يضم هذا الكتاب عبر صفحاته التي زادت على 800 صفحة سيرة «دونالد رامسفيلد» الذي تولى حقيبة الدفاع ومسؤولية البنتاغون في واشنطون مرتين، الأولى في إدارة الرئيس «فورد» والثانية في إدارة بوش ــ الابن وهي المرحلة الأهم إذ جاءت بعد زوال الخصم السوفييتي وتأهل أميركا لدور القوة العظمى الوحيدة في عالم القرن الحادي والعشرين، فضلا عن وقوع إدارة بوش وقتها تحت نفوذ فصيل المحافظين الجدد في السياسة الأميركية المعاصرة بكل ما كانوا يصدرون عنه من شعور بالاستعلاء والتعصب، وعدم التورع عن استخدام القوة العسكرية بحق الشعوب، وربما كعادة الساسة في أكثر من موقع وأكثر من نسق ثقافي، فإن طروحات هذا الكتاب جاءت لتصدر عن منطق التبرير قبل التفسير وهو منطق يسعى إلى تبرئة صاحبه من مسؤوليات جسام وأخطاء فادحة ارتكبها مؤلف الكتاب خلال توليه مسؤوليات الحرب في بلاده وكان أن دفع ثمنها شعبه وشعوب أخرى على شكل دمار في العمران وخسائر في الأرواح وغرامات مالية مازالت تنوء بأعبائها خزائن كل الأطراف، بل يتوازى مع هذا المنحى التبريري أسلوب توزيع الاتهامات واللوم على أطراف وشخصيات ومؤسسات شتى، وإن كانت القراءة الدقيقة لسطور الكتاب تؤكد ــ كما ذهب إلى ذلك نقاد كثيرون ــ أن غزو العراق كان أمرا مبيتا منذ الأيام الأولى لإدارة الرئيس بوش وأقرب معاونيه.
قرنان وربع قرن من عمر زماننا الحديث، هذا هو عمر الدولة ــ القوة العظمى التي تحمل اسم أميركا. ولقد ولدت أميركا من رحم أوروبا كما قد نقول وظلت أميركا طوال القرن التاسع عشر، وربما إلى أواخر النصف الأول من القرن العشرين تدين للقارة الأوروبية ــ الأم بالكثير من الخصال والمزايا والسمات التي اتصفت بها الحياة الأميركية وخاصة في مجالات الثقافة والإبداع، فضلا عن مجالات السياسة والتوّجه العام.
يشهد بهذا روائع الأدب الأميركي ومنها على سبيل المثال أعمال مبدع أميركي شهير هو الروائي «هنري جيمس» (1843- 1916) الذي ذاعت بين أعماله رواية بعنوان شهير هو: السفراء.
بين دراما هذه الرواية يعبر «هنري جيمس» عن موقف أميركا وأبنائها إزاء أوروبا.
إن الصفوة الأميركية التي استقرت ومازال أحفادها يستقرون في مناطق شمال شرقي الولايات المتحدة ــ إقليم نيو إنغلاند بالذات (لاحظ دلالة التسمية على أنها انجلترا الجديدة) وعاصمته بوسطن، ومازالت تمثل الحاضرة الثقافية في أميركا بأسرها. هؤلاء الأميركان ظلوا ينظرون إلى أوروبا بعين الامتنان والتوقير، ها هي أحداث رواية «السفراء» الصادرة في عام 1903 تتحدث عن الأعراف الأميركية التي ما كانت لتنظر باحترام إلى المواطن الأميركي، وخاصة بين أوساط النخبة ــ إلا بعد أن يستكمل تكوينه ويتم تحصيله الثقافي والمعرفي من خلال الرحلة إلى أوروبا ــ من هنا شاعت بينهم التقاليد التي كانت تقول: بعد أن شب فلان عن الطوق، كان لابد وأن يعبر المحيط إلى القارة. وكانوا يقصدون أوروبا بطبيعة الحال.
اعراف شائعة
وظلت هذه الأعراف شائعة وفاعلة عبر سنوات القرن العشرين، ولدرجة أن تتدخل أميركا، بكل عنفوانها وإمكاناتها لصالح إنقاذ أوروبا من آتون وويلات حربين عالميتين ــ مرة في عام 1918 حين قاد الرئيس الأميركي «ويلسون» مسيرة صلح فرساي في عام 1918، ومرة أخرى على مدار الفترة 1942 ــ 1945 حين قادت أميركا مسيرة تحرر أوروبا من خطر النازي الألماني التي توجت، كما هو معروف ــ بهزيمة هتلر وإنشاء منظمة حملت اسم الأمم المتحدة التي مازالت تحتضنها أميركا في مقرها العتيد في قلب نيويورك.
فما الذي تغير إذن؟ ما الذي بدّل النظرة الأميركية إلى أوروبا التي كانت القارة ــ الأم ــ أو الشقيقة الكبرى أو الحاضنة الرؤوم، فإذا بها تصبح مع مرور الأيام، ومع مطالع الألفية الثالثة، وقد نالت ألقابا لم يسبق طرحها في الحوليات المعاصرة للتاريخ والسياسة والحياة الأميركية؟
أصبحت أوروبا تعرف باسم القارة العجوز التي تجاوزها الزمن.
هذا التحول الغريب ما برح يرتبط في الذاكرة المعاصرة باسم المسؤول الأميركي الذي يدور عليه محور هذا الحديث: دونالد رامسفيلد.
وبديهي أن رامسفيلد هو الذي كان الذراع اليمنى ــ أو اليسرى للرئيس الأميركي السابق جورج بوش ــ الابن في حروبه ــ هل نقول مغامراته، ورطاته العسكرية في كل من أفغانستان والعراق.
عودة إلى الأضواء
والمعروف أيضا أن رامسفيلد لجأ إلى تقديم الاستقالة خلال ولاية بوش الثانية والأخيرة، أو اضطر إلى تقديمها عام 2006 وفارق مقره العتيد في البنتاغون، وأخلد إلى نوع من العزلة النسبية خلال السنوات القليلة الماضية خاصة وقد ناله من وسائل الإعلام ودوائر الحياة الأكاديمية والسياسة الأميركية رذاذ كثيف بل هو وابل من النقد والهجوم بسبب سياساته وتصريحاته، التي أدت ــ كما أكد ناقدوه، وبحق في معظم الأحوال، إلى تدمير سمعة أميركا وتحطيم جسور شتى كانت تربطها بدول كثيرة في العالم، فضلا عن الحلفاء المباشرين في الحلف الأطلسي في غرب أوروبا القارة الهرمة، العجوز، المتصابية على نحو ما كان يشيع رامسفيلد ومن لف لفه من غلاة فصيل المحافظين الجدد. وكان على رأسهم مثلا، معاونوه في دوائر البنتاغون ــ وزارة الدفاع الأميركية من أمثال «كول فولفوتز» و«ريتشارد بيرل» وإضرابهما.
لكن ها هو اسم دونالد رامسفيلد يعود إلى الضوء، لا بوصفه وزيرا للدفاع، ولكن باعتباره مؤلفا، أو كاتبا، دعك من أن يكون فنانا، يقرض الشعر في أوقات الفراغ!
ويكاد يصدق على الرجل العبارة الشهيرة التي كانوا يطلقونها على أسرة البوربون التي كان ينتمي اليها ملوك فرنسا قبيل اندلاع ثورة فرنسا الكبرى عام 1789 ثم عادوا إلى الحكم بعد نابوليون دون أن يفهموا شيئا أو يتعلموا درسا مستفادا.
بالمقياس نفسه، يكاد المرء يعجب لرجل مثل رامسفيلد، سبق له وأن تولى حقيبة الدفاع في إدارة رئيس أسبق هو جيرالد فورد في عقد السبعينات ثم عاد ــ كما أسلفنا ــ ليتولى نفس المسؤولية في أول عقود القرن الواحد والعشرين دون أن يلوح عليه استثمار التجربة وإدراك دروسها المستفادة.
المعلوم والمجهول
لكن ها هو رامسفيلد يعود إلى الأضواء، بعض الأضواء بكتاب يحمل عنوانا بليغا والشهادة لله وهو: المعروف وغير المعروف أو فلنقل المعلوم، والمجهول.
والطريف أن هناك من المحللين الثقافيين في أميركا من بادر إلى عقد مقارنة بين هذا العنوان وبين عنوان كتاب آخر صدر باسم السيدة «سارة بالين» وهي بدورها من نجوم الحزب الجمهوري في أميركا أسوة بالسيد رامسفيلد، وكتاب «بالين» يحمل عنوانا يمكن ترجمته على النحو التالي: أن تصبح مارقا أو الطريق إلى المروق.
ثم يتوقف النقاد والمحللون أيضا عند عنوان رامسفيلد ويلمحون من باب عبرة الذكرى إلى ترديد عبارة المعلوم والمجهول خلال بدايات التحريض على غزو العراق العربي ومؤداها ما كان يردده وزير دفاع بوش في عام 2002 من أن ثمة معلومات معروفة، ومعلومات غير معروفة بالنسبة لما أشيع بأن نظام العراق السابق كان يساند الإرهابيين بل ويزودهم بأسلحة الدمار الشامل، وهو أمر ثبت بالقطع كذبه وتزييف مقولاته بصورة كاملة وقاطعة.
بريسلي وتشيني
في كتاب رامسفيلد الجديد أحاديث، عن نشأته وطفولته وتكوينه، وهو يعمد في هذا الخصوص، لا إلى أسلوب السرد المنطقي أو التأريخي لسياق الأحداث عبر سنوات النشأة والتكوين خلال عقود الثلاثينات إلى الخمسينات، ولكن إلى أسلوب الحكي، حيث تتوالى الأقاصيص والحكايات التي عمد صاحب المذكرات إلى أن يضفي عليها لمسة من الشخصنة والحميمية، وخاصة حين يتحدث عن إعجابه بالمغني الأميركي الأشهر «الفيس بريسلي» أو عن صداقته الطويلة والوثيقة مع ريتشارد (ديك) تشيني نائب الرئيس بوش، وقد تولى تشيني أيضا حقيبة الدفاع خلال ولاية الرئيس بوش ــ الأب حتى مطلع التسعينات ولعل من وشائج هذه الصداقة الحميمة ما يفسر شراكة الرجلين في ما ظلا يطرحانه من آراء متصلبة تصدر عن نظرة من أضيق ما تكون إلى شعوب العالم خارج نطاق أميركا التي يتعاملان مع دورها بوصفها الإمبراطورية التي من حقها أن تتحكم في مقاليد عالمنا وعالمها، ولو أدى ذلك إلى الاحتكام لاستخدام سلاح الحديد والنار في التعامل مع مشاكل العالم وقضايا ــ وربما تطلعات ــ هذه الشعوب.
ورغم أن ناشري كتابنا لا يلبثون يعدون القارئ بأنه سوف يطالع ــ كما يقول كبيرهم «أدريان زاكايم» مادة قصصية، تجذب القارئين وتطلعهم على مصادر معلومات غير مسبوقة تهم المؤرخين، إلا أن كتاب رامسفيلد الذي تشكو جريدة «نيويورك تايمز» من تضخم صفحاته يأتي في التحليل الأخير بمثابة مرافعة دفاعية عن سلوكيات وآراء وتصرفات وقرارات المؤلف الذي لا يتورع ــ كما يشير ناقد التايمز ــ «ميتشكو كاكوتاني» (عدد 3/2/2011) عن إلقاء الملام على كل الأطراف الأخرى في محاولة لتبرئة النفس عن أخطاء، وأحيانا أوزار حربي العراق وأفغانستان، يستوي في ذلك وكالة المخابرات المركزية التي يتهمها رامسفيلد باختلاط المعلومات وعجز التحليل، وكذلك الخارجية الأميركية وقد كان على رأسها الجنرال الملون «كولن باول» فضلا عن مستشارة بوش للأمن القومي وقتها، «كوندوليزا رايس»، ويتمثل الاتهام في أنهم كانوا يصدرون، في رأي مؤلفنا، عن أحكام مغلوطة بل وتقديرات خاطئة للموقف سواء في شن الحرب على العراق، أو في فشلهم ــ وليس فشل رامسفيلد ومن معه ــ في احتواء أو هزيمة من يصفهم الكتاب في إمعان مستمر بأنهم المتمردون من أهل العراق.
نصيحة لفخامة الرئيس
ثم يصل مؤلفنا ــ رامسفيلد إلى القول بأنه طالما نصح وحذر رئيسه بوش شخصيا من عدم الاغترار «بالانتصارات التي حققناها» وفي هذا يقول مؤلفنا ما معناه: لقد حذرت الرئيس مؤكدا أهمية التخفيف من شعارات البلاغة في الحديث عن الانتصارات.
والإشارة هنا إلى ما أعلنه بوش شخصيا من فوق متن حاملة طائرات أميركية بتاريخ أول مايو عام 2003 حين وقف خطيبا ومن خلفه لافتة تحمل الشعار الشهير: تم إنجاز المهمة.
والحق أن لم يكن ثمة إنجاز حقيقي، اللهم إلا إذا كان الإنجاز هو أن الشعب الأميركي تكلفت خزائنه القومية أكثر من 700 مليار دولار وسقط من مواطنيه أكثر من 4400 من خسائر الأرواح في ساحة الحرب على العراق.
والحق كذلك ــ وكما يلاحظ الناقد «كاكوتاني» أيضا ــ أن كتاب رامسفيلد تسوده نبرة التبرير أولا، ومعها أسلوب الزج بالأحكام والمقولات دون سند مرجعي يعتد به أو تكييف منطقي أو معقول لما حفلت به أفكار وطروحات.
وربما أفضت هذه المواقف إلى أن وزع مؤلف الكتاب بعضا من غمزاته وأحيانا تهجماته على أكثر من شخصية، ولم يسلم من ذلك مثلا الرئيس بوش ــ الأب الذي يتهمه رامسفيلد بأنه كان يكذب في تقاريره المقدمة إلى الرئيس فورد حين كان بوش ــ الأب رئيسا للمخابرات المركزية، ولا وزير الخارجية «باول» الذي يلمح رامسفيلد إلى أنه لم يكن لديه شجاعة مواجهة بوش ــ الابن بما كان يدور في خَلَد باول من أبعاد الموقف الخارجي، بل يصل الإمعان في تجاهل الحقائق إلى حد أن يعيش مؤلفنا حالة صلف وإنكار حين يشير في الكتاب إلى فضائح مأساة سجن أبوغريب قائلا: إن الملوم فيها لم يكن سوى شرذمة من صغار الحراس الذين عاثوا فسادا في غيبة الإشراف الكافي على ما يفعلون!
تجسيد لآفة الغرور
بل يذهب المؤلف بعيدا إلى حيث يوجه سهام الانتقاد إلى رفاقه من «النيو كونز»، المحافظين الجدد في السياسة الأميركية المعاصرة وخاصة في دعوتهم لتصدير الديمقراطية إلى خارج أميركا وهنا يذهب رامسفيلد إلى ما يلي: صحيح أن أميركا قدمت تضحيات لصالح بناء أفضل في العراق وأفغانستان، ثم يستدرك قائلا بنفس الصلافة والاستعلاء: لكنها ليست مجتمعاتنا كي نبادر نحن إلى تصحيح مسارها.
من هنا يخلص ناقد «التايمز» إلى أن يقول: رغم كل عناصر التبرير والتزويق التي سادت صفحات هذا الكتاب، إلا أنه جاء بعد نشره ليؤكد الحقائق التي تناولها الكثيرون ومؤداها أن إدارة بوش ــ الابن كانت تتسم بالتخبط والقصور.
أما مؤلف الكتاب فيكفي أن نورد من جانبنا وصف الكاتب الصحافي «برادلي جراهام» وقد تناول سيرة رامسفيلد في كتاباته ثم خلص إلى أن وصفه في عبارات تقول: في شخص السيد رامسفيلد تجسدت كل عوامل الغرور وسوء الأحكام التي اتسمت بها إدارة بوش.
عدد الصفحات: 815 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مؤسسة سنتننتل، نيويورك، 2011
