كان غريبا أن يتمنى المحللون والنقاد أن يصدر هذا الكتاب بالذات قبل فترات طويلة من صدوره في عام 2010 الماضي، ذلك لأن الكتاب يضم بين دفتيه حصيلة دراسات وبحوث اضطلع بها المؤلف من واقع الإطلاع على ملفات الأرشيف القومي لأكبر الدول بل الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تهيمن على مقاليد الأمور في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في السنوات الفاصلة الحاسمة التي شكلت مطالع القرن العشرين.
وهي السنوات التي سبقت، كما هو معروف، اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وبعدها أعيد تشكيل خارطة القوى والدول والنفوذ في المنطقة، ومن هذه الملفات التي اطلع المؤلف على محتوياتها الأرشيف السياسي لكل من تركيا (العثمانية) وألمانيا (الإمبراطورية) وروسيا قبل الثورة البلشفية.
وقد اتخذ المؤلف لدراسته الشاملة في الكتاب محورا أساسيا متمثلا في مشروع الخط الحديدي الذي قصدوا به أن يمتد من برلين إلى بغداد ومنها إلى البصرة على شط العرب ومن ثم إلى الأصقاع القريبة المطلة على المحيط الهندي. ويوضح المؤلف في هذا السياق أن إنشاء وتوسيع خطوط السكك الحديدية في تلك الفترة الباكرة وما قبلها كان يمثل نقلة حضارية من جهة أولى.
فيما يشكل محاولة للإصلاح من جانب السلطنة العثمانية من جهة ثانية كما انطوت هذه المشاريع (ومنها مثلا الخط الحديدي الآخر بين دمشق والحجاز) على أنشطة ومخططات اضطلعت بها شخصيات كان لها أدوارها الملتبسة في حوليات التاريخ العربي المعاصر ومن ذلك مثلا البارون «فون أوبنهايم» بالنسبة لاكسبريس برلين - بغداد أو «لورنس» بالنسبة لسكة حديد الحجاز.
دخل القطار حياة الناس في عام 1813، كانت تلك هي المرة الأولى التي قطعت فيها قاطرة المخترع الإنجليزي «ستيفنسون» أول مسافة على مقربة من كوخ متواضع في أرياف انجلترا، ورغم أنها كانت مسافة من أقصر ما يكون بالنسبة لقطار، فلم تكن لتزيد على 300 متر أو نحوها، إلا أن القطار جاء يومها ليجسّد فتحا جديدا في تاريخ الحضارة الإنسانية وبالتحديد في كفاح الإنسان من أجل أن يختصر المسافات ويعمق أواصر التواصل، ومن ثم التفاعل والتعامل مع سائر البشر عبر الأقطار والربوع والمحيطات.
القطار وخيال الشعوب
ولقد شاءت طوالع المنطقة العربية أن لا يتأخر عليها وصول القطار ليصبح وسيلة مواصلات مبتكرة بل كانت ثورية بكل معنى. وذلك منذ أن سبقت مصر إلى مد أول خط حديدي بين القاهرة وميناء الإسكندرية على البحر الأبيض وكان لزوم انتقال العائلة الخديوية ومن في معيتها من الباشاوات والبكوات، ثم إنشاء خط حديدي آخر بين القاهرة والسويس على البحر الأحمر وكان يقصد به خدمة الحجيج ممن تهفو أرواحهم إلى زيارة بيت الله الحرام، وقد تم هذا كله عند انتصاف القرن التاسع عشر للميلاد.
لا عجب أن ظل القطار يستأثر بوجدان وخيالات أفراد الشعوب العربية، حيث لم يبخلوا عليه بقصائد المديح وأغاني الإعجاب وأهازيج الإشادة بأفضاله التي كانت تتراوح ولاشك ما بين تخفيف وعثاء السفر إلى العودة بالأحبة الغائبين بعد طول فراق.
من هنا ظل السياسيون والمصلحون ابتداء من منتصف القرن 19 وحتى مطالع القرن العشرين ينظرون إلى التوسع في استخدام القطار، أو بالأحرى إلى إنشاء وتعزيز وتحديث شبكات الخطوط الحديدية على أنه واحد من البنود الرئيسية والمطلوبة بإلحاح ضمن أجندات الإصلاح والتطوير التي كانت الحاجة أكثر من ماسّة إليها، في تلك الفترة التي سبقت زماننا بقرن ونصف القرن تقريبا من عمر الزمان.
بدايات القرن ال 20
والحاصل أنه مع السنوات الأولى من القرن العشرين كانت هذه الأجندات من ألزم ما يكون بالنسبة لإصلاح الأحوال على صعيد الإمبراطورية العجوز التي كانت تبسط نفوذها في تلك الفترة على معظم أرجاء العالم العربي وعلى أقطار المشرق على وجه الخصوص.
إنها الدولة العليا، الإمبراطورية العثمانية التي كان يتربع على عرشها مع مطلع القرن الماضي السلطان التركي عبدالحميد الثاني من سلالة آل عثمان الذين حكموا المنطقة على مدار 4 قرون وتزيد وبالتحديد منذ أن سيطروا على بلاد الشام في عام 1516 ومن بعدها كان دخولهم مصر من باب الغزو المسلح في عام 1517.
يقول المؤرخ الكبير البروفيسور «ألبرت حوراني» في كتابه الجامع بعنوان «الفكر العربي في عصر النهضة»: كان (السلطان) عبدالحميد سيدا مطلقا في حكم الإمبراطورية إلا أنه كان قد نفذ عدة إصلاحات أسوة بأسلافه من سلاطين بني عثمان، وكان من بينها استخدام البرق (التلغراف) لأول مرة كما كان من بينها بناء الخطوط الحديدية.
السلطان والقطار
ويحرص البروفيسور «حوراني» على الإشارة إلى أن اهتمام عبدالحميد بحكاية الخطوط الحديدية كان نابعا من اهتمامه بصورة السلطان التركي بوصفه حاميا للحج وهو ما جعل اسطنبول وقتها تشجع على إنشاء خط حديدي يصل من دمشق في سورية إلى ربوع الأراضي الإسلامية المقدسة في الحجاز حيث تم وضع التصميم لهذا الخط في عام 1903 ومن ثم إكماله في عام 1908. وقد حمل الخط المذكور اسمه الشهير في حوليات التاريخ العربي المعاصر وهو: سكة حديد الحجاز.
وربما جارت هذه الشهرة على خط مواز آخر، أو بالأدق على مشروع سكة حديد أخرى حملت بدورها الاسم التالي في تاريخنا العربي عند مطالع نفس القرن العشرين: خط القطار السريع بين برلين (في ألمانيا) وبغداد (في العراق).
والحق أن هذه الخطوط الحديدية تزامنت في مرحلة أو أخرى مع قطار آخر كان قد اكتسب شهرة دولية إذ كان يمثل سكة حديد تربط بين حدود مصر الشمالية الشرقية، وتصعد كي تخترق ربوع الشام ثم أجواز الإقليم التركي ومنه إلى وسط أوروبا، وقد حمل هذا القطار العجيب بدوره اسمه المعروف: اكسبريس الشرق السريع.
بل اتسعت شهرة اكسبريس الشرق عندما اتخذته الروائية الإنجليزية الشهيرة «أجاثا كريستي» مسرحا لواحدة من أشهر رواياتها البوليسية الواسعة الانتشار.
اكسبريس برلين ـ بغداد
لا عجب أيضا أن يعمد مؤلف الكتاب الذي نقلب صفحاته في هذه السطور إلى استخدام كلمة «اكسبريس» ليصبح عنوانا للكتاب على النحو التالي: اكسبريس برلين ـ بغداد
وبديهي أن الألمان كانوا وراء هذا الاكسبريس العجيب، وكان هدفهم وقتها هو أن يحلوا محل قوى الاستعمار التقليدي التي درجت على احتلال واستغلال أقطار المشرق العربي وكان في مقدمتها ،طبعا، كل من بريطانيا وفرنسا.
والمعنى في هذا السياق أن ألمانيا التي تكفلت بالمشروع الحديدي لم تكن تفعل ذلك لوجه الله ولا طبعا من أجل سواد عيون العرب ولا زرقة عيون الأتراك العثمانيين:
لهذا بادر محللو مادة هذا الكتاب إلى الربط بين جهود ألمانيا في التقرب إلى عرب العقد الأول من القرن العشرين وبين جهود الصين في التقرب إلى أفارقة العقد الحالي الأول بدوره من القرن الحادي والعشرين.
إن الناقد الأدبي «برندان سميث» يطلق على هذا النمط من السلوك وصف «النموذج الصيني» الذي يحرض على بناء السدود والجسور لاكتساب ود الأفارقة، ثم يطبقه على ما سبقت إليه ألمانيا الإمبراطورية، من بناء خطوط حديدية تقرّبا إلى عرب الشرق الأوسط مع السنوات الأولى من القرن العشرين.
من ناحيته يوضح مؤلف هذا الكتاب «شين مكميكن» أن التصميم الأساسي للخط الحديدي كان يستهدف الربط المباشر بين العاصمة الألمانية في برلين وبين الأقطار العربية في الخليج من خلال مرور الخط الحديدي ـ الاكسبريس السريع حتى لا ننسى ـ عبر بلاد ما بين النهرين ـ أراضي الرافدين.
تلك فترة وأحداث نراها مهمة في التاريخ الحديث، بل هو القريب إن شئت في حياة أمتنا، ويُحمد لمؤلف كتابنا أنه لم يستسلم لإغراءات الروايات أو الأقاصيص أو ملفات الذكريات بقدر ما كان مرجعه بالأساس هو الإحالة العلمية إلى السجلات الرسمية التي لم يقتصر في إطلاعه عليها لاستقاء المادة التاريخية للكتاب على الأرشيف البريطاني أو الألماني وحسب، بل تعدى جهده البحثي إلى الأرشيف التركي (العثماني) والأرشيف الروسي، وكلها كانت تعكس تصورات متعددة الزوايا بحكم تعدد المصالح لتشكيل صورة شرق أوسط جديد يستقل .
كما كان متوقعا في تلك الفترة عن سيطرة دولة الخلافة الإمبراطورية العثمانية ولكن يدين ـ كما كان مأمولا أو مخططا ـ بأشكال الولاء للقوى الأوروبية التي كانت بارزة في تلك الفترة وفي طليعتها كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا، وكلها كانت طامعة على نحو أو آخر في وراثة ممتلكات أو فلنقل تركة إمبراطورية اسطنبول.
أحلام الحاج غليوم
بيد أن المسرح الأوروبي ذاته كان يموج بصراعات بين دُوله الكبرى: بريطانيا كانت عظمى وألمانيا وقتها كانت إمبراطورية يحكمها قيصر طموح من أسرة «الهوهنزلورن» الجرمانية اسمه الإمبراطور «ويلهلم الثاني» وقد بلغ من محاولات تقربه إلى السلطان التركي ومن ثم إلى جموع الرعايا من العرب والمسلمين أن أطلقوا عليه اسم «الإمبراطور غليوم» بل «الحاج» غليوم في بعض الأحيان. والحق أن قراءة هذا الكتاب هي أقرب ما تكون إلى دراسة مهمة وممتعة أيضا.
ولو من وجهة نظر مؤلفها، في حوليات المرحلة الأخيرة من حياة إمبراطورية بني عثمان، وأن نجح المؤلف بفضل التفاصيل الدقيقة، الطريفة أحيانا التي يوردها من واقع سجلات الأرشيف الوطني للقوى الكبرى التي ألمحنا إليها، في أن يجعل هذا التحليل الفكري التاريخي يدور حول محور جوهري هو حكاية اكسبريس برلين - بغداد الذي خططوا له كي يشكل همزة وصل تجري على قضبان من حديد ما بين برلين في وسط أوروبا إلى ربوع الخليج الواصلة ما بين شرقي الجزيرة العربية إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي.
يقول ناقد جريدة «الأوبزرفر» ـ «جورج والدن»: كانت الغاية الاستراتيجية للخط الحديدي المذكور هو تعزيز الوشائج بين تركيا (السلطانية) وألمانيا (الإمبراطورية) فضلا عن تخريب وتدمير صلات بريطانيا (مع مستعمراتها) في الهند وتحجيم نفوذ لندن على قناة السويس من خلال اصطناع خط مواصلات بري يوفر لألمانيا - عن طريق البصرة ـ طريقا مختصرا إلى بلاد الشرق.
في عام 1903 كانت بداية العمل في خط برلين - بغداد، وكان التصميم الأساسي يقضي بإنشاء 27 نفقا باعتبار أن الاكسبريس الموعود كان سيخترق أصقاعا برية بالدرجة الأولى منها بالذات مسافات شاسعة في جبال طوروس، ورغم تأخيرات كثيرة ومشاكل بغير حصر جاء معظمها متصلا بقضايا التمويل، فقد تم استكمال الخط الحديدي، كما يقول المؤلف، عام 1940.
.. واندلعت الحرب
37 عاما أصبحت الدنيا فيها غير الدنيا كما يقول المثل الشائع. فلم تكد تمضي على بدء العمل في الخط الحديدي المذكور سنوات عقد واحد حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى، ودخلتها تركيا إلى جانب ألمانيا - صاحبة الخط المأمول، فكان أن انتهت الحرب في عام 1918. بكارثة تاريخية لكل منهما حيث زالت إمبراطورية «غليوم» الألماني وترنحت إمبراطورية «عثمان» التركي إلى أن انتهت بدورها من الوجود في عام 1923.
وفي عام 1940 كانت الحرب العالمية الثانية في ذروة اشتعالها ولم يكن ثمة نفع يرتجى بالنسبة لألمانيا التي أصبحت هتلرية وقتها كي تفيد من الحلم القديم الذي سبق وأن راود القيصر «غليوم» في أوائل القرن العشرين، كان هذا الحلم ببساطة يتمحور حول الفائدة المرتجاة من خط برلين - بغداد الحديدي، وكان هذا الحلم الاستراتيجي في جوهره يرنو إلى أن تسبق ألمانيا غريمتها انجلترا في حالة اندلاع الصراع العسكري، ويقضي الحلم بإمكانية حشد وإرسال فيالق الجنود من وسط أوروبا إلى مناطق الخليج وشرق الجزيرة .
ومن ثم إلى الأصقاع الهندية عند اللزوم، باستخدام مواصلات البر - الحديدية طبعا، وهو ما يكفل السرعة والسبق على حساب بريطانيا التي كان سيُفرض عليها أن تبعث بقواتها إذا ما دعى الداعي على متن سفن الأسطول البريطاني عبر البحر وعن طريق قناة السويس.
ورغم أن الحكاية منسوجة على نحو ما يشير إلى ذلك عنوان الكتاب حول قطار سريع يخترق الجبال والوهاد من وسط أوروبا إلى مشارف المحيط الهندي ـ إلا أن الكتاب يمثل في التحليل الأخير ما يكاد يكون ثروة معرفية وحشدا معلوماتيا بالنسبة لما واجهته منطقة الشرق الأوسط العربي بالذات من مؤامرات ومكائد من جانب كل القوى الأوروبية على اختلاف اتجاهاتها وتباين مصالحها.
حيث كان الكل قد أجمع بغير سابق اتفاق على استغلال آمال الجماعة العربية القومية والجماهير العربية المسلمة في التحرر من ربقة السيطرة التركية وفي الاستجابة إلى ما بشّر به القرن العشرون من دعوات إلى الاستقلال وتقرير المصير وتحقيق الذات الوطنية والقومية، ودخول عصر من التنوير الفكري والتحصيل العلمي، وهو ما ظلت جماهير الناطقين بالعربية محرومة منه على مدار القرون التي خضعت فيها لسلطة الباب العالي في الآستانة.
شخصيات وألغاز
في غمار هذه التحولات والتطلعات والأحداث كان طبيعيا ؟ كما تعرض صفحات هذا الكتاب ـ لشخصيات فردية طغت أيامها على سطح الأحداث بكل ما كان يحفها من أسرار وغرابة أطوار، منهم مثلا المغامر الإنجليزي «لورنس» صاحب الكتاب الشهير بعنوان: «أعمدة الحكمة السبعة» الذي يدّعي فيه - كما أصبح معروفا - أنه كان ممسكا بزمام القيادة في الأحداث التي عرفت باسم الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك عام 1915.
وبمناسبة حكاية الادعاء أو التلفيق والتزوير فقد كان من هذه الشاكلة على الجانب الألماني ـ شخصية سياسي حمل الاسم التالي: «بارون فون اوبنهايم«. وبديهي أن الاسم يعكس لقبا أرستقراطيا بالغ الفخامة شديد المهابة.
لكن أبحاث مؤلف الكتاب جاءت لتقول بما يلي: إن اللقب المذكور أعلاه كان عبارة عن حكاية تزييف من الألف إلى الياء فلا كان صاحبنا هذا «بارون» ولا كان «فون» ولا كان ينتمي إلى أسرة «أوبنهايم» الألمانية العريقة من قريب أو بعيد.
يأتي هذا كله ليؤكد على أهمية أن يعاود العرب قراءة تاريخهم من جديد.
ومثل هذه الكتب تستمد أهميتها في تصورنا من أنها تشكل مراجعات علمية من شأنها أن تفضي إلى عمليات تصحيح وتفنيد بالنسبة لصفحات شتى: بعضها معلن وبعضها مازال مطويا من تاريخ هذه الأمة العربية، وخاصة في زمن التحولات الصاعقة الكبرى التي شهدتها سنوات الربع الأول من القرن العشرين.
ربما لهذا السبب يكاد محللو هذا الكتاب يجمعون على أمر يبدو غريبا للوهلة الأولى حين يعبرون على لسان الناقد «أ.جرايلنج» الذي يقول: هذا واحد من الكتب الأساسية التي تتناول التاريخ الجديد لمتاهة الشرق الأوسط، وكأنما جاء الكتاب ليؤكد أهمية معرفة هذا التاريخ من أجل فهم الحاضر، وهو ما يدفع المرء إلى أن يقول: حبّذا لو كان المؤلف: «شين مكميكن» قد أصدر كتابه هذا مثلا قبل عشر سنوات من الآن.
الكتاب: إكسبرس برلين ـ بغداد السريع
عدد الصفحات: 425 صفحة
تأليف: شين مكميكن
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بعناية المؤلف
