هذا الكتاب سياحة علمية وملاحة استقصائية في محيط التاريخ، حيث يرصد عبر فصوله السبعة عشر كيف تحّول التاريخ من مجرد سرد وقائعي لما كان يجري ويدور في حياة البشر، مع تسجيله نقوشا على الصخر والحجر، أو نسخا شهدتها الحضارات القديمة وخاصة في جنوبي وشرقي البحر المتوسط، إلى أن أصبح التاريخ مهنة وتخصصا على يد أفراد ممن وهبتهم الطبيعة حسّ الرصد الدقيق للأحداث والوقائع، حيث جاء هذا الرصد بوصفه محّصلة للجمع ؟ كما أوضح الكتاب ؟ بين الملاحم الشعرية التي تصدت لسرد الأحداث في إطارها شبه الأسطوري وبين رصد الوقائع التي حفلت بمآثر الأبطال والقادة ومن الإعلام والبارزين دون محاولة تفسير أو تحليل مغزى هذه الوقائع أو استقاء عبرة الدروس المستفادة من ملابساتها، إلى أن جاء المؤرخ المسلم ابن خلدون في القرن الرابع عشر.
حيث يختصه الكتاب على مدار الفصل الخامس من الكتاب بدراسة شبه مسهبة لمنهجه في فهم وتحليل وتفسير التاريخ في مقدمته الشهيرة التي وضعت اللبنات الأولى فيما أطلق عليه الكتاب وصف «فلسفة التاريخس. وبعدها يواصل الكتاب رحلته التي حرص على وصفها بالإيجاز حيث يرصد وشائج العلاقة التي سادت في القرن التاسع عشر في إنجلترا بالذات بين الأدب والتاريخ على نحو ما يتجلى في أعمال المؤرخ «ماكولي» إلى أن يصل الرصد للظاهرة التي تجلت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ومنتصف القرن العشرين من اقتران العلم التاريخي بالعلوم الاجتماعية فكان التأكيد على الاهتمام بعامة الجماهير وبالإنسان العادي.
يشغف الناس بالماضي قدر شغفهم بالحاضر وقدر محاولاتهم استشراف المستقبل، ولأن الحاضر لم يكتمل بعد، ولأن المستقبل يظل دوما في حجب الغيب، فالتاريخ يشكل مادة جاهزة للاستدعاء من جهة، فيما يظل التاريخ أيضاً سبيلا لاختلاف الرؤي وتباين التفسيرات، وتبرير المواقف، وتكييف الأحداث بما يتيح لأهل الحاضر إضفاء، وأحيانا إسقاط، أفكارهم وآرائهم على ما سبق واحتواه دفتر الماضي من شخوص وأحداث وسلوكيات.
من هنا يجوز القول إن التاريخ ظل نشاطا مرادفا لحياة البشر فوق سطح الأرض، سواء بدأ على هيئة استدعاء بالذكرى أو سرد للعبرة إلى أن استوى في عصور قريبة عِلْماً قائماً بذاته يتصدر علوم الإنسانيات التي يتدارسها الأكاديميون في معاهد البحث ويقبل على إصداراتها ومنشوراتها جماهير الباحثين والمتعلمين وربما عامة القارئين.
ولأن التاريخ عبرة، فقد حفلت الرسالات السماوية والكتب المقدسة برواية تواريخ الأمم الغابرة ومنها ما كان يهدف إلى تلقين الدرس المستفاد، ومنها ما كان يستهدف تزويد المؤمنين بوعي التطور ومغزى حياة البشر وكسبهم وتفاعلاتهم وصراعاتهم، ومنها ما كان يبغي تزويد الرسل واتباعهم من طلائع المؤمنين بزاد من السلوى التي تخفف المعاناة في مواجهة الطغاة أو الكافرين أو الجاحدين أو المنكرين أو تبدد ظلمات الوحشة وقد تضئ قبسا من أشعة الأمل في انتصار تلوح بشائره على جنبات الطريق.
عن الحضارات والتاريخ
لهذا كله جاءت عناية الأمم والحضارات برواية التواريخ وتسجيل أحداثها، سواء تم هذا التسجيل على سفوح الأهرامات أو جدران الكرنك في مصر القديمة أو في نقوش بالخط المسماري في بابل بأرض الرافدين، أو جاء على شكل كتابات عكف على تدوينها قدامى النساخين باليونانية أو اللاتينية في حضارات أثينا أو روما، أو جاء في ثنايا معلقات الشعر الجاهلي تحكي عن أيام العرب وصراعات قبائلهم قبل الإسلام أو جاءت في أعمال الشوامخ من رواة وتواريخ الأمم والملوك كما عند «الطبري» أو سير الإعلام أو وفيات الأعيان التي ازدانت بها مجالي الثقافة العربية الإسلامية في عصور شتى شهدت فتوحات فكرية وإنجازات أكثر من مرموقة في مجال علم التاريخ، وازدانت بمؤلفات وبعناوين مازال لها مكانتها في عامود الثقافة العربية ما بين «فهرست» ابن النديم إلى «وفيات» ابن خلكان، وما بين «تجارب الأمم» عند «مسكويه» في العصر العباسي إلى «عجائب الآثار» عند عبدالرحمن الجبرتي في العصر الحديث.
لا عجب أن يركز مثقف عربي مرموق من سورية وهو الدكتور «شاكر مصطفى» اهتمامه الأكاديمي على محاولة رصد وتحليل علم رواية التاريخ عبر مراحل الحضارة العربية ؟ الإسلامية ليطلع على أهل زماننا المعاصر بثمرة جهده المشكور مجسدة في عدد من المجلدات العلمية التي مازالت تحمل العنوان التالي: التاريخ العربي والمؤرخون.
في ضوء هذا كله كان اهتمامنا بتقديم لمحات من منظور تحليلي نعرض فيها لكتابنا الذي خاض فيه مؤلفه، الباحث الأميركي الشاب «كولن ويلز» الغمرات العلمية نفسها التي سبق إليها الدكتور «شاكر مصطفى» وإن توخي المؤلف الأميركي جانب الاختصار رغم أنه يعرض كما يقول العنوان الفرعي لكتابه إلى جهود متواصلة بذلتها جمهرة من مؤرخي الغرب وقد وصفها العنوان الفرعي للكتاب في العبارات التالية: المؤرخون العظام والسعي الملحمي نحو تفسير الماضي.
تاريخ عن التاريخ
المهم أن «كولن ويلز» اختار أن يروي كما يقول «تاريخ التاريخس، بمعنى أن يتابع بإيجاز كما يؤكد من جانبه قصة البحث التاريخي عبر مراحل الرواية والسرد إلى مراحل التدوين والتسجيل ومن ثم مراحل التحليل واستقاء العبر والدروس. على أن المؤلف يصدر ؟ في تصورنا ؟ عن رؤية تتعامل مع علم التاريخ كما نعرفه بوصفه وليدا أو ابنا لأبوين ينتميان إلى زمن الحضارة الإغريقية وهما:
(1) الشعر الملحمي كما تجسده كل من الإلياذة والأوديسة المنسوبتين إلى شاعر الإغريق القديم «هو ميروسب.
(2) التفكير العلمي بمعنى البحث والترتيب الفكري الذي تحّول بالتاريخ من حكاية تُروي إلى مبحث منهجي يجمع بين عناصر العرض ؟ السرد وبين عناصر التحقيق والتثبت والتحليل.
ومرة أخرى يحيل كتابنا إلى أهم اسمين يتصدران علم التاريخ في حضارة الغرب التي ركز عليها الكتاب وهما: (1) هيرودوت اليوناني. (2) بلوتارك اللاتيني.
ولقد نأخذ على مثل هذه النوعية من الدراسات أنها تصدر أيضاً عما يمكن أن نصفه بأنه منطلق «المركزية الأوروبية». إن كتابنا يتصدى لرصد وتحليل مسار علم التاريخ، ورغم اعتراف مؤلفه الأميركي بأنه يقدم «تاريخا موجزا للتاريخ» إلا أن هذا لا يعفيه في تصورنا العربي ؟ الإسلامي من سلبية الاهتمام في معظم فصول الكتاب بالغرب ؟ الأوروبي بالذات فيما عرض له من أحداث ومؤلفات وعلماء وبحاثه ومفكرين، يصدق هذا مثلا على «هيرودوت» الإغريقي أو «كاتو» الرومانية أو «ليفي» اللاتيني أو «ماكولي» الإنجليزي صاحب «تاريخ إنجلترا» في القرن التاسع عشر للميلاد ومن قبله «إدوارد جيبون» الذي يعد كتابه الأشهر بعنوان «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» إحدى روائع الآداب الإنجليزية منذ صدوره عام 1776، وصولا بالطبع إلى كوكبة المؤرخين المحدثين الكبار في القرن العشرين وعلى رأسهم العلامة «أرنولد توينبى» الذي رحل عن الدنيا في عام 1975 تاركا ذخيرته التاريخية من 12 مجلداً، بعد أن أنصف فيها حضارة العرب وإنجازات المسلمين في موسوعته الشهيرة بعنوان «دراسة للتاريخ».
أهمية الفصل الخامس
مع هذا كله، فقد نحرص موضوعيا على إنصاف مؤلف هذا الكتاب حين نجده وقد خصص الفصل الخامس من هذا العمل للحديث عن عدد من إعلام المؤرخين العرب المسلمين.
وليس صدفة أن يحمل هذا الفصل العنوان التالي: حائط العقيدة لأن الفصل يتابع حوليات الصراع بين المسلمين، حكاما ومواطنين، في منطقة المشرق العربي المسلم وبين الغزاة الأوروبيين الذين جاءوا لاحتلال فلسطين والشام من منطلق التعصب الديني فيما أصبح يعرف تاريخياً باسم الحروب الصليبية.
في هذا الإطار تعرض صفحات كتابنا لأعمال مؤرخين مسلمين كبار منهم مثلا «العماد الأصفهاني» (ت عام 1200 للميلاد) الذي يتوقف مؤلفنا الأميركي مليا (ص86) عند كتابه بعنوان «الفتح القسي في الفتح القدسي» وفيه يعرض المؤرخ المسلم لتحرير بيت المقدس من أيدي غاصبيها الأوروبيين على يد الناصر صلاح الدين الأيوبي، فيما يعرض مؤلف كتابنا كذلك لمؤرخ مسلم آخر هو «ابن الأثير» الذي يصفه بأنه كان في الأصل جنديا يجاهد في صفوف المسلمين لطرد الصليبيين من كل ربوع الشام، ويوضح أنه جاء من الموصل في شمالي العراق ولمّا يكمل عامه الثامن عشر ومن ثم فإن كتابه الجامع الشامل كما يصفه مؤلفنا يجمع بين تجربة الجندي المقاتل المسلم، وبين موهبة المؤرخ المفكر الموسوعي، الذي لا يخلو كتابه الجامع في التاريخ من طرافة الإنشاء التي لا تفوت مؤلف كتابنا التي يرصد ما عمد إليه المؤرخ المسلم من إلحاق عبارة «لعنة الله عليهم» باستمرار في معرض حديثه عن الغزاة الصليبيين القادمين تحت رايات الاستعمار والتعصب من أوروبا.
يشير مؤلفنا كذلك (ص89) إلى أن «ابن الأثير» قيض له أن يشهد غزوة ماحقة أخرى تعرّض لها المشرق العربي الإسلامي ولم تأت من جهة الغرب الأوروبي هذه المرة ولكن جاءت جحافلها مثل إعصار من الشرق حيث شهدت السنوات الثلاث الفاصلة بين عامي 1218 و1221 جيوش المغول التترية تتدفق من أواسط آسيا وتجتاح بلاد الرافدين وصولا إلى دمشق، حيث لم تتورع عن تدمير الحواضر الزاهرة التي كان يزدان بها في تلك المرحلة مشرق العالم الإسلامي، ما بين سمرقند إلى بخاري إلى بغداد.
إسهام ابن خلدون
في الفصل المحوري نفسه من كتابنا يصل المؤلف إلى المثقف البارز الذي يطلق عليه الكتاب الوصف التالي: المؤرخ العربي العظيم.
هو «عبدالرحمن بن خلدون» الذي يسهب مؤلفنا في عرض سيرة حياته منذ مولده في تونس يوم 27 مايو عام 1332 - بل يحرص المؤلف أيضاً في الحاشية (ص95) على أن يوضح أن هذا التاريخ كان موافقا لغرة شهر رمضان عام 732 من الروزنامة الإسلامية (يقصد التاريخ الهجري)، ثم يفسر لقارئيه غير المسلمين نظام هذا التقويم الذي يعود ؟ كما تقول حاشية الكتاب - إلى الهجرة النبوية في عام 622 للميلاد موضحا بالأسلوب نفسه صيغة كتابة هذا التاريخ الإسلامي في الأدبيات الإنجليزية على أنها «ءََُ بىيْفم» أي على السنة الهجرية.
ويحرص المؤلف أيضاً على متابعة المراحل المختلفة من سيرة وطموحات ابن خلدون ولاسيما تلك المتصلة باستعداده للمشاركة المرموقة التي أسهم بها في تطوير، وربما تثوير علم الكتابة التاريخية، يقول مؤلف كتابنا: كان ابن خلدون ينعي على من سبقه من المؤرخين أن كانوا يكتفون بتدوين الحوادث ومن ثم كانوا يصدق عليهم وصف الرواة وقصاراهم أن يكرروا ذكر ما حدث دون محاولة التفسير أو استقاء العبرة، متجاهلين في ذلك ؟ على نحو ما يذهب إليه ابن خلدون ؟ تبدلات الأحوال وتغير أعراف الأمم وعوائد الأعراق مع مرور الزمن.
ثم يعلق مؤلفنا على ذلك قائلاً (ص99): هذه الثغرات المعرفية (أو التفسيرية) هي التي دفعت ابن خلدون إلى التفكير بعمق منهجي في أحداث الماضي، ومن ثم فقد قرر بطريقته الموضوعية أن عليه فهم المسار الذي يتخذه التاريخ قبل أن يشرع في كتابة التاريخ، وهكذا، جاءت عزلة «عبدالرحمن بن خلدون» في قلعة «ابن سلامة» كما يقول المؤلف حين شمر عن ساعد الجد ليبدأ مشروعه الضخم الذي سيحمل على مدار الأيام اسمه الأشهر وهو: مقدمة ابن خلدون.
ويصف «كولن ويلز» هذا الإنجاز العلمي بأنه «عمل سامق وجليل» حيث شغلت صيغته النهائية ثلاثة مجلدات ضخمة في ترجمته الإنجليزية فيما جاء هذا العمل ليرسي تماما أسس علم جديد اسمه علم التاريخ وليصبح أقرب إلى خارطة طريق مسهبة التفاصيل بالنسبة لمن جاء بعد ذلك من أجيال المؤرخين، خاصة وأن العّلامة «ابن خلدون» كان مهتما في تفسيره للتاريخ بما وصفه بأنه «المعنى الداخليس، وربما يرجع ذلك كما يقول كتابنا بأنه حرص على استكشاف الصلات التي تربط بين البيئة المادية وبين الحالة النفسية الجماعية، التي يستخدم لها «ابن خلدون» مصطلح «العصبية» بمعنى الشعور الجماعي.
في نفس السياق يحرص مؤلف الكتاب على إرجاع الفضل في إتاحة العمل والفكر الخلدوني أمام جمهرة الباحثين الناطقين بالإنجليزية إلى الأكاديمي العربي من العراق «محسن مهدي» الذي نشر، كما يضيف المؤلف في حاشية مسهبة، كتابه بعنوان «فلسفة ابن خلدون في التاريخ» عام 1957، ورغم أن الكتاب المذكور زاد عمره الآن عن نصف قرن إلا أن مؤلفنا «كولن ويلز» يصفه بأنه لا يزال «درة متألقة» مضيفا أنه مدين لكتاب البروفيسور «محسن مهدي» بالكثير في إطار مبحثه عن أعمال ومنجزات «عبدالرحمن بن خلدونس.
التاريخ والأدب والفن
هكذا يواصل كتابنا عبر فصوله السبعة عشر (تسبقها مقدمة وتلحقها كلمة ختامية) ملاحته في مجالات الكتابة التاريخية حيث يعرض مثلا في الفصل 13 - إلى الإنجليزي «توماس ماكولي» الذي يطلق عليه اللقب التالي: آخر الهواة.
وفي اللقب تلميح إلى أن «ماكولي» كان يتعامل مع التاريخ بأسلوب مؤرخ وروح أديب، وهو ما دفعه بالذات إلى المطالبة بإنصاف عامة الناس وجماهير البشر عند سرد وتحليل الحادثة التاريخية دون الاقتصار على أعمال أو منجزات أو حتى سلبيات الكبار من الأعيان والوجهاء والإعلام، وبمعنى أن يسفر الجهد المبذول عن تاريخ الناس وليس مجرد سير الأبطال وتراجم النجوم والمشاهير.
عاش «ماكولي» خلال عقود النصف الأول من القرن التاسع عشر وجمع بين الاشتغال بعلم التاريخ وبين إبداع قصائد الشعر، ولعل هذه السيرة هي التي مهدت الطريق كي يكتشف المعنيون بالتاريخ آفاقا جديدة جمعت بدورها بين الفن والثقافة (عنوان الفصل 14 من كتابنا) وهو ما أتاح للكتابة التاريخية أن تصّنف أحيانا في خانة الإبداع الأدبي بحيث يقبل على قراءتها جماهير المثقفين دون الاقتصار بداهة على الدارسين في المعاهد أو المتخصصين في التعاطي مع علم التاريخ.
أكثر من هذا.
يحرص المؤلف على أن يختار للفصل السابع عشر وهو الأخير من فصول كتابنا العنوان التالي: عودة الراوي (أو الحكّواتي).
وهو يشير في هذا السياق إلى ظاهرة التمازج ؟ إلى حد التماهي أحيانا بين علم التاريخ وبين العلوم الاجتماعية، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ومع انتصاف القرن العشرين، وهذه الظاهرة أنزلت التاريخ من الأبراج العاجية إلى حيث بات مفروضا على المؤرخ أن يواكب حركة الحياة اليومية ويحرص على التواصل مع نبض الشارع ومن منطلق بديهي يؤكد بأسلوب البحث والتمحيص العلمي على أن التاريخ هو في التحليل الأخير سرد وتحليل لحياة الناس.
