ظهرت على تونس أعراض ضعف كثيرة وعميقة عندما كان بن علي يتهيأ لفترة رئاسية خامسة عام 2009.لقد كانت هناك مؤشرات عديدة على ذلك، وليس أقلّها موجة العنف التي عرفتها البلاد والمظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدن عديدة،خاصة انتفاضة منطقة «قفصةسعام 2008 والتي استمرّت أسابيع عديدة. إجابة النظام كانت زيادة القمع.
بالمقابل حظيت تونس خلال تلك الفترة بمعاملة خاصّة من قبل القوى الغربية. وخاصّة من قبل فرنسا التي أطلقت على بن علي تسمية «الصديق زين» الذي كان الجميع يكيلون له الإطراء والمديح.ولم يتردد الرئيسان الفرنسيان جاك شيراك ونيكولا ساركوزي في الحديث عند زيارتهما لتونس عن «مجال الحريّات» الذي يزداد رحابة في بلاد الياسمين.
لكن واشنطن،ورغم حرصها على تعزيز حضورها في تونس،ابتعدت عن النظام. بل طلبت من بن علي عدم الترشّح للانتخابات الرئاسية التونسية لعام 2009، وبكل الحالات بدت حالة التفسّخ واضحة على نظامه.
عشية انتخاب زين العابدين بن علي للمرّة الخامسة رئيسا لتونس بدت حالة من التثاقل تخيّم على البلاد بما يشبه أجواء نهاية النظام. و«المعجزة» التي أثارت الكثير من الآمال خبا نجمها بسبب النتائج المتواضعة خلال 22 سنة من «التغيير».
ويوضح المؤلفان أن مؤشرات الخطر تعددت على الصعيد الداخلي. ففي ظل دولة بوليسية تخنق الحريات السياسية والمدنية تنامى، كما جرت العادة، صعود الحركات المتشددة وخاصّة بين جماهير الشباب.
وينقل المؤلفان عن الصحافية سهام بن سدرين قولها بهذا الشأن:هذه الظاهرة تنامت بسبب السياسة القمعية ضد الشباب. ومنذ اضطرابات عام 2000 أعتبر بن علي أن أعداءه الرئيسيين هم الشباب «. من المعروف أنه في عام 2000،وبسبب رفع ثمن الخبز، جرت صدامات عنيفة بين الشباب وقوات الأمن في العديد من المدن بجنوب ـ شرق تونس.
موجة عنف
في مثل ذلك السياق عرفت تونس موجة من العنف مثل تلك المواجهات المسلّحة التي جرت في شهري ديسمبر 2006 ويناير 2007 بين قوات الأمن ومجموعات قيل أنها مرتبطة بتنظيم القاعدة وينقل المؤلفان عن تقرير أميركي يقيّم سنويا عمل شركاء الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب جرى تقديمه للكونغرس في شهر ابريل ـ نيسان 2009 ما يلي عن تونس :» منذ تبنّي قانون مكافحة الإرهاب عام 2003 هناك حوالي 1000 تونسي تقريبا جرى اعتقالهم بعد توجيه الاتهام لهم أو إدانتهم بنشاطات إرهابية».
ويشير المؤلفان إلى أن الوضع الداخلي التونسي تدهور أكثر فأكثر على الجبهة الاجتماعية،في بعض المدن على الأقل.هكذا فوجئت السلطات عام 2008 بالانتفاضة التي عرفتها منطقة قفصة. لقد كانت هذه المنطقة،المنسية من «المعجزةسالاقتصادية على مدى عدّة أشهر مسرحا لمظاهرات ومواجهات عنيفة بين السكان وقوات الأمن.أمّا الأسباب فتشمل البطالة وصعوبة تأمين سبل العيش والفساد وسوء المعاملة من قبل السلطات العامّة.
قفصة غنية بالفوسفات
تجدر الإشارة أن منطقة قفصة غنيّة بحقول الفوسفات التي جعلت تونس تحتل المرتبة العالمية الرابعة في تصدير هذه المادّة.لكن أبناء المنطقة أحسّوا أنهم لا ينالون حقهم حتى من التوظيف، مما كان السبب المباشر في قيام المظاهرات التي قمعتها قوات الأمن بالعنف واعتقال الكثيرين.لكن الاضطرابات استمرّت مع ذلك أسابيع عديدة.كان ذلك أطول نزاع اجتماعي عرفته تونس منذ بداية عهد «التغيير».
كل المؤشرات الجيوسياسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو الاجتماعية في تونس انتقلت تدريجيا إلى حالة الإنذار بالخطر ـ غدت كلّها حمراء. لكن الرئيس بن علي وحاشيته لم يدركوا ما كان يجري،ذلك أنهم كانوا مأخوذين تماما بزيادة ثرواتهم وبقمع كل أشكال الاحتجاج.
في قصر قرطاج حيث كان أفراد عائلتي الطرابلسي والماطري يتصرفون على هواهم تمّ التمسك بفكرة أن تونس تبقى الدولة المفضّلة أكثر من غيرها من بلدان المغرب لدى القوى الغربية وأنها تحظى من قبلها بمعاملة خاصّة.
يشير المؤلفان إلى أن الرياح كانت قد بدأت تغيّر اتجاهها بالنسبة لواشنطن،لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لباريس.
نقرأ :» لقد تابعت فرنسا تقديم دعم غير مشروط بمقدار ما هو أعمى لها ــ تونس ــ دون أن تأخذ باعتبارها المساس الخطير بحقوق الإنسان ولا الفساد الذي كان قد بدأ ينخر جديّا بأسس الاقتصاد التونسي».
صديق فرنسا
يؤكّد المؤلفان في هذا السياق أن الرئيسين الفرنسيين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي انتهجا السياسة نفسها حيال تونس.وبدونهما ما كان لبن علي،كما يؤكّدان أيضا، أن يترشّح للرئاسة مرّة خامسة. ولم يكفّ المستشارون المقرّبون من الرئيس الفرنسي الحالي عن كيل المدائح لـ «الصديق زين». وينقلان عن جان دافيد لوفيت، المستشار الدبلوماسي لقصر الإليزيه، قوله لصحافيين في شهر أبريل 2008: «من بين بلدان المغرب الثلاثة، تعد تونس هي التي نقيم معها العلاقات الأكثر كثافة والأكثر سهولة».
وذهب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه إلى ما هو أبعد أثناء زيارته لتونس عام 2008 حيث قال أثناء حفل عشاء على شرفه بن علي في قصر قرطاج مادحا «مجال الحريّات الذي يتقدّم» في تونس. وأضاف الرئيس الفرنسي في الخطاب نفسه:
«أريد أيضا أن أحيي،سيادة الرئيس، نضالكم الحازم ضد الإرهاب،العدو الحقيقي للديمقراطية.وثقوا أن نضالكم ضد الإرهاب هام جدا بالنسبة لفرنسا. إذ من قد يعتقد أنه إذا قام،غدا أو بعد غد، نظام من نمط طالبان في أحد بلدانكم في شمال إفريقيا،يمكن لأوروبا وفرنسا اعتبار أنها في مأمن ؟».
وعن أسباب زيارته لتونس قال الرئيس ساركوزي: «لم أقدم إلى تونس للقيام بجولة سياحية، ولا من أجل بيع أقصى ما يمكن،ولا على خلفية اعتباركم بنكا، ولا من أجل الحصول على مرابح أكثر ثمّ الذهاب ونسيان ما سيجري غدا.كانت تلك هي الطريقة القديمة في التعامل. وهناك طريقة جديدة نبنيها معا».
ما يؤكّده المؤلفان هو أن جاك شيراك، الرئيس الفرنسي السابق لم يفعل شيئا آخر عندما كان في قصر الإليزيه.إذ بعد انتخابه رئيسا في عام 1995 خفّ لزيارة تونس في شهر أكتوبر ــ تشرين الأول من السنة نفسها حيث كال المديح لبن علي «رجل الدولة الذي يجسّد تونس الجديدة»، كما قال مؤكّدا أن بن علي قد قاد بلاده على طريق «التحديث والديمقراطية والسلام الاجتماعي». وتجنّب شيراك، كما فعل بعده ساركوزي، التعرّض بكلمة لكل ما كان منه أن لا يعجب بن علي.
كل ما فعله شيراك هو أنه تجرأ وذكر اسم الحبيب بورقيبة. الصحافة التونسية مارست عملية الرقابة ولم تشر لذلك.
وزير الخارجية الفرنسي الأسبق برنار كوشنير سمح لنفسه بالتحدّث في مقابلة له مع مجلة «جين افريك» عام 2009 عن «مساس بحقوق الإنسان» في تونس. وكان رد فعل قصر قرطاج سريعا وعنيفا. وتابع رجال السياسة والإعلام والمال الفرنسيين إمضاء عطلهم في ربوع تونس حيث كانت الدعوات «تنهار» عليهم من النافذين في النظام التونسي.
ماذا عن واشنطن؟
كان نظام بن علي مطمئنّا باستمرار حيال المواقف الداعمة له من قبل فرنسا،لكن لم يكن يخفى على قادته أن القوّة الفرنسية لم تعد على ما كانت عليه في السياق الدولي العالمي منذ عقد التسعينات الماضي.لذلك عملوا بجد كبير من أجل إقامة الجسور مع واشنطن.والولايات المتحدة حريصة من جهتها أن تثبّت حضورها في بلدان المغرب الثلاثة تونس والجزائر والمغرب، خاصّة بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2011.
وعندما كان زين العابدين بن علي ضابطا شابا أمضى عشرين شهرا في الولايات المتحدة الأميركية للتدرّب في المدرسة العسكرية العليا للاستخبارات والأمن في بالتيمور. ولم يكن الوحيد في النظام الذي أقام مثل تلك العلاقات مع عاملين في الأجهزة الأمنية الأميركية.
وفي عام 1998 تأسس بمبادرة من بن علي «نادي» في الولايات المتحدة للدفاع عن المصالح التونسية ضمّ أعضاء من مجلس الشيوخ ودبلوماسيين وموظفين كبار وصحفيين.كما تعاقبت الوفود الأميركية إلى تونس. لكن هذا لا يمنع واقع أنه اعتبارا من عام 2000 بدأ الدبلوماسيون الأميركيون في تونس بمقابلة معارضين تونسيين في الداخل واتصال بمنفيين في الخارج.
كذلك أخذت وزارة الخارجية الأميركية تنشر في تقاريرها ـ ثلاثة على الأقل سنوياـ أخبار عن حقوق الإنسان في تونس،كما في غيرها من البلدان.
وينقل المؤلفان عن السناتور الأميركي جون كيري تصريحه عام 2009 ما مفاده: «سنرى إذا كان الرئيس بن علي سوف يحدث انفراجا في الحياة السياسية.الوضع منذر بالخطر وقد وصل لي أن حرية وسائل الإعلام في تونس هي من بين الأكثر سوءً في العالم العربي».لقد بدا هذا التصريح بمثابة إنذار حقيقي، ويؤكّد المؤلفان أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس كانت قد طلبت من بن علي،عبر سفير الولايات المتحدة في تونس، عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية التونسية لعام 2009.
أجواء النهاية
في صيف 2007 أوقفت تونس كل تعاون أمني مع فرنسا. بدا ذلك القرار ذا نتائج خطيرة بالنسبة للمسائل المتعلّقة بالنضال ضد الإرهاب والهجرة السرّية وكل أنواع التجارات الممنوعة. كانت دهشة الجانب الفرنسي كبيرة حيث أن الأسباب التي قادت قصر قرطاج لاتخاذ مثل ذلك القرار الخطير «سخيفة». وتمثّلت في إن بن علي والمقرّبين منه،خاصّة زوجته ليلى الطرابلسي، لم يعودوا يقبلون آنذاك وجود صحيفة «أوداس»، ومعناها «الجسارة»، في فرنسا.
هذه المطبوعة المتواضعة التي تأسست عام 1992 جعلت موضوعها الدائم هو الكشف عن انحرافات نظام بن علي على غرار المافيا وتجاوزات عائلتي الطرابلسي والماطري. كان قد بدا واضحا أنها تستقي معلوماتها من مصادر مطّلعة في الداخل، وقد أصبحت تؤّرق بن علي ومن حوله فعليا. وعندما فشلت جميع أشكال الملاحقة والضغط والترهيب حيال مديرها ألحّوا في الطلب مرارا وتكرارا من السلطات الفرنسية بغية إغلاق تلك الصحيفة.
إذا كانت فرنسا في ظل فرانسوا ميتران وجاك شيراك لم ترضخ أبدا لهذا الطلب فقد تمّت الاستجابة في عهد نيكولا ساركوزي لطلب الصديق بن علي.وفي صيف 2007 قام أحد مسؤولي وزارة الداخلية الفرنسية بزيارة تونس لتهدئة روع قادتها واستئناف التعاون الأمني الذي كان قصر قرطاج قد أوقفه.وفي شهر نوفمبر من نفس السنة صدر العدد الأخير من «أوداس» بعد 15 عاما من صدورها.
عوامل مهددة
وما يؤكّده المؤلفان في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب هو أن عوامل عديدة بدت مهددة لنظام بن علي. ذلك ابتداءً من عمره البالغ 73 سنة عام 2009 وصحّته المتدهورة. وإذا كانت الصحف التونسية تكرّس له كل يوم تقريبا صفحاتها الأولى، فإن الأمر كان يتعلّق غالبا برسائل التهنئة إلى شخصيات على المسرح المحلّي أو لقادة إقليميين أو دوليين.والأسفار الرئاسية إلى الخارج غدت نادرة.
وكذلك الجولات الداخلية التقليدية. ثمّ إن الأوضاع تتفسّخ شيئا فشيئا على الصعيد الداخلي، والحديث عن سطو المقرّبين من الرئيس،خاصّة عائلة ليلى الطرابلسي،على التراث التاريخي التونسي أصبح شائعا في المقاهي.
أمّا في كواليس قصر قرطاج فسادت حالة من التوجس وتردد ت أسماء من قد يخلفون بن علي،ومن بينهم وزير الخارجية عبد الوهاب عبد الله، وعبد العزيز بن ضياء، المستشار الخاص لرئيس الدولة، وهادي جيلاني رئيس أرباب العمل وحليف ليلى الطرابلسي، وقبل الجميع صخر الماطري صهر العائلة الرئاسية الشاب.
يبقى أن ليلى الطرابلسي «حاكمة قرطاج» هي منسّقة جوقة هؤلاء الطامحين لخلافة زوجها. وهي تذكّر من خلال هذا بالدور الذي لعبته السيدة وسيلة بن عمّار،زوجة بورقيبة.
هذا مع فارق بسيط هو أن ليلى الطرابلسي سعت دائما أن تؤمّن،بالإضافة للسلطة السياسية، قاعدة اقتصادية ومالية صلبة لأفراد عائلتها.وذلك عبر خليط دقيق من الاستيلاء على الأملاك العامّة والفساد واستخدام العدالة والتهديد الجسدي.
وفي نهاية العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين،وفي الوقت الذي طُرحت فيه بحدّة مسألة خلافة زوجها، أرادت ليلى الطرابلسي أن تلعب دور «الوصيّة» على الحكم، بالتالي على البلاد، مهددة بالجنوح نحو نظام مافيا على شاكلة أسوأ «جمهوريات الموز» دكتاتورية.
«إن تونس لا تستحق ذلك» ؛هكذا تقول الجملة الأخيرة من الكتاب الذي كان زين العابدين بن علي لا يزال على رأس السلطة... عند صدوره.
الحلقة: الاخيرة
الكتاب: حاكمة قرطاج
عدد الصفحات: 178 صفحة
تأليف نيكولا بو وكاترين غراسييه
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس - 2009
