هذا الكتاب رحلة مسهبة التفاصيل، مزودة بالوثائق والتواريخ ومعروضة بأسلوب يجمع بين السند التاريخي والعرض الصحافي أو شبه الصحافي الشيق. وخاصة حين يتعرض الكتاب للأبعاد الإنسانية، من قوة وضعف في شخصية المخترع أو المكتشف. وبفضل هذا الأسلوب في موضوعية ورشاقة السرد العلمي عبر متون الكتاب عمدت صحيفة «غارديان» البريطانية إلى وصف الكتاب بأنه «عمل آسر ورفيع ويجمع بين الدقة والتنوع في آن» أما ناقد مجلة الإذاعة البريطانية، جاد آدمز فيسجل للمؤلف أنه نسج خيوط موضوعه وسط رهط من الهاربين من المقصلة (أيام الثورة الفرنسية) ومن العمال المغامرين فضلا عن عدد ليس بالقليل من الأوغاد.

ولكن في غمار هذا كله استطاع المؤلف أن يقدم لقارئيه نفرا من البشر من ذوي الشخصيات الساحرة، والمهم أن الكتاب يشكل نظرة بانورامية على جزء بالغ من الأهمية من تاريخ البشرية الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من معالم الصورة التي يتسم بها عالمنا المعاصر، ذلك الذي تشكلت ملامحه منذ سنوات القرن التاسع عشر بكل ما حفلت به من تحولات جذرية، كان في مقدمتها كما يوضح الكتاب مجموعة المخترعات والمكتشفات التي غيرت حياة البشر وأتاحت لهم مزيدا من السيطرة على موارد الطبيعة وإمكاناتها والتغلب على كثير من عقباتها ولعل من أهم خصائص الكتاب، على نحو ما ألمحت إليه جريدة «صنداي تلغراف» البريطانية، أنه يعزو الفضل في كل هذه المتغيرات لا إلى المخترعين وحدهم ولكن أيضا إلى فئة الممولين وأصحاب المشاريع ومنظمي الأعمال الذين مدوا لهم أيدي الدعم والتشجيع.

 

ثمة رأيان يحاول كل منهما أن يفسر الأسباب التي دعت إلى صياغة شكل عالمنا الحديث.

الرأي الأول: يذهب إلى أنّ هذا العالم المعاصر اتخذ شكله الراهن نتيجة نشوب حربين عالميتين. الأولى شهدتها السنوات ‬1914-‬1918 وأدت إلى سقوط ومن ثم زوال الإمبراطوريات التي ظلت تمسك بمقاليد الأمور في عالم القرون التي سبقت.

وعلى سبيل المثال كانت هناك إمبراطورية بني عثمان في اسطنبول وإمبراطورية آل روما نوف في روسيا وإمبراطورية الهابسيبورغ في النمسا والمجر وإمبراطورية غليوم وأسلافه في ألمانيا. لقد انتهى العمر الافتراضي كما قد نقول لتلك الكيانات الإمبراطورية نتيجة قيام الحرب العالمية الأولى، بقدر ما كانت الحرب الثانية إيذانا برسم خريطة عالم النصف الثاني من القرن العشرين.

أما الرأي الثاني: فيذهب إلى أن شكل عالمنا المعاصر، إنما اتخذ صيغته وتبلورت أوضاعه لسبب جوهري آخر هو: الثورة الصناعية: فهي التي أضفت على عالمنا قدراته الحركية وإمكاناته الإبداعية وهي التي أسفرت عن تقريب المسافات وتوفير سبل التواصل الفعلي والمعرفي بين الأمم والأقطار والشعوب، ومن ثم أتاحت وسائل نقل المعارف عبر الحدود البلدان مما أدى إلى إثراء حصيلة البشرية بزاد متجدد من العلم والفكر والثقافة والإبداع.

هذا الرأي الثاني هو الذي ينحاز إليه الكتاب الذي نعرض لفصوله الواحد والعشرين في هذه السطور.

 

هكذا تكلم توينبي

ولأن مؤلف الكتاب عالم اختصاصي في مجال التاريخ الاجتماعي،. فقد حرص على التمهيد لموضوع الكتاب بعبارات سبق وأن سجلها المؤرخ الإنجليزي الكبير أرنولد توينبي.

لقد كان توينبي معنيا بشكل موضوعي بالدور الذي اضطلعت به بريطانيا في ارتياد آفاق التحولات الجذرية في حياتها وفي تاريخ العالم، تلك التي حملت «اسم الانقلاب، أو الثورة الصناعية» يقول أرنولد توينبي في هذا الخصوص: لم يكن نجاح بريطانيا في ارتياد آفاق التغيير الصناعي وفي تصدر المسيرة نحو حقبة جديدة من تاريخ العالم، نتيجة إبداع في مجال الميكانيكا فحسب. إن العنصر الأساسي كان يتمثل في سيادة ثقافة سياسية. كانت منفتحة على التغيير، أو كانت ترنو إلى تحقيق «تحسين الأحوال» على نحو ما كان يعبر به سياسيو القرن التاسع عشر.

والمعنى، كما يقول توينبي ويتفق معه «جيفن ويتمان» مؤلف هذا الكتاب تمثل فيما يلي: إن القوم مع أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر بدأوا يشعرون بأن الأمر يقتضي التخلي عن طرائق العمل القديمة (الطرائق اليدوية) ومن ثم يتطلب أيضا أشكالا جديدة في تمويل المشاريع وهو ما يقتضي بالتالي أن تتبع البلاد (في انجلترا بالذات) سبيلا يفضي إلى نسيج اجتماعي واقتصادي يكفل تيسير إمكانات الإبداع وقدرات الابتكار وعناصر التجديد.

 

‬1776 تاريخ مشهود

يبدأ كتابنا رحلة التقصي في التاريخ الحديث عند عام ‬1776، وهو العام الذي خرج فيه إلى الوجود كيان كان مستجدا وقتها في تاريخ العالم، وما لبث أن تجسد بعدها في دولة فتية حملت الاسم التالي: الولايات المتحدة الأميركية.

والحق أنها كانت دولة محظوظة بكل معنى. يوضح المؤلف أنها بدأت منذ عام ‬1783 تستقبل سيلا من أمهر الصناع الذين هاجر معظمهم من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وقد تولوا تأسيس أول كيانات صناعية شهدتها أميركا منذ ذلك الحين.

والغريب أن التحولات الصناعية، حتى في أشكالها الرائدة. وربما الساذجة في بعض الأحيان، شهدت عمليات تجسس أملتها الغيرة التي اشتعلت بين الدول في غرب أوروبا بالذات إزاء ما حققته بريطانيا من هذه التحولات.

من هنا نلاحظ أن مؤلفنا يفتتح موضوعات الكتاب بفصل تحت العنوان التالي: الجواسيس.

كانت بريطانيا قد شهدت أول ماكينة لنسج الأقمشة، هي التي ما زالت تعد بمثابة الجدة العليا للآلات والماكينات التي بشرت وشكلت إرهاصات الثورة الصناعية.

ظهرت هذه الماكينة إلى عالم الوجود في عام ‬1871 في منطقة «ديربي شاير» بالريف الإنجليزي، وكانوا يستخدمون مياه نهر ديرونت في تلك المنطقة بوصفها قوة دفع لتشغيل الماكينة، التي وفرت بالطبع جهودا مضنية كان يبذلها النساجون اليدويون وكان معظمهم من الأطفال والنساء.

 

بعدها نجح فريق من البريطانيين في اصطناع طرائق لصهر الحديد ونسج الأصواف الإنجليزية الشهيرة.

 

جواسيس الصناعة

يومها كان طبيعيا أن يتلفت المنافسون الفرنسيون والألمان من حولهم، لزوم الإفادة من هذه التحولات المدهشة في أيامها، ومن ثم وضعها موضع التنفيذ. يومها أيضا لم يكن ثمة دوريات علمية تصدر لكي تتحدث عن هذه المنجزات التقنية ولا جرائد متخصصة في مجالات الاختراع أو التصنيع هذا الشح في المعلومات فضلا عن كتمان أسرارها بواسطة الحكومة البريطانية، كان الدافع إلى استخدام الوسيلة الوحيدة وقتها للحصول على هذه المعلومات. وكانت الوسيلة هي إيفاد مهاجرين عليهم سمات البراءة ولكنهم كانوا في حقيقة الأمر، جواسيس محترفين.

ولكن، إذا كان الفرنسيون قد تجسسوا على منافسيهم الإنجليز، فلم يجد الباريسيون بالذات بدا من مجاملة المنافس البريطاني، هنا جاء احتفاؤهم الزائد باثنين من أقطاب ورواد صناعة الحديد.

كان ذلك في ‬12يوليو ‬1986 حين أضاءت باريس الثريات وبسطت الموائد تكريما للأخوين ويليام وجون ويلكونسون اللذين يصفهما المؤلف بأنهما كانا من «مجانين» تصنيع واستخدام الحديد.

كان الحديد هو الوسيلة الأولى لاستثمار اكتشاف طاقة البخار التي كان بالإمكان دفعها خلال المواسير الحديدية التي احتاجها الفرنسيون لدفع مياه نهر السين إلى المستودعات المائية في إطار حركة العمران الشاملة لتحويل مدينة النور إلى واحدة من أجمل وأحدث العواصم في عالم ذلك الزمان.

على أن أشهر اختراع ما زال عنوانا للثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر وهو: التوصل إلى القطار.

قبل القطار كان الجواد هو المخلوق المفضل للنقل واجتياز المسافات: في أيام السلم، كانت العربة العتيقة تجرها الخيول وفي أيام الحرب كانت الخيول هي أفضل استخدام بين صفوف الجنود.

ومن الطريف أن جاءت أزمة اقتصادية لتشدد على الحاجة إلى سبل أخرى للنقل والمواصلات بدلا من الجياد.

 

أزمة الأعلاف

هي أزمة حروب نابليون على نحو ما يوضح المؤلف (ص ‬118): كان الغازي الفرنسي قد انهك قدرات أوروبا في حروب متوالية اقتضت بطبيعة الحال استخدام الجياد على مستويات واسعة النطاق إلى حد بعيد.

من هنا ارتفعت أسعار أعلاف الجياد وأثارت الأزمة الاقتصادية وتنادى أهل المال وأهل الاختراع إلى البحث عن سبيل آخر، وفي غمار هذه الظروف لمع اسم جون ستيفنسون المولود في أرياف انجلترا والذي ظل حتى الثامنة عشر أميا لا يقرأ ولا يكتب لكنه علم نفسه بنفسه. وبدأ في تعاطي الحرف والمهن البسيطة ولكن التي تتطلب مهارات خاصة ما بين تنظيف الساعات وإصلاح وتصنيع الأحذية وفي عام ‬1813 (كان عمره ‬33 سنة) تولى ستيفنسون أمر تصنيع قاطرة تعمل بطاقة البخار وكانت من تمويل عدد من أصحاب مناجم الفحم الذين اختاروا أن يطلقوا على القاطرة الجديدة اسم «بلوشر» تيمنا باسم بطل (بروسي -ألماني) خلال حروب نابليون.

وبديهي أنها كانت قاطرة متواضعة جربوها للمرة الأولى في ‬25 يوليو عام ‬1814 وفي رحلة شديدة الاختصار تمت بنجاح قرب الكوخ الذي كان يسكنه المخترع ستيفنسون بمنطقة « وست مور» بيد أن المشكلة هي أن القاطرة البخارية العجيبة ولدت في مجتمع زراعي وبمعنى أن كانت التربة شديدة الليونة والطرق ضيقة ومتعرجة ومتلاصقة شأن طرق الأرياف في العالم.

 

حكاية مكدام

من هنا لاحت مشكلة بناء الطرق المعبدة والصلبة التي تتحمل قطارا من حديد. وهنا جاء حل المشكلة على يد فتى مولود في اسكوتلندا اسمه مكدام. لم يكن يتعاطى أي حرفة معينة وكان منحدرا من أسرة موسرة إلى حد ما، ولكنه تحول من مجرد هاو إلى حيث نبغ واحترف صناعة وفن تمهيد وتعبيد وبناء شبكات الطرق الرئيسية لدرجة أنه أصبح اسم «مكدام» علما على هذا النشاط الحضاري التي تجسده شبكات الطرق المعبدة السريعة في طول العالم وعرضه.

ثم يتحول بنا المؤلف إلى الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب، إلى مرحلة تكاد تقارب منتصف القرن التاسع عشر.

كان الفرنسيون قد نشروا في تلك الفترة أنباء تدعي أنهم توصلوا إلى اختراع سيغير طريقة نقل المعلومات والأخبار عبر الأقطار والأمصار.وكانت أنباء مذهلة، طبعا في حالة وضعها موضع التنفيذ. لكن الأمر كان على خلاف ذلك في واقع الحال.

قصارى ما توصل إليه الفرنسيون هو التوسع في استخدام جهاز التلسكوب القادر بعد تصويبه على قراءة صحائف المعلومات أو الأخبار إذا ما كتبت بحروف بالغة الضخامة واضحة التحديد بحيث يتسنى للتلسكوب أن يتعرف عليها عبر مساحات بعيدة. كان هذا بالضبط ما ذكرته مقالة صحيفة «أوبزيرفر» الصادرة في نيويورك يوم ‬15 ابريل ‬1837 هذه المقالة قرأها باحث أميركي كان يعيش في نيويورك اسمه صمويل فنلي مورس، في هذا السياق يعترف مؤلف كتابنا بأن مورس لم يكن عبقريا ولا كان نابغة عصره بحال من الأحوال، رغم أن اسمه ما زال مقترنا باكتشاف أو اختراع وسيلة ثورية هي الإرسال والتواصل البرقي (التلغراف) التي يصفها المؤلف في عبارات يقول فيها: أن التلغراف البرقي في حياة الناس كان معناه تثوير الاتصالات الوطنية والدولية على مستوى العالم.

 

حدث في عام ‬1873

من هنا يذهب مؤلف كتابنا إلى أن مورس أفاد كثيرا من جهود جمهرة من المساعدين والاستشاريين الذين كان بعضهم كما يؤكد المؤلف (ص ‬99) يفوق مورس نفسه علما ونبوغا وقدرة على الابتكار. ولكن تشاء الأقدار أن يظل اسم مورس راية مرفوعة على التلغراف بل يظل اسمه مقرونا بأجرومية الإرسال البرقي المؤلفة كما هو معروف من عنصري النقطة والشرطة.

هكذا دخل مورس في دوامة متوالية الموجات من الدعاوى والقضايا والخلافات والمنازعات حول من سرق اختراعه وحول من له حق في تسجيل براءة هذا الاختراع.

وبديهي أن لم تعد هذه الأمور تعني العالم لأن الذي كان يعنيه بالذات حدث على وجه التحديد يوم ‬20 سبتمبر من عام ‬1837، في هذا اليوم بالذات قدم مورس أول عرض تنفيذي للتلغراف الذي توصل إليه. كان ذلك من غرفة في جامعة نيويورك حيث كان يعمل بالتدريس ومنها تم إرسال أول رسالة برقية سجلوها عبر مساحة تبلغ نحو ثلث الميل من الأسلاك. وإن كانت الرسالة قد استخدمت الأرقام الدالة على حروف اللغة حيث لم يكن قد تم التوصل إلى حكاية النقطة والشرطة المذكورة أعلاه.

 

غاز في البندقية

وإلى الفصل ‬15 يرصد المؤلف التحولات التي استجدت على أساليب الحياة وطرائق المعيشة في العالم. وفي مقدمتها سبل الإضاءة التي بدأت كما يوضح الكتاب (ص ‬252) باستخدام نظم غاز الاستصباح البدائية في انجلترا مع أواخر القرن الثامن عشر وكانت تنطوي على تسخين الفحم في وعاء ثم سحب الغاز المتصاعد ضمن ماسورة بندقية لإنارة بيوت السراة الانجليز كل هذه العمليات الرائدة الساذجة في بعض الأحيان أفضت بفضل جهود المستكشفين وعلماء طبقات الأرض إلى بدء استكشاف أهم وأخطر وربما أرخص مصدر للإنارة وللطاقة يشكل عام متمثلا في البترول.

مع ذلك فالمؤلف لا ينسى أن يسجل أن أمر النفط لم يكن جديدا على العالم. وهو يؤكد أن الناس منذ بدء الخليقة كانوا يستخدمون هذه المادة إذا ما عاينوها وهي متسربة أو طافية على سطح الأرض وكان استخدامها كما (يوضح الكتاب) لأغراض الإنارة والتشحيم والطب والعلاج في بعض الأحيان.

 

معجزات البترول

ثم جاء عام ‬1843، في ذلك العام بدأ كيميائي أميركي من مدينة بتسبرغ في تسويق البترول الخام لأول مرة معلنا أنه مادة سحرية لعلاج وشفاء جميع العلل وكل الأمراض يستوي في هذا- كما ادعى المذكور أعلاه- أمراض السعال أو إصابات الحروق أو أوجاع الروماتيزم. ومع تطور الأحوال بدأ القوم في أميركا يدركون أنهم بإزاء مادة بالغة الأهمية، بصرف النظر عن دعاوى شفاء الأمراض، وزادت الأهمية حين تسامعوا عن منافسين محتملين في أرض «النيران دائمة الاشتعال» وهي آبار النفط في حوض بحر قزوين ضمن مناطق القوقاز.

والحكايات كثيرة ومثيرة على نحو ما يرصده مؤلف هذا الكتاب عبر صفحاته التي فاقت ‬400 صفحة، وأن هذه الحكايات دارت أساسا حول رواد ومكتشفين وعلماء ومخترعين من الغرب في أوروبا وأميركا.

 

 

 

، فنحن نحمد للمؤلف أن اختتم صفحات البحث (ص‬393) مؤكدا على رفضه لمقولة المركزية الأوروبية بمعنى تكريس التفوق الأوروبي وموضحا أن هذه الثورة الصناعية تمثل في التحليل الأخير محصلة لقدر كبير من الجهد البشري والمحاولات الإنسانية المرموقة في كل حال.

 

 

 

عدد الصفحات: ‬422 صفحة

تأليف: جيفن ويتمان

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: أتلانتك بوكس ــ لندن ــ ‬2011