صدر الكتاب قبل أسابيع. وجاء، كما يذكر المؤلف في مقدمته الضافية، ليشكل الجزء أو المجلد الأول من مشروع حافل وطموح يتمثل في استخدام منهج التحليل التاريخي لدراسة تطور فكرة النظام السياسي، الذي يجسده قيام الدولة التي تتمثل في مؤسسات متنوعة، وتستند إلى قدرة التنظيم والضبط ومراقبة الامتثال للقواعد المرعية في المجتمع الذي تتولى أموره، شريطة أن يتوافر العنصر الثاني في هذا المجتمع وهو عنصر حكم وسيادة القانون باعتبار أن قيام مؤسسة الدولة هو العنصر الأول من هذا الثالوث الجوهري الذي عمل الكتاب على متابعة ورصد تطوره منذ فجر الوجود البشري (المراحل البدائية في ما قبل التاريخ) وعبر حضارات عريقة في الصين والهند ثم عبر دول المماليك في الشرق الأوسط الإسلامي وصولا إلى عصر الثورة الفرنسية، أما العنصر الثالث فيبلوره الكتاب في وجود نظام للحكم يمكن مساءلته (بمعنى محاسبته) من خلال تفعيل إرادة (ومصالح) المحكومين.
من هنا يحق للمحلل الأميركي «مايكل ليند» أن يحمد لمؤلف الكتاب «جسارته» وإقدامه على مثل هذا المشروع البحثي الذي استشرف آفاقا متنوعة وتدَارَس نظما متباينة ونجح في إيفاء هذه الموضوعات حقها من حيث التفاصيل التي طرحها المؤلف والاستنتاجات التي توصل إليها.
في عام 1989، وبعد سقوط سور برلين الشهير إيذانا بأفول المعسكر الاشتراكي ومن ثم تصدع وزوال الاتحاد السوفييتي، صدر في أميركا كتاب في حجم متوسط ولكنه ما لبث أن حقق لطروحاته ولمؤلفه شهرة واسعة طوفت آفاق الشرق والغرب في تلك الحقبة الختامية من القرن العشرين. نتحدث عن الكتاب الذي حمل العنوان الشهير التالي: نهاية التاريخ ونتحدث بالتالي عن مؤلف الكتاب المذكور، المفكر أميركي الجنسية وياباني الأصول وهو: البروفيسور فرانسيس فوكوياما يومها كان العالم يشعر أنه على أعتاب عهد حافل بالإمكانات. يومها أيضا بدأ حديث رئيس أميركا وقتئذ، وهو جورج بوش الأب عن نظام عالمي جديد.
وكان الرئيس الأميركي يعني بطبيعة الحال نظاما تتبوأ فيه أميركا مكانة القطب الكوكب الواحد بعد انتصارها في الحرب الباردة وزوال خصمها الشيوعي السوفييتي اللدود من خارطة الواقع كي يدلف إلى زوايا التاريخ.
في هذا السياق كتب «فرانسيس فوكوياما» يشرح ما كان يقصده بشأن نهاية التاريخ، فقال: إن ما نشهده (في فاتح التسعينات) ليس مجرد نهاية الحرب الباردة ولا حتى فترة تؤرخ لما بعد حرب بعينها ولكننا نشهد نهاية التاريخ بمعنى نقطة النهاية للتطور العقائدي للبشرية ومن ثم تعميم الديمقراطية الليبرالية للغرب على مستوى العالم كله بوصفها الشكل النهائي للحكم الإنساني. تلك كانت رؤية فوكوياما قبل عقدين من زماننا. ومن جانبه أمضى الرجل السنوات العشرين السابقة في محاولة لتطوير هذه المقولة بالذات وهي محاولة تصدّرتها عملية بحث علمي يستهدف في الأساس تأصيل هذه الطروحات التي كان قد أودعها كتابه الذي ألمحنا إليه.
ملاحظتان استهلاليتان
وكان طبيعيا أن يتبع فوكوياما منهج التفصيل بعد الإجمال، وأسلوب الشرح المسهب بعد ما سبق إليه في كتاب نهاية التاريخ من تعمد الإيجاز.
وكانت نتيجة هذا كله هي كتابنا الذي نعرض لفصوله ومتونه بأسلوب تحليلي في هذه السطور بعد أن جاء الكتاب الصادر مؤخرا تحت العنوان التالي: أصول النظام السياسي.
والمؤلف يعني بالأصول أو المصادر نشأة التنظيم الذي قامت على أساسه فكرة «الاجتماع البشري» على حد مصطلح العلامة عبد الرحمن بن خلدون، حيث كان الأساس في حضارة البشر فوق سطح كوكبنا هو تكوين الجماعة الإنسانية وتطوير حياتها والارتقاء بأساليب معايشها عبر الزمان والمكان.
وقبل أن ننطلق في معايشة ما حوته الأبواب الخمسة وفصولها الثلاثون الذي يتألف منها محتوى هذا الكتاب، لا يفوتنا أن نسجل ملاحظتين:
الأولى: تتعلق بتصميم الغلاف الذي أبدعته الفنانة «بث مدلوورث» فجاء شاملا للوحات تجمع ما بين سور الصين العظيم وأيقونات إنسان ما قبل التاريخ فضلا عن هياكل المعابد الرومانية وتشكيلات أوروبا العسكرية خلال عصورها الوسطى فيما تألقت على صفحة الغلاف إبداعات حروف النسخ العربية تعرض الآيات الأولى من سورة الفتح. الثانية: إن فوكوياما يهدي كتابه الحافل (608 صفحات) إلى «صمويل هانتنغتون» ثم يسلم المؤلف في مقدمة كتابه بأن هانتنغتون، الذي رحل في الفترة القريبة الماضية، كان أستاذا له ومعلما، وعندنا أن هذا التأثر بالمعلم هو الذي جمع بين الرجلين من حيث الاهتمام بالتطور الحضاري للبشر، وان كان هانتنغتون قد ذاع صيته عندما نشر أطروحته الشهيرة في مطالع العقد التسعيني عن «صدام الحضارات» وهو ما أحدث ضجة رافضة لمقولاته وخاصة من جانب مفكرين ومسؤولين كبار في عالم المسلمين والإسلام، الذي تصوره الأستاذ الأميركي الراحل عنصرا وكيانا معاديا لحضارة الغرب الأوروبية الأميركية في مستقبل الأيام. وكان من هؤلاء المفكرين كما أصبح معروفا، الدكتور مهاتير محمد من ماليزيا والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي وكل منهما وخاصة الأخير ، كان يصدر عن منطق أكثر إيجابية و أوفى إنسانية وهو: حوار الحضارات.
مشروع فكري طموح
من ناحية أخرى يوضح مؤلفنا «فرانسيس فوكوياما» أن كتابه الذي بين أيدينا هو باكورة مشروع فكري واسع وبالغ الطموح، يستهدف في نهاية المطاف تتبّع تطور النظام السياسي الذي اعتمده البشر منذ أن وطئت أقدامهم سطح الأرض، وصولا إلى اللحظة التي نعيشها في الوقت الحالي، ومن هنا جاء تقسيم المشروع إلى مجلدين: يمثل كل واحد منهما مبحثا مستقلا وذاتي الاكتمال، من الناحية الزمنية على الأقل. ومن هنا أيضا فالكتاب الذي نعايشه في سطورنا الراهنة يغطي الحقبة الباكرة الأولى على نحو ما يوضحه العنوان الفرعي للكتاب وهو من عصور ما قبل البشرية (ما قبل الاجتماع البشري) إلى عصر الثورة الفرنسية (عام 1789).
وكان بديهيا والحالة هذه أن تبدأ مباحث الكتاب من عصر ما قبل الدولة وهو ما يعرفه المؤلف بأنه «حالة الطبيعة» التي بدأت بها الحياة البشرية. وكان طبيعيا كذلك أن تتميز هذه الحقبة بطابع فوضى ضاربة الأطناب يطغي فيها الأقوياء بدنيا ومن بعدهم أصحاب المهارات الخاصة والملَكَات والمواهب الذهنية المتميزة. حتى ولو كانوا من الأرومة نفسها وهو ما يصفه المؤلف بأنه «طغيان أبناء العمومة».
ومن ثم فقد كان طبيعيا أن يجهد البشر في التماس آلية تنظم علاقاتهم وتعمل على تقنين وضعية كل فرد لينتمي إلى هذه الجماعة أو تلك، حتى ولو كانت هذه الآلية تتسم بقدر من الحزم إلى درجة القسوة في بعض الأحيان.
هذا هو ما يعبر عنه الفصل الخامس من الكتاب (ص 80) تحت العنوان التالي: وجاء الليفايثان، وهو المارد أو الغول أو التنين الذي تحدثت عنه قديما وحديثا أساطير الشعوب. وهنا يقتبس مؤلفنا فوكوياما فكرة التنين الذي يرمز إلى الدولة في معناها المطلق من فكر الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) الذي نشر كتابه الأشهر تحت العنوان نفسه وكان يرمز فيه إلى الدولة بوصفها كيانا قاسيا وجبارا بل وغاشما بما يتيح له أن ينظم بكل حزم وانضباط حياة المحكومين.
ثلاث ركائز محورية
مع ذلك فقد عمد مؤلفنا إلى تسجيل أهم الخصائل الإيجابية للدولة التي ظل البشر يطمحون إلى العيش في ظلها، فيما دأبت الحضارات الأصيلة العريقة التي شهدتها أقطار شتى على التماسها ومحاولة تجسيد صفاتها، يستوي في ذلك حضارات الصين أو الهند ، فضلا عن الحضارات التي قامت في ظل المسيحية والإسلام وحتى الدولة العثمانية وصولا إلى لحظة اندلاع ثورة الحرية والإخاء والمساواة في فرنسا في 14 يوليه عام 1789.
يلخص فوكوياما هذه السجايا أو الأسس الإيجابية في العوامل الجوهرية الثلاثة التالية:
1 -دولة قوية مهابة ومقتدرة
2 -إقرار حكم القانون
3 -حكومة خاضعة للمساءلة
وهو يشرح تصوراته بالنسبة لهذه الركائز الثلاث قائلا: إن الأمر يستوجب توخي التوازن بين هذه العناصر الأساسية، وحقيقة أن هناك أقطارا تستطيع تحقيق هذا التوازن المنشود إنما تجسد المعجزة التي حققتها السياسة الحديثة. فالدولة في كل حال هي التي تتيح تركيز مقاليد السلطة واستخدامها من أجل تحقيق امتثال المواطنين لأحكام القانون، فيما تعمل الدولة على حماية كيانها من الأخطار الخارجية وتهديدات الدول الأخرى. لكن عند الطرف الآخر من المعادلة نفسها، يضيف فوكوياما فإن تفعيل العامل الثالث، هو مساءلة الحكومة، هو العنصر الكفيل بالحدّ من تجاوزات سلطة الدولة: أولا بحمل الدولة على أن تستخدم سلطاتها وفقا لقواعد عامة معترف بها وتتسم بالشفافية ومن ثم أن تظل الدولة خاضعة في التحليل الأخيرة لإرادة الشعب الذي تتولى مقاليد أموره.
حضارات الصين والهند
في ضوء هذه الطروحات النظرية يمضي كاتبنا إلى محاولة تطبيق رؤاه وأحكامه على تجارب حضارية متباينة شهدتها حياة البشر وتطور الفكر والعمل السياسي في أنحاء شتى من سطح الأرض.
يعرض مثلا لحكم أسرة «هان» في الصين القديمة، على مدار القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد، وكيف أولى أفرادها كل الاهتمام للمؤسسات الحاكمة التي كانت تستلهم تعاليم كونفوشيوس فيلسوف الصين الكبير، وهو ما حقق قدرا من الاستقرار السياسي المرموق للصين على مدار حقبة طالت من الزمن القديم وشهدتها الفترة ما بين عام 202 قبل الميلاد وعام 220 بعد الميلاد.
بالنسبة للحضارة الهندية يحاول المؤلف أن يعرض لمذهبين متعارضين فيما يتعلق بالاقتصاد والدين: ما بين مقولات ماركس بأن الأولوية هي للاقتصاد مقتصرا على جانبه المادي حيث ان الدين عند ماركس هو «أفيون الشعوب» في حين أن هناك من الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث مثل ماكس فيبر الألماني ودور كايم الفرنسي من رأوا أن الدين فكرا ومبادئ هو أسبق بكثير عن الاقتصاد: أموالا وماديات، ومن ثم فالمبادئ الدينية تمثل عندهم دوافع (إيجابية) للسلوك البشري وهي التي تشكل من ثم هوية الإنسان في الأساس (ص 162). ويرى المؤلف في هذا الخصوص أن المبادئ الدينية على اختلافها في الهند كانت رغم كل شيء عاملا كفَلَ نوعا من الاستقرار الاقتصادي بعيدا عن الهزات التي تعصف عادة بقوائم المجتمعات البشرية.
عالم المشرق الإسلامي
ومن الهند يتحول كتابنا مع سطور الفصل الرابع عشر إلى عالم الإسلام، وفي مصر المملوكية وقد حكمت دولهم العديدة ربوع المشرق العربي (مصر وسوريا على وجه الخصوص) على مدار ثلاثة قرون كاملة بدأت مع نهاية الدولة الأيوبية في عام 1250 وانتهت مع الغزو العثماني على يد جحافل السلطان سليم التركية في عام 1517 للميلاد. في هذا المضمار ينطلق المؤلف من حقيقة التسليم (ص 202) بأن عدد المسلمين في العالم يبلغ نحو مليار ونصف المليار من البشر، ولكنه يعزو انتشار الإسلام لا إلى جاذبيته الذاتية وحسب، ولكن أيضا إلى عنصر السلطة السياسية التي باشرتها الدول الإسلامية، وهو ما أتاح لدول المماليك، في تصور المؤلف أن تنجح في تصفية تركة الغزوات الأوروبية التي كانت قد تجسدت في وجود عناصر الصليبيين في أصقاع من رقعة المشرق العربي، بقدر نجاح دولة المماليك أيضا في صد غارة الأعصار المغولي المنطلق من أواسط آسيا وقد اندحر أمام جيوش المماليك من مصر وسوريا في موقعة عين جالوت في بلاد الشام.
وفي هذا المضمار يتساءل المؤلف قائلا: ترى ماذا كان مصير العالم لو كان الصليبيون قد واصلوا السيطرة على منطقة الشرق الأوسط؟ أو لو كان الإعصار المغولي قد واصل انطلاقته العاصفة ليكتسح ربوع مناطق الشمال الأفريقي (المنطقة المغاربية)؟
في السياق نفسه يمضي هذا الفصل الرابع عشر من الكتاب ليوضح أن حدود المجتمعات المسلمة في شمالي نيجيريا وفي أقطار شتى من أفريقيا جنوبي الصحراء (ساحل العاجل، توغو، غانا، الخ) تم رسمها وبلورتها طبقا للتخوم التي وصلت إليها الجيوش الإسلامية، ثم يضيف فوكوياما قائلا: بل ان أقطارا مثل باكستان وبنغلاديش فضلا عن الأقلية الكبيرة من مسلمي الهند ما كان لها أن توجد أصلا لولا توافر القدرة القتالية لجيوش المسلمين (وبمعنى) أن هذه المنعة العسكرية لم تتوافر فقط بفضل الالتزام الصارم بالدين ولكنها تأسست أيضا بفضل وجود دول إسلامية كانت قادرة وقتها على تنظيم مؤسسات فعالة استطاعت تركيز أسباب القوة وأجادت إمكانية استخدامها.
أخيرا، في مجال حكم (أو سيادة) القانون يعود كتابنا بالفضل إلى إنجلترا التي جمعت في تطورها القانوني بين القانون العرفي وبين التدوين التشريعي مستفيدة في ذلك على نحو ما يوضح المؤلف (ص 261) من «مدونة جوستنيان» الرومانية الشهيرة بشأن المبادئ القانونية وهو ما استلهمته أيضا وثيقة العهد الأعظم (الماجناكارتا) التي أدت إلى تقنين العلاقة بين سلطة الحاكم الملك وجموع المحكومين.
وهذا يفضي بمباحث الكتاب إلى تقصي الأسس التي قامت عليها ديمقراطية الغرب التي بدأت بقاعدة لا ضرائب بلا تمثيل ثم أوصلت إلى الحدث الثوري الكبير الذي اجتاح فرنسا مع العقد الأخير من القرن الثامن عشر الذي كان من ثماره بعد كفاح طويل إقرار مبدأ مسؤولية الحكومة أمام إرادة المحكومين.
تأليف: فرانسيس فوكوياما
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: دار فارار شتراوس وجيرو
عدد الصفحات: 608 صفحة
