلى فجر القرن الواحد والعشرين بموقع هذا القطب الأوحد بعد زوال المنافس السوفيتي وهو ما دفعها، سواء بحكم إغراء المكانة أو منطق الأحداث أو مطامع الساسة أو معادلات السياسة إلى أن تراودها تطلعات الإمبراطورية التي عمد إلى التحذير من مغبتها مؤلف كتابنا حين أصدر منذ سنوات كتابه الشهير تحت العنوان التالي: تناقض الإمبراطورية.

ويرى المؤلف، من خلال رصده الواعي للتطور التاريخي، أن كل قوة إمبراطورية كانت تستند إلى «ميزة نسبية» تكفل لها موقع الفرادة إلى حد الهيمنة على ما سواها في دنيا الدول وعالم الشعوب.

 

تحولات القوة

ويسوق الكتاب في هذا المضمار أمثلة بليغة على النحو التالي:

ـ في القرن ال 16 كان قصب السبق في مجال التميز الإمبراطوري معقودا لأسبانيا، وكان هذا الوضع المتميز يعود إلى حيازة أسبانيا كنوزا من سبائك الذهب الإبريز مستقاة من مناجم مستعمراتها في قارة أميركا الجنوبية وغيرها فضلا عن رواج التجارة الأسبانية بين القارة الأوروبية ومستعمرات أسبانيا في أفريقيا.

ـ في القرن الــ17 تحولت الشعلة الإمبريالية كما نسميها لصالح هولندا التي امتدت سيطرتها الإمبراطورية إلى مستعمراتها في جنوب شرقي آسيا وخاصة جزر اندونيسيا، ومن ثم كان رواج تجارة هولندا وازدهارها المالي الذي جاء مسايرا وقتها للتحولات التي كانت تطرأ على عالم ذلك الزمان، انتقالا من عصور الإقطاع الزراعي في جوهره إلى عصر الرأسمالية التجارية الذي يعرف علميا باسم العصر «المركانتيلي».

ـ أما في القرن الثامن عشر فقد جاء دور فرنسا في الازدهار والرخاء المادي، لا بفضل المستعمرات، ولكن بفضل زيادة السكان واصطناع أساليب كانت محدثة في تلك الأيام أحسنت إدارة موارد وإمكانات الدولة الفرنسية.

ـ في القرن التاسع عشر تسلمت بريطانيا زمام القيادة في عالمها، أولا بفضل كونها مهد الثورة الصناعية، ثورة اكتشاف طاقة البخار، التي جعلت قاطرة المخترع الإنجليزي الرائد «ستيفنسون» تشكل نقلة خطيرة في عالم النقل والمواصلات، فضلا عن التحول نحو استخدام البخار في تثوير طاقة السفن من عصر الشراع الهوائي إلى عصر المدخنة مما كفل لبريطانيا أسطولا ظل يجوب بحار العالم ومحيطاته، رافعا علمها الإمبراطوري ومقتحما موانئ وثغوراً في أنحاء شتى من العالم كي تدخل تحت نفوذ الإمبراطورية الاستعمارية لبريطانيا التي أصبحت عظمى.

ـ في ذروة التنافس بين القطبين الأميركي والروسي خلال الحرب الباردة، كان معيار قوة الدولة برئاسة «كيندي» أو «خروشوف» مع مطلع ستينات القرن العشرين يتمثل كما يقول مؤلفنا في عدد وكفاءة ما يملكه هذا القطب أو ذاك من صواريخ نووية، وما يتمتع به من قدرات صناعية، وما يضمه من قوات مسلحة تتألف من عدد الجنود الجاهزين تحت السلاح والمزودين بالكمّ المطلوب من الدبابات القادرة على عبور مناطق التماس بين معسكري الشرق والغرب وخاصة في وسط أوروبا.

 

دور ثورة المعلومات

بعد هذا كله، يورد كتابنا تعليقا بليغ الإيجاز يقول فيه المؤلف، البروفيسور «ناي» ما يلي: لكن ها هو القرن الواحد والعشرون يحلّ على العالم، وقد حلّت معه حقبة ثورة المعلومات التي جعلت من كل ما عرضناه من أسباب المَنَعة والقوة عبر القرون التي سبقت، أمرا ماضيا عفا عليه الزمن وهو ما يدفعنا (كباحثين ومحللين) إلى أن نضطلع بالواجب المطلوب وهو: أن نعيد رسم خارطة علاقات القوة.

نحن إذن بإزاء تحولات القوة على نحو ما يرصده هذا الكتاب في الباب الثاني على وجه التحديد، لكن هذا الرصد كان لابد وأن يسبقه في الباب الأول تعريفات علمية وتحديدات منهجية لأنواع القوة التي يصنّفها المؤلف على النحو التالي:

القوة العسكرية.

القوة الاقتصادية.

القوة الناعمة.

ولأننا على إطلاع ومتابعة لما سبق وطرحه البروفيسور «ناي» من أفكار في الكتب المهمة التي أصدرها، فثمة كتاب تأسيسي كما نصفه من جانبنا صدر تحت العنوان التالي: القوة الناعمة.

وبديهي أن ذاع هذا المصطلح في كل مكان منذ أن صاغه مؤلف كتابنا ليعني به ما يلي: أن لكل بلد وكل شعب وكل دولة نوعين من أسباب القوة: أولهما القوة الخشنة (أو الصلبة) ويقصد بها القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة المادية بشكل عام، وهناك في المقابل توجد القوة الناعمة (أو اللينة) وتعني قوى الفكر والثقافة ومواهب الفن والإبداع وملكات الابتكار، وهي القوة اللامادية على نحو أو آخر.

وفيما يمكن أن تعتمد القوة الخشنة على حجم الجيوش وعدد وحدات ونوعيات الأسلحة، وعلى معدلات الدخل القومي وحجم الناتج المحلي الإجمالي وهي قيم ومقادير يمكن قياسها بل وتكاد تكون معروفة ومذاعة بالأرقام من طرف منظمات دولية وهيئات معنية ومتخصصة، فإن المؤلف يعمد إلى التنبيه (ص83) من كتابنا الى أن القوة الناعمة تتوقف في نهاية المطاف على عنصر أساسي تلخصه كلمة واحدة هي: المصداقية.

وعلى سبيل المثال، فإن قوة الإعلام في الدولة، أي دولة لا يمكن اعتبارها قوة ناعمة، إلا إذا كانت بعيدة عن التزييف أو الاصطناع، ناهيك عن الكذب والتمويه أو خداع جمهور المتلقين، في هذه الحالة يتحول الإعلام من دور التنوير والتثقيف الى دور البروباغاندا المكشوفة التي لم يعد يصدقها أحد في زمن الفضاءات المفتوحة.

أكثر من هذا أن القوة لا يمكن أن تكون أمرا ثابتا أو مستقرا بقدر ما تكون خاضعة للتحولات مع تطور الزمن وتبدل الأوضاع.

 

حدود القوة

بل تصدق هذه التحولات، كما يوضح مؤلف هذا الكتاب، مع سطور الفصل السادس، على تبدل نظرة الشعوب إلى معاني القوة والأدوار التي تضطلع بها الدول على ساحة عالمنا.

لقد تصور الناس بعد الحرب العالمية الثانية أن مقاليد الهيمنة في عالم النصف الثاني من القرن الماضي قد وصلت بصورة أو بأخرى الى يد أميركا.

بل إن هذا المنطق كان له ما يبرره (حتى في ظل منافسة القطب السوفيتي وقتها). لماذا؟ لأن أميركا كانت تحوز أكثر من ثلث الناتج العالمي، واستطاعت أن تحرز موقعا متقدما للغاية في مجال الأسلحة النووية، وحشدت قدرات غير مسبوقة في مجال الثقافة والدعاية والإعلام (ص154).

لكن هذا كله لم يحل دون عجز أميركا بجلالة قدرها عن منع «خسارة» الصين لصالح ثورة «ماو تسي تونغ» الشيوعية (المعادية للمعسكر الغربي)، ولا استطاعت أميركا أن تنجح في الحيلولة دون تقدم المد الشيوعي للتوغل في أقطار شرقي أوروبا، ولا حالت دون الوصول إلى طريق مسدود في الحرب الكورية، في أول الخمسينات ولا نجحت في الإطاحة بنظام «كاسترو» الشيوعي في كوبا مع آخر سنوات العقد المذكور.

في هذا السياق يحسن المؤلف صنعا حين يقدم للقارئ عرضا تحليليا موثقا بالأرقام يمثل خارطة لتوزيع ما يصفه الكتاب بأنه «موارد القوة» في مستقبل الأيام.

وخارطة التوزيع تعرض لقدرات وإمكانات القوة في كل من: أوروبا + اليابان + دول مجموعة «بريكس» التي تضم على حد ترتيب الكتاب كلا من روسيا + الهند + البرازيل + الصين.

 

ضرورات القوة الذكية

وفيما يخصصص المؤلف لكل من القوة الدولية السابقة نحوا من صفحتين أو ثلاث صفحات، إلا أن الصين يخصّها بالذات نحو 10 صفحات بالتمام والكمال. لماذا؟ لأن البروفيسور «ناي» يرى أن الصين تشكل كيانا عملاقا (ص177) سواء من حيث السكان أو من حيث الامكانات الاقتصادية بحيث تتساوى الصين مع مجموع الكيانات الثلاثة الأخرى التي تضمها مجموعة «بريكس» ذاتها.

وفي مجال الامكانات والقدرات يضيف المؤلف فالصين تملك أكبر جيش، وأكبر ميزانية عسكرية، وتحقق أعلى معدل للنمو الاقتصادي وأكبر حجم من مستخدمي شبكة الانترنت.

مع ذلك، وفي ضوء معيار القوة الناعمة، ينبه المؤلف من ناحية أخرى (ص183) الى أن الصين التي تضم نحو 400 مليون مستخدم لسبل الاتصال الالكترونية إلا أنها تتبع في الوقت نفسه أخطر نظام حكومي لأساليب مراقبة هذه الاستخدامات والتدخل في تدفقها.

ثم يطالعنا في الفصل السابع والأخير من هذا الكتاب بسطور موضوعية تقول ما يلي: القوة ليست أمرا جيدا ولا سيئا بحد ذاته. إنها مثل السُعرات الحرارية في النظام الغذائي بمعنى أن زيادتها ليست مفيدة في كل الأحوال.

صحيح أن النذر اليسر من القوة معناه الحدّ من الخيارات المتاحة أمام الدولة وأهلها، بقدر ما أن الصحيح أيضا أن الكثرة الوافرة من القوة يمكن أن تكون نقمة بدلا من كونها نعمة إذا ما أفضت الى الإفراط في الثقة بشكل مغرور ومن ثم الى اعتماد استراتيجيات لا تلائم الظروف والأحوال.

من هنا تأتي دعوة المؤلف الى التماس واعتماد صيغة معينة من صيغ أنماط القوة وهي: القوة الذكية.

هي تلك الصيغة التي تنطلق من فهم واقعي وموضوعي لموارد القوة وحدود القوة على السواء. وهي التي تتوخى الجمع بين عناصر القوة الخشنة (المادية) والقوة الناعمة (اللامادية) شريطة أن يقوم هذا كله على أساس استهداف تحقيق الأمن القومي في كل حال، فضلا عن ضرورة العمل على الاستشراف المتواصل لما ينطوي عليه المستقبل من تطورات على اختلاف الميادين، وفي ضوء تباين مواقع هذا التطور في طول العالم وعرضه.

 

 

 

الكتاب: مستقبل القوة

عدد الصفحات: 302 صفحة

تأليف: جوزيف ناي

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: ببلك أفيرز، نيويورك،