قامت حالة من الجفاء والمنافسة بين ليلى الطرابلسي ونعيمة الماطري والدة صخر الماطري ،زوج نسرين بن علي، وذلك على خلفية استثناء ليلى الطرابلسي من المدعوين لحضور حفل استقبال مسائي نظمته أسرةالماطي على شرف الرئيس الليبي معمر القذاقي.
وكانت ليلى الطرابلسي قد فكّرت منذ عام 2004 أن الشاب صخرالماطري يمتلك المؤهلات المطلوبة لخلافة بن علي «المريض» آنذاك. في مثل ذلك السياق تمّ زواجه من نسرين بن علي لتبدأ مسيرة صعود «الصهر العزيز»
«يبدو أنكِ أنتِ السيدة الأولى في تونس؟». هذا ما قالته ليلى الطرابلسي لــ«صديقتها» نعيمة الماطري ذات صباح من صيف عام 2008. ونعيمةالماطي هي زوجة منصف الماطري الذي كان قد حاول الإطاحة بالرئيس بورقيبة عام 1962 ليمضي عشر سنوات في السجن قبل أن يعيد له بن علي الاعتبار. وهي أيضا والدة صخر الماطري ،زوج نسرين ،ابنة ليلى وبن علي ،منذ عام 2004 .
كان غضب ليلى الطرابلسي شديدا في ذلك الصباح بسبب استبعادها من حفل استقبال مسائي نظّمته أسرة الماطري على شرف العقيد القذّافي، الذي كان في زيارة رسمية لبلاد الياسمين. كانت زيارة «أخوّة وعمل» كما وصفتها الدبلوماسية التونسية. وكان العقيد قد وزّع في تلك الأمسية الخاصّة الكثير من الهدايا الثمينة شملت جواهر وسلاسل تحمل صورته. استمرّ السمر طويلا في تلك الليلة حتى استأذن العقيد لأداء صلاة الفجر.
وكان غضب ليلى أكبر حيال نعيمة الماطري حيث إن تلك كانت المرّة الثانية التي تضطر فيها إلى تعنيفها. فقبل عام كانت قد أوفدتها إلى العقيد القذافي كي تشرح له الأسباب التي دعت إلى نشوب خلاف كبير بينها وبين صديقتها السابقة سهى عرفات ،أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
كانت سهى قد ذهبت شاكية باكية إلى الزعيم الليبي ما حصل لها في تونس، فأغدق لها العطاء من المال. لكن وشاية جاءت من ليبيا لليلى الطرابلسي تخبرها أن نعيمةالماطري لم تقم بالمهمة الموفدة من أجلها، بل قالت أشياء غير جيّدة بحق من أوفدتها ،أي ليلى الطرابلسي.
ما يؤكّده المؤلفان هو أن بن علي وزوجته حملا الكثير من الضغينة حيال أسرة الماطري، منذ تلك الأمسية الشهيرة ، خاصّة أن العقيد القذافي كان قد قال كلاما جريئا لمنصفالماطري مفاده :« أنت تمكنّت من الاستمرار بعد فشل ـ إشارة للانقلاب الفاشل على بورقيبةـ ، وأنا أقترح عليك القيام بانقلاب حقيقي وإقامة نظام ملكي في تونس». جاء ذلك القول في سياق تدهور صحّة الرئيس بن علي، وحيث كان قصر قرطاج يبحث عن خليفة له منذ سنوات.
«الصهر العزيز»
فكّرت ليلى الطرابلسي منذ عام 2004 في أن الشاب صخرالماطري يستجيب للمواصفات المطلوبة لخلافة بن علي، ولكنه يحتاج إلى التمرّس أكثر في عالم السياسة. لذلك سعت مباشرة ،بالتعاون مع أمّه ، لترتيب زواجه من ابنتها نسرين.
كان عمره آنذاك 24 سنة وكان مولعا بفتاة أخرى وريثة عائلة ثريّة. وفي الوقت الذي كانت والدة الشاب تشرح له أهمية زواجه من نسرين بن علي عملت ليلى الطرابلسي ،أمّها،على استدعاء الفتاة الأخرى «الغريمة» إلى قسم الشرطة. وبعد احتجازها في النظارة 24 ساعة رفعت الفتاة «الراية البيضاء» وفضّلت الانسحاب والسفر للإقامة في فرنسا.
مثّل صخرالماطري حلاّ ممتازا بالنسبة لخلافة بن علي بنظر ليلى الطرابلسي. ففضلا عن كونه سليل أسرة بورجوازية كبيرة، كان معروفا بورعه الديني ،الأمر الذي يشكل ورقة رابحة هامّة في المجتمع التونسي، ويمتلك بالوقت نفسه ورقة رابحة كبيرة أخرى تتمثّل في اتساع شبكة علاقاته على الصعيد الخارجي .
لم يكن معروفا عن صخرالماطري الكثير قبل زواجه بنسرين بن علي. وبعد الإشارة إلى مستواه التعليمي المتواضع جدا، يتم تأكيد نظر أغلبية التونسيين له على أنه شاب جيّد التربية».
لكنه رغم تواضع دراساته حقق نجاحا سريعا في عالم المال والعمال. واستفاد كثيرا من زواجه من ابنة الرئيس ، كما تأقلم سريعا مع الممارسات التي كانت قد أرستها عائلتا بن علي والطرابلسي. وهذا ما يعبّر عنه المؤلفان بالقول: «القاعدة هي أن أفراد عائلتي بن علي والطرابلسي وشركائهم لا يدفعون ثمن ما يتزودون به، حيث أنه شرف عظيم للمزوّدين أن يكون بين زبائنهم أحد أفراد هاتين العائلتين. يضاف إليهم أحد أبناء عائلةالماطري» منذ زواجه بنسرين بن علي.
في سوق السيارات
وينقل المؤلفان في هذا الإطار عن مصادر اقتصادية تونسية مطّلعة شرحها لواقع سيطرة المافيا في رأس السلطة على سوق السيارات في تونس بالقول: «إذا نظرنا إلى سوق السيارت المستوردة في تونس فإننا نلاحظ أن كل عائلة من العائلات النافذة في السلطة تحتكر تسويق ماركة. ذلك أن شركة النقل التي تسوّق سيارات اودي وفولسفاجن وبورش جرت خصخصتها لصالح صخرالماطري. (...). وبلحسن الطرابلسي، شقيق الزوجة الثانية لبن علي ، امتلك شركة تسويق سيارات فورد وجاكوار.
ومنصور مبروك، الصهر الآخر لبن علي، شركة المحرّك التي جرت خصخصتها لصالحه وهي تبيع سيارات فيات ومرسيدس. أمّا شركة رينو ـ بيرلييه فقد تمّ شراؤها من قبل الأخوة مزابي، حلفاء زوجة بن علي».
ما كان أساسيا بالنسبة لليلى الطرابلسي وشركائها هو الاحتفاظ بالغنائم من جهة والوقاية من تصفية الحسابات بين العائلات المتنافسة من جهة أخرى. من هنا أتت الأهمية الحيوية بجعل صخرالماطي أحد أعمدة عالم رجال الأعمال في تونس. وكان هو نفسه فخورا بما وصل إليه. هذا ما عبّر عنه أحد الفرنسيين المقيمين في تونس بالقول عنه أنه: « يخرج بسيارة بنتلي في الصباح ثم يقود سيارة استون مارتن بعد الظهر قبل أن يحل محلها سيارة بورش».
بالمقابل كان يتم تحضير صخرالماطري من قبل المنظومة المسيّرة للسلطة للعب دور سياسي مركزي في تونس. وذلك عبر مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى تتمثّل في زيادة نفوذه على وسائل الإعلام وبناء صورة له تقدمه على أنه رجل قوي وزعيم جدير بالقيادة. والمرحلة الثانية تأمين قاعدة سياسية له بحيث تولّى عبد العزيز بن ضياء، المستشار الشخصي للرئيس بن علي ، تلك المهمة.
لكن إذا كان صخرالماطري قد بدا فوق المساس به عام 2009، فإن العرّابين بن علي وليلى الطرابلسي احتفظا بتأكيد أن الكلمة الأخيرة لهما. ذلك عبر محاولة «كبحه» بين فترة وأخرى ، كما دلّت تسريبات عديدة تتحدث عن لقاءات «مشبوهة» لصخرالماطري مع معارضين، مثل راشد الغنوشي في لندن، والتشكيك إجمالا بـ «خيارات» الوريث «المزعوم».
حقيقة الوضع الاقتصادي
رغم أجواء الدسائس التي سادت طويلا في دوائر السلطة التونسية العليا، فإن تونس اكتسبت صفة «المعجزة الاقتصادية» لدى المجموعة الدولية. وتعاقبت موجات الإطراء من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي للتنمية حيال «التلميذ التونسي النجيب».
لكن العملة لها وجهها الآخر. وينقل المؤلفان عن الباحثة بياتريس هيبو كتابتها منذ عام 1999 أنه «باعتراف المؤسسات الدولية نفسها هناك مشكلات في تونس. ودافعو الأموال يدركون جيّدا أوضاع الاحتكارات الخاصّة التي تسمح بها العلاقات السياسية والهيمنة المتنامية لمجموعة من العائلات في القطاعات ذات الربح السريع والممارسات غير المشروعة ودفع الرشاوى للدوائر المقرّبة من الرئاسة للحصول على صفقة أو المساهمة في راس مال شركة».
وبعد عشر سنوات ، أي في عام 2009 ، لم تتحسّن الأوضاع في عالم الأعمال. المؤلفان عن دراسة تعود لشهر أبريل ـ نيسان أعدّتها مجموعة من الاقتصاديين التونسيين ما مفاده أن الدولة، مع تبنّيها لصيغة شكلية تتماشى مع الالتزامات الدولية لدافعي الأموال على صعيد العلاقات الاقتصادية، فإنها تابعت في الواقع العملي بطريقة غير رسمية اللجوء إلى مفهوم الزبائن ومنطق توزيع المكاسب مقابل الولاء السياسي.
وتابع الاقتصاديون تحليلهم بالتأكيد أنه مقارنة مع الفترة الأولى تتميز المرحلة الراهنة ـ 2009 ـ من التحوّل الليبرالي بزيادة الخصخصة ومصادرة الدولة من قبل عائلات تفرض هيمنتها على السلطة واقتسام التراث الوطني وتنظيم وتوسيع عمليات اختلاس للثروة لصالح هذه العائلات..
مثل هذه القراءة تجد صداها في تقارير أعدتها البعثة الاقتصادية الفرنسية في تونس حيث جاء في أحدها : «إن تونس تعرف اليوم تباطؤا يتعمم أكثر فأكثر في نشاطها الاقتصادي. هكذا يُفترض أن يبلغ معدّل نموّها لعام 2009 بحوالي 3٪». في مواجهة هذا الوضع وفي سياق الزوابع التي أثارتها الأزمة المالية العالمية لم يتم أي تغيير حقيقي في النهج، ولكن في الخطاب فقط من أجل طمأنة دافعي الأموال.
وفي شهر يونيو ـ 2009 صرّح هادي جيلاني ،رئيس أرباب العمل التونسيين، المقرّب من ليلى الطرابلسي لمجلة «إيكونوميست» قوله: «بدلاً من شجب خيار الاقتصاد الليبرالي ينبغي بالأحرى التأكيد على فضائله في بعض الأوضاع. ولن أنسى أبدا أنه في الأيام الأولى للأزمة العالمية بدأ الذين يحنّون للشيوعية وللاقتصاد المغلق بالحلم. لكنهم أدركوا سريعا أنه لن يصدقهم أحد. والجميع مدرك أن الانفتاح على العالم هو المخرج الوحيد لاقتصاد مثل اقتصاد تونس».
ظل البطالة الكئيب
ورغم مثل هذه اللهجة المكرّسة «لبيعها» للشركاء كان الاقتصاد التونسي يعاني من خلل بنيوي يزيد من قتامة صورته. ويتمثل هذا الخلل في نسبة عاطلين عن العمل تزيد على 10٪ وصولا إلى 14,2٪ عام 2008 .التعبير عن ذلك الواقع أخذ أشكالا مختلفة مثل فكاهة سرت في الشارع مفادها أنه «بين كل مقهى ومقهى في تونس يوجد مقهى آخر». وهو ما يعني أن عدد العاطلين عن العمل يزداد، وهم بحاجة إلى أمكنة يقتلون فيها الوقت. وينقل المؤلفان عن «كادر» شاب يعمل في إحدى الشركات قوله : «في مدينتي بجنوب البلاد البالغ عدد سكانها 60000 نسمة يبلغ متوسط المقاهي التي تفتتح سنويا 15 مقهى».
والأخطر في ظاهرة البطالة أنها طالت في السنوات الأخيرة أكثر فأكثر فئة الشباب ، وخاصّة من حملة الشهادات الجامعية. والحكومة التونسية نفسها أكّدت على خطورة هذه المشكلة. وتقول الأرقام المقدّمة في دراسات مختصّة عن واقع البطالة في السنوات الأخيرة أن نسبة 46 ٪ من الشباب يظلّون لمدة عام ونصف بعد تخرّجهم من الجامعات بدون فرصة عمل. وتصل نسبة العاطلين من الشباب في بعض القطاعات إلى 68 ٪.
وتدل الدراسات أيضا أن هناك خللا كبيرا في التوفيق بين الأعداد الضخمة من الطلبة ببعض الفروع في المؤسسات الدراسية من جامعات وغيرها وبين الحاجات الحقيقية للاقتصاد. وفي عام 2004 مثلا لم يكن المهندسون في تونس يشكلون سوى نسبة 5 ٪ من مجموع عدد حاملي الشهادات الجامعية.
ومن النتائج المنطقية التي ترتبت على تفشّي ظاهرة البطالة هناك تنامي ما يسمّى بالاقتصاد غير الرسمي ،أو الاقتصاد الموازي. ودلّت دراسة أُجريت عام 2002 لحساب البنك الدولي أن الاقتصاد الموازي مثّل حوالي نسبة 38 ٪ من إجمالي الإنتاج المحلي لتونس. بعض الخبراء يؤكدون أن الرقم الحقيقي هو أكثر من هذا بكثير ويصل واقعيا إلى 50 ٪.
وينقل المؤلفان عن موقع «كلمة» الالكتروني التونسي ما شرحه في مقال يعود لعام 2008 عن التداخل الكبير بين هذا الاقتصاد الموازي وشبكات الفساد «القريبة من الرئيس وزوجته». ويحدد مقال موقع «كلمة» القول «حسب عملية استطلاع للراي جرت عام 2007 من قبل المنظّمة الرسمية للدفاع عن المستهلكين هناك نسبة 77,6 ٪ من التونسيين يفضّلون التزوّد من هذه السوق التي تلبّي طلب طبقة وسطى تتعاظم درجة فقرها أكثر فأكثر».
هذه الطبقة الوسطى تمثّل حسب الدعاية الرسمية ذاتها نسبة 80 ٪ من مجموع التونسيين.تتم الإشارة هنا أن الاختصاصيين يقدرونها بما بين 35 إلى 40 ٪ فقط. بكل الحالات زادت هشاشة هذه الطبقة جديّا بسبب السياق الاقتصادي والخيارات الإستراتيجية للحكومة. وما بين الأزمة الاقتصادية والبطالة الضاربة واختناق الطبقة الوسطى بدأت الرياح بتغيّير اتجاهاتها بالنسبة لنظام بن علي.
