يبحث كتاب «أوضاع العالم 2011» في أبرز التغييرات السياسة والاقتصادية والدبلوماسية كما التكنولوجية والبيئة عبر 50 مقالة نقدية تسمح للقّراء بالجمع بين أحداث مستقلة عن بعضها البعض ظاهرياً وإدراجها في سياق شامل. هل يمكن التوصل إلى إيجاد التوازن على الساحة الدولية وعقب الأزمة العالمية وفي ظل الضغوط التي تمارسها أقوى العظمى (الولايات المتحدة والصين وروسيا) على جميع المستويات. وتعيد عدة مقالات النظر في مسائل الفوارق والجوع والهجرة والتغيّر المناخي.
وتغطي الأبحاث خمسة محاور أساسية: علاقات دولية جديدة، مسائل اقتصادية واجتماعية، مجتمعات وتنمية بشرية، بيئة وتكنولوجيات حديثة، رهانات إقليمية من خلال التركيز على قرارات القمم الصادرة في كل من روما وكوبنهاغن، وكذلك التوترات من دلتا النيجر إلى القرن لأفريقي، وحدود النموذج الصيني، والانفجار السكاني في باكستان ومستقبل الدول الأوروبية واتحادها.
وتجمع التقارير بين الأفكار الموضوعية والسير الذاتية لبعض الشخصيات: هو جينتاو، كارلوس أناكونديا، مروان البرغوثي. ويتوزع الباحثون في هذا الكتاب على جغرافيات متنوعة: إفريقيا الجنوبية، الشرق الأدنى والأوسط، آسيا الجنوبية والشرقية، دول جنوب المحيط الهادئ، أميركا الشمالية، أميركا الوسطى والجنوبية، أوروبا الغربية والجنوبية، منطقة ما بعد الحقبة السوفيتية.
في اطار المحاور الخمسة التي يغطيها كتاب اوضاع العالم 2011 اعتبر احد باحثي الكتاب دبي رمزا للعولمة ونموذجا للنجاح العربي. فيما يتحدث الباحث الفرنسي برتران بادي، الاختصاصي في معهد الدراسات الفرنسية، عن اليمين الجديد، حيث يرى أن السياسة التي انتهجها الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يصنع القطيعة مع النظام السابق، كما كان غالبية المحللين يتوقعون، بل كان غامضاً منذ حملته الانتخابية. واقتصر على التنديد باليمين فقط.
أما الأزمة التي يعيشها الاتحاد الأوروبي فهي الأخطر من بين كل الأزمات التي عرفها العالم. واكتشفت أوروبا مع تفاقم الأزمة أنها مفرطة في كبر مساحتها وشدة تنوعها وانعدام تجانسها، وباختصار اكتشفت أن صيغة التكامل بحد ذاتها اعتمدت لدوافع أخلاقية أكثر منها عملية. وتميزت الدول المتوسطية، ولا سيما فرنسا وايطاليا: الأولى من خلال إطلاق نقاش واسع حول الهوية الوطنية، والثانية عبر توسيع حملة مطاردة بائسة وأحياناً دموية، للمهاجرين أسهم فيها الجميع تقريباً.
علاقات دولية جديدة
ناقشت مجموعة من الباحثين القضايا التي تتعلق بالعلاقات الدولية الجديدة حيث طرح فرانك بوتيفيل في مقاله «دبلوماسية النادي على طريقة الدول الكبرى فيما بينها تطور النادي من مجموعة الست إلى مجموعة الثماني، ومن مجموعة الثماني إلى مجموعة العشرين، ونزع صفة الغرب عن النادي، إضافة إلى الشرعية الدولية القابلة للمناقشة. وفي الواقع، غالباً ما تقدم مجموعة العشرين على شرعية مجموعة الثماني لأن دول مجموعة العشرين تمثل 90 ٪ من إجمالي الناتج القومي العالمي و80 بالمائة من التجارة العالمية.
وكارلوس ميلاني، يتحدث عن (هل تغيّر القوى ــ الناشئة ــ النظام العالمي؟)، ويرى أن هيمنة أميركا الشمالية والليبرالية الجديدة بأزمة تعيد تنشيط التنافس بين الدول وتزعزع رقع شطرنج الجغرافية السياسية والإقليمية، فهل ستفضي الأزمة في نظره إلى إعادة توزيع السلطات الاقتصادية والسياسية بين أميركا الشمالية وأوروبا والصين وروسيا وبعض الدول الناشئة، ومنها البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وتركيا؟ ويتساءل: أي استراتيجيات تُطبق من اجل تغيير النظام القائم بين الدول والنظام الاقتصادي؟
ويناقش فريدريك شاريون في مقال بعنوان (استفزاز وتحريض ومعارضة: إستراتيجية مثيري القلاقل)، مشيراً إلى تمايز سلوكيات دبلوماسية تعتمدها دول تدعي الخروج عن المألوف من خلال رفض الالتزام بما يتوقع منها الفاعلون المسيطرون على (المجتمع الدولي).
ويتطرق إلى انتقال الدول المارقة إلى المعارضة ضمن شبكات. ونجاح الدبلوماسيات المعارضة وحدودها. دلفين بلاسيدي، يؤكد في مقالته«هل تستطيع الأمم المتحدة النهوض من جديد؟»، أن الأمم المتحدة هي الآن أمام كثرة الرهانات المتعددة القوميات وترابطها، ولم تتعرض لهذا القدر من الانتقادات.
وهي منظمة منقسمة ومركبة. ويطرح مونيك شوميلييه جاندرو في «العدالة الوطنية والعدالة الدولية في معركة حقوق الإنسان) موضوع حقوق الإنسان وفلسفة الأنوار، والعوائق المعيقة لتطبيق حقوق الإنسان على المستوى الداخلي. ويناقش دومنيك فيدا باراك أوباما في (مرآة الشرق الأوسط) علاقة الإدارة الأميركية الجديدة بإسرائيل، حيث إنها تهدد حظوظ أميركا، التي انتهجت سياسة منحازة حيال النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويذهب فيليب ليماري في «أفريقيا، مسرح المناورة الدبلوماسية والاقتصادية) إلى أن أفريقيا لا تمثل أكثر من 1,7 ٪ من التجارة العالمية. وهي ما تزال أسواق «متفتحة البراعم». كما أن مبادلات الصين مع أفريقيا ازدادت إلى 107 مليارات دولار في العالم 2008 بعد أن انتزعت الصين نصف الأسواق العامة الأفريقية منذ عام 2000.
ويتطرق الباحثون إلى موضوعات: روسيا ومنظمة شانغهاي للتعاون، هو جينتاو اللاشخصية، وزمن التساؤلات.
مسائل اقتصادية واجتماعية
يتطرق الباحثون في هذا الفصل إلى موضوعات عديدة منها: الاقتصاد العالمي، والدول التي تخطت الأزمة بأقل الأضرار الممكنة، ويطرحون السؤال: الخروج من الأزمة أم الغرق فيها مجدداً؟ وخاصة بالنسبة لكل من الولايات المتحدة واليابان وكندا وبريطانيا ومنطقة اليورو. ثم يتطرقون إلى السؤال الجوهري: هل تستطيع آسيا إنقاذ الاقتصاد العالمي؟ ثم تزهر روسيا في الصورة، من خلال تحولاتها الحقيقية والكاذبة، وشراكاتها مع أوروبا، والتحكم بتدفقات آسيا الوسطى. ويبشر الباحثون إلى نهاية عهد تفرّد الولايات المتحدة بالهيمنة الاقتصادية.
ويتطرق الباحث أكرم بلقايد إلى الحديث عن «نموذج دبي على محك الأزمة وتحدي الهوية»، ويعتبرها رمزاً للعولمة ونجاحا عربيا مؤكدا. ويقول « مع ذلك، يخطئ من يعتبر نموذج النمو الذي تقدمه دبي غير متكامل الجوانب. فكثيرون هم الخبراء الذين يرون أن علاج التقشف الذي تطبقه حاليا سوف يسمح لها بالتحكم بنموها بشكل أفضل.
وعن وضع الصحافة المطبوعة في العالم، كتبت ماري بانيلد، عن عام 2009 الذي يعتبر عاماً صعباً للصحافة العالمية قاطبة بسبب تراجع الإعلانات بشكل لم يسبق له مثيل مما اضطر العديد من الصحف إلى إعادة هيكلة إداراتها من جديد. ثم تطرح الباحثة موضوع: مستقبل الصحف في عالم اليوم.
أما عن دور العمل الخيري، فكتب ماركوز تايلور وسوزان سودربرغ، عن تمويل التنمية في العصر الليبرالي الجديد.
مجتمعات وتنمية بشرية
في هذا الباب، يتطرق الباحث ستيفان بارمانتييه في مقاله (القضاء على الجوع ما زال أمنية من الأماني)، إلى القلق إزاء تضافر المبادرات في وجه هذه المشكلة. وأهم العوائق في هذا المجال هو اصطدام مسار القضاء على الجوع بغياب الإدارة العالمية الفعلية للأمن الغذائي من خلا تنافس المنظمات الدولية المعنية فيما بينها. أما موضوع المسلمون ورهاب الإسلام في أوروبا، فأخذ حيزاً من الاهتمام، خاصة أن الاتحاد الأوروبي لوحده يضم 15 مليون مسلم من أصل 466 مليون نسمة، ما حمل بعض الاختصاصيين على القول إن «الإسلام يغيّر أوروبا بقدر ما تغيّر أوربا الإسلام)، على حد قول الباحث فينسان جيسير.
ومن ثم تطرق الباحثون إلى تركة الاستعمار، وزمن الاندماج والصهر وفق المعايير الأوروبية. ولعل موضوع «ايطاليا، مجتمع خاض لسطوة المافيا» مثير للغاية، حيث يركز الباحث فابريزيو ماكاليا بأن «مافيا كالابريه» أنها من ابرز المنظمات الناشطة في مجال الاتجار بالمخدرات في العالم، ومشهورة بعلاقاتها بكارتلات مخدرات كولومبية وألبانية.
ومن حصيلة أوضاع العالم «النيوليبرالية في مواجهة العمل الإنساني» للباحث مليكة ليتيم، تؤشر بعواقب الأزمة المالية العالمية على العمالة.
بيئة وتكنولوجيات حديثة
يشير الباحث نيكولا هايرينجر في «كوبنهاغن، جعجعة ليس إلا» إلى أن 154 دولة تبنت بالإضافة إلى المجموعة الأوروبية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، وكذلك قمة جمعت بين الصين والولايات المتحدة، وإنشاء حركة عالمية في المجتمع المدني من أجل العدالة المناخية، ولكن كل هذه المساعي لم تؤدي إلى نتائج ايجابية. وتحدث آخرون عن الاستعمار الزراعي الجديد، الذي تطور في ظل «العولمة» وتأثيراتها.
ولم يهمل التقرير موضوع (بانوراما التغييرات الفيزيائية الطارئة على كوكب الأرض)، لجان باتريك توسان، الذي ناقش جدل الآراء المتضاربة في هذا المجال، وخاصة المشكلات الصحية الناجمة عن التلوث، وندرة الموارد الطبيعية وموارد الطاقة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخسائر في رأس المال البشري من العواقب المتوقعة.
ومما لا شك فيه أن الكتاب يبحث في الأوبئة التي تؤدي بحياة الملايين من البشر، وخاصة الفقراء منهم. وكذلك ظهور إعلانات البيئة ومصطلحاتها في الإعلانات مثل «الأخضر» و«البيئة» و«النظيف» و«الحيوي»و«البيئة» وغيرها. وهناك الامبريالية الرقمية الأميركية وهيمنتها على أرجاء المعورة، وفي مواجهتها السوق الصينية، وقضية غوغل والقضاء الفرنسي في موضوع تحميل الكتب ودفع حقوق الملكية.
ثم يتطرق الكتاب للنموذج الصيني، وإستراتيجيته البراغماتية، وامتلاكه لأكبر احتياطي يقدر بـ 2400 مليار دولار بفضل خطة الانعاش الاقتصادي. ومن ثم يلقي الكتاب الضوء على «فشل الديمقراطيات الاجتماعية الأوربية» وصعوبة تجديد الفكر الاشتراكي، واستهلاك النموذج الحزبي التقليدي.
ومع الأزمة المالية، لم تعد الليبرالية نافعة للمجتمع الأوروبي. ولكن تبقى كل الدروب مفتوحة أمام النظام الاشتراكي الأوروبي، على الرغم من التحديات الكثيرة ومما لا شك فيه أن الاتحاد الأوروبي يواجه أزمة حقيقية. وقد خاض الاتحاد الأوروبي غمار الأزمة المالية بعد عدد من المعاهدات والاتفاقيات. ومن ثم جاءت فكرة (أسطورة التوسع الليبرالي في أوروبا الشرقية)، فعلى الرغم من النقاط المشتركة بين البلدان المنتمية إلى أوروبا الشرقية القديمة، فإنه لم يعد بالإمكان معاملتها ككتلة بحد ذاتها.
وتعهد الاتحاد الأوروبي أن يضم عشرة بلدان من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية بهدف احتواء الاستياء الشعبي المتنامي، كما تقول كاثرين ساماري. فأصبح المحيط الشرقي الجديد تحت تجربة الأزمة، والواقع أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وخاصة من قبل اليونان، كشف النقاب عن كل مواطن ضعف هذا الاتحاد.
ومن ثم بحث الكتاب عن شمال القوقاز، والشيشنة المحتومة، وتركيا، قوة إقليمية في الشرق الأوسط، واللعبة الإقليمية والدولية في الخليج والقرن الأفريقي، وشمال السودان وجنوبة عشية الاستفتاء، وانعدام الأمن في الساحل الأفريقي، ودلتا النيجر في حال تمرد، والمدن، بؤر التفاوت الاجتماعي والنزاعات في باكستان، وأوباما وأميركا اللاتينية، ويختتم الكتاب جان فرانسوا لوغرين، من المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسية، بموضوع عن (مروان البرغوثي، سجين مناسب جداً) حيث إن الهالة التي لا يزال مروان البرغوثي يتمتع بها، تطورت إلى أسطورة، ليست إلا استلهام مجتمع دولي ينتظر نوعاً من المخلص القومي.
ويلخص الكتاب، الذي أعدّه خمسون باحثاً، الوضع العالمي بأن التنافس الجديد بين القوى القديمة والقوى الناشئة، هو تنافس لم يسبق أن نُسق بهذه القوة من قبل، يأخذ كل مداه مع الأزمة الاقتصادية التي ظهرت العام 2008 وأودت بمصداقية نموذج ليبرالي جديد كانت أوروبا قد اعتبرته الملاذ الأخير. فقد تجاوزت القوى الناشئة الأزمة بشكل أفضل، وذلك تحديداً لأنها تمايزت عن هذا النموذج. فاستطاعت البرازيل بخاصة أن تحافظ على تحكم الحكومة وحتى الدولة بنظامها المصرفي. أما الصين، التي كانت أول من شهد من جديد نمواً كبيراً فرض نفسه كخشبة خلاص للاقتصاد العالمي وشؤونه المالية.
عدد الصفحات: 510
إشراف: برتران بادي ودومنيك فيدل
عرض ومناقشة: شاكر نوري
الناشر: مؤسسة الفكر العربي- بيروت-2011
