يستمد هذا الكتاب أهميته من اعتماده على مجموعة متكاملة من الدراسات والتحليلات والأبحاث المعمقة للخروج إلى ما يمكن وصفه بأنه وصفة عملية لعلاج معضلة تعايش أميركا مع الصين، ذلك المارد الآسيوي الذي يثير مخاوف عميقة في صفوف أعداد كبيرة من الأميركيين.

ويلفت نظرنا أن هذه الوصفة التي تشكل جوهر هذا الكتاب لا تتردد في اقتراح تقديم تايوان على مذبح المصالح الأميركية مع الصين، وتشدد على رؤية الرئيس الأميركي باراك أوباما القائمة على شراكة بين البلدين، جوهرها الفرصة والمصلحة.

وتمر الوصفة أيضا بمنعطف مهم هو استبعاد اللجوء إلى القوة العسكرية.

 

 

على الرغم من أن هذا الكتاب موجز نسبيا من حيث الحجم، إلا أن تأليفه اقتضى جهود اثنين من الأكاديميين المهتمين بموضوع العلاقة بين أميركا والصين من الماضي إلى الحاضر ومن ثم المستقبل. ولم يكن مصادفه أن واحدا من المؤلفين أميركي والآخر صيني وهو ما أضفى على محتويات الكتاب مسحة من العمق والمصداقية ما لبثت أن تعززت بفضل ما عمد المؤلفان إليه من تعزيز طروحات الكتاب بقدر بالغ التنوع والثراء من الدراسات الإحصائية واستطلاعات الرأي العالم والاستقصاءات العلمية التي تم إجراؤها على عيّنات متنوعة من حيث المستوى الطبقي والفكري والتحصيل العلمي من جمهور الشعب الأميركي. ثم يأتي هذا الكتاب ضمن سياق مازال متصلا على ساحة الشأن العام في الولايات المتحدة، ويتعلق هذا السياق بأفاق مستقبل العلاقات بين أميركا وبين الصين التي مازالت صورتها مرتبطة في الذهنية الجمعية الأميركية بشكل التنّين بمعنى الكائن الخرافي الذي يبعث على الروع الشديد في كل حال. ويوضح الكتاب في فصوله الستة كيف أن الرأي العام الأميركي ما زال يراوح ما بين شعور الخشية إزاء الصعود المتواصل للصين في المضمار الاقتصادي حيث أصبحت دائنة في حدود عشرات المليارات للخزانة الأميركية. وحيث أدت سياسة الغمر التي تتبعها الصين في ضخّ صادراتها من أجل إشباع احتياجات السوق الأميركية ومن ثم التسبب في اتساع البطالة بين صفوف العمال بالولايات المتحدة، وبين رغبة الرأي العام الأميركي من جهة أخرى في التعايش مع التنّين الصيني ولكن مع العمل بدأب شديد على «موازنة» نفوذه الصاعد بإبرام سلسلة تحالفات مع جيران الصين (وعلى رأسهم اليابان) دون التورط في أي اجراءات من المواجهة العسكرية التي ثبت عقمها على ضوء دروس ورطة فيتنام.

 

الصين والعالم

وقد صدر في عام ‬2010 الماضي في الولايات المتحدة كتاب شهير تحت العنوان التالي: عندما تحكم الصين العالم جاء هذا الكتاب بمثابة بلورة للمشاعر بل المخاوف التي باتت تراود أفئدة الكثيرين من الأميركيين بشأن الصين وصعودها، والصين ودورها المنافس بشراسة، والصين وآفاق تحركها الدينامي على الساحة الدولية.. يستوي في هذه المشاعر أو المخاوف صفوة المحللين السياسيين وأركان إدارة الرئيس أوباما في البيت الأبيض بل وقطاعات واسعة شتى من جماهير الشعب الأميركي المهتمة بالشأن العام.

ثم زاد من وطأة هذه المخاوف أيضا حقيقة واقعة لا يمكن لأحد إنكارها، وتقول ببساطة شديدة بما يلي: إن الميزان التجاري (للصادرات والواردات) يعاني اختلالا أكثر من فادح لصالح الصين وضد مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يشهد به الأرقام التي تؤكد أن الصين هي أكبر دائن لأميركا، وأن ديونها المستحقة في ذمة الخزانة القومية للولايات المتحدة تقدر بعشرات العشرات من المليارات.

من هنا لم يكن غريبا أن تبادر جامعة كولومبيا، وهي واحدة من المؤسسات الأكاديمية المرموقة في الولايات المتحدة، إلى الاهتمام بنشر الكتاب المهم الذي نعرض لمحتوياته في هذه السطور ويكفي أن كتابنا الصادر عن مطبعة الجامعة المذكورة يحمل عنوانين يقول أولهما: التعايش مع التنين. ويقول العنوان الثاني على سبيل التوضيح والتكميل والتأكيد: كيف ينظر الجمهور الأميركي إلى صمود الصين

ولأن متون هذا الكتاب تتحرك على محورين أساسيين أولهما محور أميركي والثاني محور صيني فربما كان طبيعيا أن يتعاون اثنان من الأكاديميين على تأليف الكتاب، كان أولهما أميركي وهو البروفيسور «بنجامين بيج» والثاني صيني وهو البروفيسور «تاوكساي».

 

بحث مكثف

جاء الكتاب في شكل بحث بالغ التكثيف خاصة وقد اختار المؤلفان الباحثان أسلوب الرجوع والإحالة إلى الدراسات الإحصائية وإلى الاستقصاءات العلمية وإلى استطلاعات الرأي العام من أجل عرض وتحليل ومناقشة المادة التي تشكل المحاور التي تدور عليها الفصول الستة التي يضمها كتابنا.

من هنا استطاع الكتاب أن يرسم صورة شاملة أو شبه شاملة لتطور العلاقات بين العم سام وبين التنين الآسيوي المطّرد الصعود والنفوذ.

في السياق نفسه لم يقصر كتابنا في استعراض بالغ الإيجاز لتطور علاقة واشنطن وبيكين وذلك منذ قيام الثورة الصينية بقيادة زعيمها التاريخي «ماو تسي تونغ» في عام ‬1949. من يومها دأبت الحكومات والرئاسات الأميركية المتعاقبة على تجاهل حق صين ماو (الشيوعية) في مكانتها الدولية وفي مقعدها بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وهو المقعد الذي ظلت تشغله عن غير حق دولة صين الجنرال «كاي شيك» الذي أطاحت الثورة بنظامه ودفعته إلى الهروب وإنشاء كيان مستجد في جزيرة فورموزا التي تعرف حاليا باسم تايوان.

كان ذلك في ذروة اشتعال صراع الحرب الباردة، وكانت الصين الشيوعية محسوبة على المعسكر الاشتراكي (الشيوعي) المنافس لأميركا. ولكن جاء تصحيح الأوضاع مع جهود كيسنجر في عقد السبعينات إلى أن انتهى الأمر بدخول الصين الأم إلى منظومة الأمم المتحدة وتأكيد اعتراف أميركا بها وتحويل تايوان المسكينة إلى مقاطعة، مجرد مقاطعة تابعة للصين الكبرى.. بما يصدق ويؤكد المثل العربي المتواتر الذي يقول «أن الأيام دول».

.. وجاء الزعيم دنغ

وكان طبيعيا أن تتبنى أميركا سياسة جديدة تجاه المارد التنين الصيني منذ عقد الثمانينات، خاصة وقد تحولت مسارات السياسة الصينية من الدوغما الشيوعية والثورة الثقافية والعزلة الإيديولوجية بعد رحيل الزعيم ماو إلى حيث بدأت الصين سياسة الانفتاح على العالم، مع التخلي عن الجمود العقائدي ثم تعدد مسارات وتوجهات الأداء الاقتصادي على أسس من المرونة العملية ــ المصلحية ــ البرغماتية، أن شتت، وذلك بعد أن تولى مقاليد الأمور في عاصمة التنين الآسيوي الأصفر الزعيم «دنغ شياو بنغ» الذي يعد بمثابة الأب الروحي للصين المنفتحة الجديدة. من هنا كان على أميركا أن تعتمد سياسة بالغة التميّز في علاقاتها السياسية مع الصين: هي سياسة التواصل مقابل سياسة المجابهة.

في هذا السياق يحرص كتابنا على توضيح ما يمكن تسميته بأنه «حالة الجهل» التي كانت سائدة في أوساط الجمهور الأميركي إزاء ذلك الكيان اللغز الذي يحمل اسم الصين، ويوضح المؤلفان بشكل موضوعي فيما نرى أن هذا الجهل من جانب أميركا جاء في الأساس بسبب ما وصفاه بأنه حالة العزلة التي ظلت الصين تفرضها على نفسها على مدار عقود الخمسينات والستينات وربما السبعينات أيضا من القرن الماضي.

 

معادلة الجهل والشك

يوضح المؤلفان أيضا كيف أن حالة الجهل المذكورة كان لابد وأن تقضي بداهة إلى حالة من سوء الفهم بمعنى سوء قراءة وتفسير أبعاد وأنماط سلوكيات الصين على الساحة الدولية.

لكنهما يركزان (منذ الفصل الثالث بالذات) على حقيقة صعود الصين بوصفها لاعبا دوليا على ساحة عالمنا وخاصة على صمودها الاقتصادي منذ الربع الأخير من القرن الماضي. على الجانب الآخر من هذه المعادلة، يوضح كتابنا أن حالة الجهل الأميركي كان يواجهها عند الطرف الآخر حالة التوجس والتشكك الصيني، والمعنى أن ظل المسئولون الصينيون، لفترات طويلة، ينظرون إلى سياسة الولايات المتحدة بعين الشك والاسترابة والتوجس الشديد، ومنهم، كما يضيف الكتاب، من كان يفسر كل تحركات واشنطن على أنها مؤامرات مران ومكائد تهدف إلى احتواء الصين وتحجيم إمكاناتها والحد من نفوذها ودورها المستحق في مضمار السياسة الإقليمية جنوب شرقي آسيا بشكل خاص وفي حلبة السياسة العالمية بشكل عام.

ومن خلال المنظور العلمي نفسه تعترف فصول الكتاب بأن هذا التوجس الصيني كان له ما يبرره بعض الأحيان، وخاصة في ضوء الدور الأميركي في فيتنام ثم التحالفات التي ربطت أميركا مع نظم متباينة للمجال الحيوي للصين ذاتها، ابتداء من تايوان على نحو ما ألمحنا وليس انتهاء بنظام سايغون في جنوب فيتنام ونظام كوريا الجنوبية. لهذا كله، يوضح كتابنا منذ الفصل الثالث أن كثرة من الأميركيين مازالوا ينظرون إلى صمود الصين وارتفاع شأوها الحالي بقدر لا يخفي من القلق أو فلنقل حسب تعبير الكتاب من عدم الارتياح حيث أثبتت استطلاعات الرأي العام أن معظمهم ليس لديهم صورة واضحة أو محددة عن نوايا الصين أو طموحاتها، ومن ثم فإن الصين الفتية، الناشطة الصاعدة لا يُعرف ما إذا كانت ستصبح عدوا أو خصما عنيدا أو تصبح صديقا أو حليفا أو شريكا في إدارة شؤون العالم الذي نعيش فيه.

وفي معرض تحليل هذا الكتاب حرص النقاد على أن يشفعوا آراءهم بإيراد سطور من الخطاب المهم الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في هذا الموضوع بالذات.

 

هكذا تحدث أوباما

وفي يوليو عام ‬2009 اجتمع أوباما إلى كوكبة من صفوة خبراء السياسة من الأميركيين والصينيين. وكانت المناسبة هي أول حوار تم تنظيمه لمناقشة القضايا الإستراتيجية والاقتصادية التي تهم البلدين ويومها جاءت كلمات الرئيس الأميركي الشاب معبرة عن رؤيته الإستراتيجية لحاضر ومستقبل العلاقة الثنائية بين الطرفين، قال أوباما: هناك في الصين من يتصور أن أميركا سوف تسعى إلى احتواء طموحات الصين، وهناك في أميركا من يتصور أن ثمة ما يدعو إلى التخوف من صين صاعدة. لكنّي أتبنى رأيا مختلفا تمام الاختلاف: أنا أؤمن بمستقبل يشهد الصين: قوية ومزدهرة وعضوا ناجحا في جماعة الأمم.. مستقبل يعيش فيه بلدانا (أميركا والصين) في إطار شراكة تقوم على أساس من الضرورة..بل تنهض على أساس من الفرصة والمصلحة.

هذا الخط السياسي الذي رسم أوباما أولى معالمه هو الذي يتبناه الفصل السادس من كتابنا على أساس أن صعود الصين إنما هو حقيقة واقعة خصوصا وأن المباحث العلمية والإحصائية التي أوردها هذا الكتاب جاءت لتثبت أن الرأي العام في أميركا تحولت مساراته في الآونة الأخيرة إلى وجهة بالغة الدقة والأهمية يمكن تلخيصها فيما يلي: إن غالبية الأميركيين ليسوا (بصراحة) سعداء بالتنبؤات العلمية التي تذهب إلى أن اقتصاد الصين في طريقه إلى أن يصبح مضاهيا من حيث الحجم لاقتصاد الولايات المتحدة.. ومع ذلك فهم على استعداد لأنه يتعايشوا مع هذه الحقيقة.. وأمرهم إلى الله كما قد نقول. والمعنى مرة أخرى أن الفرد الأميركي لا يسعده بداهة أن تشحب في وجدانه فكرة أميركا ــ القائدة، أو أميركا ــ الرائدة.. ولكنه أيضا شبّ على أساس تربية برغماتية علمته كيف يكون عمليا، واقعيا، ومصلحيا في آن معاً.

 

الصين وحقوق الإنسان

مع ذلك، يعود كتابنا في الفصل الرابع بالذات، إلى ما قد نصفه بأنه الغمز من قناة الصين.. وبمعنى التلميح إلى حد التصريح بما تمارسه قيادات الصين الحالية مما يصفه المؤلفان بأن تجاوزات بل وانتهاكات بعضها خطير ضد حقوق الإنسان الحريات الأساسية التي يكفلها القانون الإنساني الدولي لكل البشر، وفهم بداهة سكان الصين الذين يصلون في سنوات مقبلة إلى حجم المليار ونصف المليار من سكان كوكب الأرض. وفي هذا الفصل إشارات دالة من هذا القبيل..مابين أحداث ميدان تيانامين التي تعاملت فيها السلطة بعنف شديد مع احتجاجات الشباب إلى حرمان الفائز الصيني بجائزة نوبل في العام الماضي من تسلم الجائزة الدولية بنفسه..لسبب بسيط.. أنه مودع حاليا في غياهب السجون. وإذا كانت قضايا حقوق الإنسان وما إليها أمورا تدخل في باب السياسة.. وربما يختلف عليها الفرقاء فإن من الشرائح الأكثر وعيا في المجتمع الأميركي من يحيل إلى الاقتصاد وهو الأكثر تحديدا والأشد دقة عن مضمار السياسة وقضاياها. وفي هذا المجال ينعى الأميركيون على التنين الصيني ما يصفونه بأنه الممارسات التجارية «المجحفة» وفي مقدمتها مثلا تخفيض سعر صرف العملة الصينية على حساب الدولار الأميركي وهو ما يؤدي إلى ذلك الرخص الشديد للسلع والصادرات المتجهة من الصين إلى أميركا ومن ثم اختلال الميزان التجاري لصالح التنين وعلى طول الخط. والبعض الآخر يشغله أيضا مدى سلامة السلع الصينية التي ثبت أن بعضها تحفه مشاكل بعضها حقيقي وبعضها قد يكون من صنع دعايات معادية هنا أو هناك. في كل حال هذه السلع ذات الأسعار الرخيصة أغرقت الأسواق وأشبعت احتياجات المستهلكين في أميركا ولكنها أدت إلى تقليص فرص العمل وتفشي داء البطالة بين صفوف العمال والتقنيين في طول الولايات المتحدة وعرضها.

 

الصين وتلويث البيئة

في كل حال أيضا تؤكد الصفحات الأخيرة من كتابنا على أن عموم الأميركيين يحبذون استمرار العلاقات الإيجابية السياسية ــ الاقتصادية ــ التجارية بين أميركا والصين.. والفاهمون منهم يركزون بالذات على ضرورة أن تُولي بكين مزيدا من الاهتمام لقضايا تلوث البيئة، بعد أن كادت الصين تحل محل أميركا يوصفها الدولة رقم واحد، المسؤولة للأسف عن أكبر كمّ من تلوث الغلاف الجوي من جراء الانبعاثات الكربونية التي تؤثر سلبا على مسار الحياة فوق سطح كوكب الأرض. أخيرا يخلص هذا الكتاب إلى أن جماهير الشعب الأميركي ترى أن على واشنطن أن تتوخى عنصر موازنة «قوة الصين (البازغة) من خلال عقد إنشاء سلسلة من التحالفات مع الأقطار المجاورة لها في شرقي آسيا وفي مقدمتها اليابان. ثم يحسن هؤلاء الأميركيون صنعا، كما أوضح الكتاب، عندما يؤكدون على رفضهم استخدام القوة العسكرية في هذا المضمار حتى ولو كان الهدف هو الدفاع عن تايوان التي كانت صديقا وحليفا سابقا في سالف الأيام... فالسياسة لا قلب لها.. والمصلحة هي الأَوْلى بالرعاية، خاصة إذا كان الأمر كما أوضح الكتاب باستمرار، يتعلق بالتعايش مع كائن بالغ الخطورة من فصيلة التنين.

الكتاب: التعايش مع التنين

عدد الصفحات: ‬212 صفحة

تأليف بنجامين بيج وتاو كساي

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مطبعة جامعة كولومبيا