هذا الكتاب هو أول كتاب يتناول سيرة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بتفاصيل معمقة، تتابع خطواته منذ طفولته الأولى، صدر بعد ثورة ‬14 يناير لمؤلفه علي الزمرلي وهو اسم مستعار للجنرال البشير التركي الرئيس الأسبق للمخابرات العسكرية التونسية وزميل بن علي في سنوات عمله باستعلامات الجيش منذ خلال ستينيات القرن الماضي.

والكتاب يلقي الضوء على محطات بعينها من سيرة زين العابدين وبخاصة علاقته الغامضة بالقذافي، والأدوار المدهشة التي لعبتها النساء في حياته وصولاً إلى خروجه من تونس.

 

أصبح موضوع رئاسة ليلى بن علي لتونس فرضية ممكنة، في ظل الصراع على الخلافة بعد رواج إشاعة مرض الرئيس في العام ‬2004، وهذا الامر كان يستند الى موقع المرأة في تونس وحصولها على حقوقها منذ العام ‬1956، عندما صدر قانون الاحوال الشخصية كأول قانون عربي واسلامي يمنع تعدد الزوجات ويقيهن الطلاق ويساوي بين النساء والرجال، مما جعل البعض يروج لأن تكون تونس أول بلد عربي تحكمه امرأة، وقد ترأست ليلى بن علي منظمة المرأة العربية من مارس ‬2009 واحتضنت تونس المؤتمر الثالث لهذه المنظمة في أكتوبر ‬2010 في ظل تغطية اعلامية واسعة تم اعدادها بحرص متكامل على اظهار ليلى كزعيمة وقائدة وامرأة سابقة لعصرها.

لقد كانت فكرة ان تتولى ليلى بن علي رئاسة تونس مقبولة داخل بعض الاوساط التونسية ومن قبل بعض الشركاء الغربيين.

فليلى جميلة وأنيقة واختصاصية في التجميل وتعرف كيف تستثمر الجراحة التجميلية لتجاوز اي ترهل تقتضيه السن، وهي تقتني ملابسها من ميلانو الايطالية ومن كبار المصممين الفرنسيين، وتُفصّل لها القفاطين المغربية بمدينة فاس بمبالغ تتراوح بين ‬50 ألف دولار و‬100 ألف دولار، وتسافر على طائرة خاصة لاقتناء مستلزماتها وحاجياتها من دبي ولندن واسطنبول.

إلا أن كل ذلك لم يمنع عموم التونسيين من الاستخفاف بها والنظر اليها دائما كحلّاقة على سدّة الحكم، ناسجين حولها النكات والطرائف والنوادر.

كانت ليلى تحاول احتكار وسائل الاعلام لبث خطبها وكلماتها ولمتابعة انشطتها الاجتماعية وخاصة على رأس جمعية « بسمة»، كما كانت تدلي بتصريحات واحاديث لوسائل الاعلام العربية والدولية، ويؤكد من اقتربوا منها انها ذكية وموهوبة وسريعة التعلّم، حتى انها بعد ان حصلت على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) بالمراسلة في أوائل العقد الماضي، نالت الاستاذية في الحقوق من جامعة تولوز الفرنسية بالمراسلة ايضا وبمساعدة من عبد العزيز بن ضياء الاستاذ السابق للقانون والوزير المستشار لبن علي الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية.

 

اجتماعات الصالون الأخضر

وبغض الطرف عن طموحات ليلى للرئاسة، فإنها كانت تضع يدها على جميع القطاعات المنتجة في تونس، حيث تعودت على الاجتماع بأفراد اسرتها في الصالون الأزرق بمقر بقصر قرطاج لتقرير مصائر المشاريع العقارية وغيرها، كما كانت تسافر لعقد الصفقات في الخارج، وكلفت المقربين منها والوزارات والادارات بضرورة اعلامها بكل مشروع جديد تفوق ميزانيته المليون دينار (حوالي ‬700 الف دولار أميركي) لترى ما إذا كان مناسبا لتضع على رأسه احد أتباعها الأوفياء.

 

جمعيات خيرية للابتزاز

يعرف التونسيون ان الجمعيات الخيرية التي كانت ترأسها ليلى بن علي مثل « بسمة» و« سيدة» لم تكن غير آلية وأرضية للدعاية الاعلامية من جهة ولابتزاز اموال التونسيين تحت شعارات التضامن مع المرضى والمعاقين والفقراء من جهة ثانية.

ومن ذلك أن ليلى أسست جمعية لمرضى السرطان اطلقت عليها اسم والدتها « سيدة»، وتم اشهار الجمعية في حفل احياه الفنان اللبناني راغب علامة في يوليو ‬2010، وحضره رجال اعمال وشخصيات اجتماعية مرموقة تمت دعوتها من قبل المقربين من زوجة الرئيس بعد اعلام الجميع بأنه تم تخصيص طاولة لكل مدعو يحيط بها ما بين ‬10 و‬20 كرسيا، وان ثمن الجلوس على الكرسي يبلغ الفي دينار (‬1500 دولار)مما يعني ان حجز الطاولة الواحدة يتكلف ما بين ‬15 و‬30 الف دولار حسب عدد الكراسي، وما لم يذكره كتاب «بن علي الفاسد» ان راغب علامة غنى مجانا في الحفل، ومقابل حفل كبير في مهرجان قرطاج قبض عنه ‬80 الف دولار أميركي، ووساما من الرئيس لحق به الى بيروت.

و من رموز الفساد في تونس بلحسن الطرابلسي شقيق ليلى الاصغر (من مواليد ‬1961)الذي كان يقود عربة مجرورة لبيع الفواكه في حيّ لافايات بقلب العاصمة، ثم تحول الى عضو اللجنة المركزية للحزب الحاكم ورئيس مجموعة كارتاغو المتكونة من ‬50 شركة منها اذاعة موزاييك اف ام التي تحظى بأعلى نسبة استماع في العاصمة والمناطق المحيطة وبأكبر نسبة من مداخيل الاعلان، كما اصبح بلحسن مالكا لسلسلة من الفنادق الفخمة ولشركة طيران تحمل اسم كارتاغو تأسست على انقاض شركة طيران الجديد لصاحبها قطب السياحة المعروف عزيز ميلاد، واصبحت تستغل امكانيات شركة الخطوط التونسية الحكومية للصيانة والتزود بالوقود وقطع الغيار والتموين، بل وتحصل على الاولوية في اسناد الرحلات حسب اتفاق مبرم يوم ‬17 ابريل ‬2002، وفي العام ‬2008 اصبح بلحسن الطرابلسي رئيسا لادارة البنك التونسي في اطار صفقة مشبوهة، اطلق عليها الملاحظون اسم «الفضيحة»، ثم اضحى عضوا لمجلس إدارة البنك المركزي.

 

استبعاد الكفاءات

يقول مؤلف الكتاب إن زين العابدين بن علي جعل أغلب وزرائه يعملون في الظل، مما ساعدهم على الاستثراء وإثراء اسرهم والمقربين منهم، كما ان بن علي لم يكن يهتم لدخولهم مشاريع مشبوهة طالما أنهم أوفياء لشخصه وللمحيطين به من أفراد اسرته واسرة زوجته قبل الوظيفة التي يتقلدونها.

كما أن بن علي كان يحرص على اختيار المسؤولين عن المؤسسات العمومية ذات المسالك التمويلية كالخطوط الجوية والمصارف وشركات البترول والكهرباء والغاز والماء والإذاعة والتليفزيون ممن يعملون لفائدة حلفه، ولمصلحته الشخصية، وهم يدركون جيدا انهم يتحركون تحت انظار مساعدين لهم على صلة وثيقة بأقاربه يوفرون لهم المعلومات في كل آن وحين، وقد عرف مسؤولو عهد بن علي ان المهم هو البقاء في المركز الوظيفي لتحقيق اكثر ما يمكن من المصالح الخاصة، وحاول الوزراء اظهار انفسهم في الساحة على انهم مجرد منفذين للأوامر، وغير ضالعين في التجاوزات والمظالم والاخطاء التي تتسبب في توجيه انتقادات للنظام، وهو ما يعني كذلك أنهم ليسوا المسؤولين عن النجاحات والمكاسب التي كان الرئيس المخلوع يسندها الى نفسه دون ذكر مجهودات الحكومة التي وضعت لها الخطط والبرامج.

اما عن الفراغ السياسي فإنه وهم اراد بن علي الترويج له بالتشكيك في الكفاءات الحقيقية التي كانت ترفض الركوع والانحناء للديكتاتورية، وقد اتسعت دائرته من السياسة الى الادارة والجامعات والثقافة والمنظمات الوطنية والاعلام والشركات وغيرها، لتؤول المسؤوليات والمناصب المهمة الى الموالين لسياساته بقطع النظر عن كفاءاتهم وقدراهم الفكرية والعملية.

وقد أثّر هذا الاسلوب غير العادل على الأدمغة التونسية، التي يتم توجيهها للدراسة بالخارج على نفقة المجتمع، والتي تختار بعد حصولها على اعلى الشهادات البقاء في الدول التي زاولت فيها دراستها الجامعية او في دول اخرى تحترم الكفاءات، وهو امر يريح نظام بن علي الذي يخشى وجود الاذكياء والاكفاء والمستقيمين والعادلين الناشدين للمجتمع العادل والمستقيم والنظيف والمتوازن.

 

سياسة الرعب

كان نظام بن علي يعتمد على سياسة تخويف المواطنين من خلال منهجية عمادها الأول الأمن ثم الحزب الحاكم الذي جعل منه آلية للمراقبة بمساعدة عدد من المنظمات الوطنية منها الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وو الاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري واتحاد المرأة التونسية والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي، وهي منظمات وهياكل تجد الرعاية الكاملة في حين تتعرض المنظمات المستقلة أو المتمردة كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى المضايقات والاختراقات والحروب الإعلامية والتشويه المتعمد.

وإضافة إلى ‬139 ألف رجل امن ومليوني منخرط بالحزب الحاكم، كان هناك تأطير فردي يمر عبر لجان الاحياء (السكنية) والجمعيات (كان النظام السابق يقول إن عددها تجاوز ‬8000 جمعية)و العمد والمسؤولين المحليين والمرشدين الاجتماعيين، حتى ان الحياة الاجتـــماعية كانت خاضــــــــعة بالكامل للرقابة مما يمنع ظهور أي حركة مســـــــــــتقلة في المجتمع.

 

صندوق التضامن

منذ العام ‬1990 أعلن بن علي عن تأسيس الصندوق الوطني للتضامن، ليجعل منه حسب قوله آلية لتمويل المشاريع التنموية في المناطق المحرومة التي كان يطلق عليها اسم مناطق الظل، وكان الإعلام الرسمي يتحدث عن هدا الصندوق على انه الأول من نوعه عالميا وأنه معجزة تونسية تبنتها الأمم المتحدة وأصبحت مشروعا عالمــــــــــيا لمصلحة الإنسانية جمعاء، وفي يوم ‬8 ديسمبر من كل عام الذي يسمى اليوم الوطني للتضامن تتحرك المؤسسات والافراد والجماعات والجهات والمناطق لجمع التبرعات في تنافس واضح على الأسبقية وحجم التبرع، وبرغم أن التبرع كان في السنوات الأولى تطوعيا، فإنه في الأعــــــــوام الماضية تحول إلى عمل إجباري يواجه المتخلي عنـــــه بمحاسبة جنائية عسيرة، وكثيرا ما يجوب المسؤولون المحليون والأعوان البلديون وغيرهم الإحياء والشوارع لجمع التــــــــبرعات من المتاجر والمحلات والمدارس والمؤسسات التجارية عنوة، وقد حدث أن تعرضت محلات رفــــــض أصحابها دفع التبرعات إلى الحرق ليلا من قبل مجهـــــــولين.

وقد وصل الأمر إلى اقتطاع مبالغ من الصفقات التجارية الحكومية لفائدة صندوق التضامن، وهذا مربط الفرس، الذي لا يخضع لأية رقابة إدارية أو حسابية أو برلمانية ويعود حق التصرف فيه للرئيس وحده ما جعل التونسيين يشكّون في مآل الأموال، ويرون أنها تذهب لحسابات بن علي الخاصة في الداخل والخارج.

 

 

 

الكتاب: بن علي الفاسد

عدد الصفحات: ‬136 صفحة

تأليف: علي الزمرلي

عرض ومناقشة: الحبيب الأسود

الناشر: إصدار خاص ــ فبراير ‬2011 ــ تونس