على مدار أبوابه الخمسة وفصوله السبعة عشر يرسم هذا الكتاب صورة بانورامية من حيث العمق والاستقصاء والتفاصيل والشمول لسيرة بطله، باراك أوباما، الذي يقدمه المؤلف من خلال معاناة جمع المادة التي شملت عشرات اللقاءات والأحاديث والإفادات والشهادات الموثقة والمسجلة مع من تماست حياتهم مع حياة وتطور ونضج ومنجزات باراك حسين أوباما: ما بين النشأة المتواضعة وقد اكتنفتها تحديات غياب الأب القادم من أفريقيا بكل طموح الشباب ثم العائد إلى افريقيا بكل غوائل الإحباط وسوء الطالع، فضلا عن حقائق التنقل الجغرافي، منافيا للاستقرار ما بين هاواي ؟ الجزيرة المحيطية إلى اندونيسيا في أقصى جنوب الشرق الآسيوي ثم إلى شيكاغو ذات الأغلبية البائسة من الأميركيين من أصول أفريقية بكل ما كانوا يكابدونه من تفرقة عنصرية وتمييز من حيث اللون وعلى حساب الحق في المواطنة وفي الفرصة المتكافئة للعيش والعمل والترقي والآمال، يتقصى كتابنا هذه المراحل كلها بمنطق العرض والتحليل ليصل إلى ذروة الحدث الدرامي في حياة باراك أوباما، وهو دخوله رئيسا لأميركا في البيت الأبيض تحيطه نبوءة سبق إلى طرحها وإذاعتها السياسي الأميركي الراحل روبرت كنيدي منذ نحو ‬50 عاما.

في ‬27 مايو عام ‬1961، وقف سياسي أميركي كان وقتها في شرخ الشباب يعلق على اختيار شقيقه رئيسا للجمهورية.

السياسي الشاب كان اسمه «روبرت كنيدي»، وشقيقه الرئيس الجديد كان بدوره شابا واسمه «جون فيتز جيرالد كيندي».

جاء اختيار كنيدي رئيسا أمرا مستجدا على ساحة وأعراف السياسات التي كان معمولا بها في الولايات المتحدة منذ استقلالها عن مستعمِرها البريطاني في ‬4 يوليو من عام ‬1776.

هذه التقاليد السياسية درجت على أن تختار الرئيس من صفوف الجماعة التي ما برحت أدبيات السياسة الأميركية تطلق عليها المصطلح التالي: «الواسب»

وهو تجميع الحروف الأولى من عبارة مازالت تحمل دلالاتها حتى الآن في مضمار الشأن العام في أميركا، ومؤدى هذه العبارة هي: أن يكون رئيس البلاد فردا أبيض البشرة، ومن أصول أنغلو سكسونية (غرب أوروبا) ومسيحيا من المذهب البروتستنتي.

نبوءة كيندي

لكن هاهي أميركا، مع أولى سنوات الستينات من القرن العشرين، تخالف واحدا من تلك الأقاليم التي رسخت إلى حد التكلس في اختيار انتخاب رؤسائها. لقد كان جون كنيدي كاثوليكيا لا يدين بداهة بمذهب البروتستانت.

وفيما كان هذا الأمر مستبعدا إلى حد ما، فقد كان من المستبعدات إلى حد التحريم ــ كما قد نقول - أن يتم في يوم ما انتخاب رئيس من صفوف ذوي البشرة السمراء أو السوداء من سكان الولايات المتحدة.

لكن ها هو روبرت شقيق رئيس أميركا الجديد، يعلق على تلك التطورات قائلا مع مطلع عقد الستينات وبالحرف الواحد: لا جدال أنه في غضون السنوات الثلاثين أو الأربعين المقبلة، يمكن لزنجي أن يشغل المنصب نفسه الذي بات شقيقي يشغله فيصبح رئيسا للولايات المتحدة.

والحاصل فعلا أن انقضى على هذه العبارات وعلى انتخاب كنيدي - الكاثوليكي - ‬48 سنة لكي تختار أميركا - بانتخاب حر شابا - ينتمي إلى جماعات السود الذين كان أقرانهم البيض ينعتونهم بلفظ «نغرو» الذي ينطوي على تلميح بالرفض والزراية والإقصاء - ثم ما لبثوا أن عدلوه، تخفيفا أو نفاقا لا يهم، لتصبح الإشارة إلى السود، الزنوج بأنهم «الأفرو- أميركيون».

هذا الجسر المشهود

ثمة جسر إذن عبرت عليه مراحل الزمن بين عام ‬1960 - ‬1961 حين انتخبوا جون كنيدي الكاثوليكي، وعام ‬2009 حين انتخبوا باراك أوباما الأفرو - أميركي.

يقول الكاتب الأميركي، الأسود «جيمس بلدوين» في كتابه الذي يحمل عنوانه المعروف - الحكم الأميركي والزنجي الأميركي. عندما نطق روبرت كنيدي بنبوءته حول توقع رئيس أسود في البيت الأبيض ولو في غضون ‬40 عاما، قوبلت عباراته بمزيج من الضحك والمرارة والاستهزاء، لقد كان الرجل يشغل وقتها منصب المدعي العام في أميركا، وقد نطق بعبارات نبوءته تلك خلال خطاب عام ألقاه في ضاحية السود - هارلم شمالي نيويورك - ويومها تساءلت جموع السود في دهشة مريرة، وكان لسان حالهم يقول على لسان حلاق أسود تعيس في هارلم: هي ساعات قلائل أمضاها سيادة المدعي العام بيننا في هارلم، وها هو يستعد بدوره كي يصبح رئيسا للبلاد في يوم من الأيام. أما نحن، فقد بقينا في هذه البلاد مئات من السنين، ثم يأتي السيد روبرت ليتنبأ برئيس أسود خلال ‬40 عاما.

على مهاد هذه النبوءات، وهذه النقلة الخطيرة: ما بين ماض انتهى وحاضر لايزال ماثلا ومُعاشا، ينسج مؤلف هذا الكتاب الصحافي الأميركي «ديفيد رمنك» الفصول السبعة عشر من كتابه الذي يتابع فيه تلك النقلة. بيد أن الجسر كان يجسد واقعة حقيقية في تاريخ كفاح السود من أجل كرامتهم ومعايشهم بوصفهم مواطنين في أميركا: إنها حركة الحقوق المدنية في عقد الستينات تلك التي قادها زعيمهم الأشهر «مارتن لوثر كنغ».

حدث في سيلما

ومرة أخرى، فالجسر هو جسر «سيلما»، المدينة الصغيرة في ولاية ألاباما - في جنوبي الولايات المتحدة وكانت من أسوأ وأشرس مواقع التفرقة العنصرية في أميركا. ولا ينسى تاريخهم ما حدث في يوم ‬7 مارس عام ‬1965 حين حاولت جموع السود المتظاهرين أن تعبر جسر «سيلما» إلى عاصمة الولاية كي ترفع صوتها ومطالباتها بحقوق الزنوج، ولم يقدر لهذه التظاهرة أن تبلغ مقصدها، على أديم الجسر تصدت لهم كتائب الشرطة مستخدمة غازات إسالة الدموع وهروات التشتيت وسياط الملاحقة فكان أن أثخنتهم جراحا وعذابات.

ثم تتوالى الأعوام إلى عام ‬2007. وفي واحد من أيامه دعوا نائبا شابا من أصل أفريقي إلى المدينة نفسها، والموقع ونفسه والجسر ذاته في «سيلما»، ويومها تكلم النائب الشاب، واستعاد ذكرى ما لحق بقومه من مظالم وخاصة يوم الجسر المشهود في منتصف الستينات، وكان اسمه باراك حسين أوباما.

وكان هذا يوم عبور أوباما إلى حيث أصبح نجما من نجوم السياسة في أميركا، وبمعنى أن هذه الواقعة شهدت أولى خطواته على جسر الصعود التي أوصلته مع خريف عام ‬2009 إلى الرئاسة الأولى في أميركا.

مسيرة حافلة

وكانت مسيرة حافلة حقا: ما بين النشأة المتواضعة وسط حصار اللون ورقة الحال ومأساة الأب، الاقتصادي الكيني الواعد الشاب الذي انتهت به مصائره إلى حيث انهارت أعصابه وتحطمت أسباب حياته وعاد من أميركا إلى وطنه الأفريقي في كينيا بغير أمل في مستقبل تاركا طفله الوليد لأم ذاقت صنوف المعاناة كي تقدم للمجتمع كائنا متعلما مبشرا بأداء دور فاعل ومؤثر كان لا يزال في ضمير الغيب.

لهذه الأسباب اختار مؤلفنا أن ينسج أبواب كتابه الخمسة وفصولها السبعة عشر كي يسرد ويحلل مراحل هذا العبور في سيرة بطله أوباما: من حواري شيكاغو وشواطئ هاواي ومسالك اندونيسيا، إلى مدرجات جامعة هارفارد وأروقة مجلس الشيوخ ثم المكتب البيضاوي الرئاسي في البيت الأبيض.

على مدار هذه المسيرة التي يتقصاها كتابنا ويحللها مؤلفنا عبر صفحات الكتاب، التي أوفت بما في ذلك الصور التسجيلية لمراحل حياة ونضج وتطور أوباما، على ‬656 صفحة، نستطيع أن نتابع كقارئين دراما النشأة وكفاح الأم «آن دونام» التي عانت إلى أن اكتمل لها تخصصها في مجال علم الانثروبولوجيا المعني بالأصول البشرية. وقد نتوقف أيضا، وخاصة مع صفحات البابين الثالث والرابع عند نضج أوباما الفتى الشاب وقد بدأ يفتح عينيه على حقائق الحياة العامة في أميركا، وكم كانت شاقة ومحبطة ومريرة بالنسبة لفتى أسود، حاد الذكاء، يتيم الأب، بالغ الطموح.

أوباما والصفوة

يسلمّ المؤلف بأن أوباما كان من حظه بفضل نبوغه المبكر أن التحق بمؤسسات الصفوة في سلك التعليم العام والعالي وسلك الدراسات العليا، ليصبح في عداد نخبة الانتلجنسيا المثقفة الواعية في مجتمع الولايات المتحدة. لكن هذا التكوين النخبوي ما كان له أن يبتعد بالرجل عن اهتمامات، بل وهموم، التعاطي مع الشأن العام في بلاده، وبخاصة ما يتعلق بقضايا الحقوق المدنية - حقوق السود والنساء والمهمشين، وهو ما جعله يطلع، كما يقول المؤلف - على أبعاد التوترات الاجتماعية التي ما برحت تستبد بالمجتمع الأميركي وهو ما أدى - في الوقت نفسه - إلى بلورة شخصية باراك أوباما في التحليل الأخير.

نلاحظ أيضا أن مؤلف الكتاب لم يقصّر في تقصيه سيرة «البطل»، فلم يكن يستخدم أسلوب السرد التاريخي التقليدي مرحلة أثر مرحلة، ولكن من خلال العشرات من المقابلات والأحاديث المسجلة مع كل من تعَامَل مع الرئيس الأميركي الشاب عبر أطوار حياته على اختلافها: من أساتذة ورؤساء ورفاق طريق وزملاء دراسة، فضلا عن الأفراد من أعضاء أسرته المقربين فكريا وعاطفيا ثم تلاميذ البروفيسور باراك الذين تلقوا على يديه دروس القانون في جامعة هارفارد.

بل نلاحظ أن المؤلف لم ينس أن يعرض بالتفصيل آراء منتقدي آراء أوباما الاجتماعية وسلوكياته السياسية ونظرته ورؤاه بالنسبة للعمل العام في بلاده.

الجذور والإرادة

لا عجب إذن أن يحمد النقاد هذا الأسلوب من «الشمول الاستقصائي» كما نسميه في تجميع وبلورة وتسجيل مادة هذا الكتاب الذي أصبح يتسم، في تصورهم، وتصورنا أيضا بميزة يمكن بلورتها فيما يلي: إن المؤلف - «ديفيد رمنك» عمد إلى متابعة سيرة فتى نشأ بلا جذور راسخة، وشق طريقه في بحر لجيّ متلاطم الموج من ارتباك الأصول وشّحة الموارد وخلل المحيط العائلي، إلى أن عمد مع سنوات اليفاعة إلى الالتحام مع قضايا الشأن العام، مع الشارع حرفيا في مدينة شيكاغو بكل ما يعتمل في أحشائها من مشاكل وتعقيدات ومعاناة السود الأميركيين، فكان أن أصبح الفتى - باراك - من قيادات تنظيم حركة الشارع ومن ثم الحي والجيرة - الفريج كما قد نسميه. وبعدها يتحول في نقله جذرية حقا كي يكون منتَخبا في المجالس المحلية والبرلمانات الشعبية في المدينة الأميركية الكبيرة، وكان ذلك بمثابة مدرسته الأولى التي تلقّن فيها دروس التواصل مع القضايا السياسية والمشكلات الاجتماعية، وتلك خطوط نراها متوازية مع دراسته وتدريسه في جامعة هارفارد وبالذات فرع القانون - الحقوق كما نسميها في بلادنا العربية. وهو أيضا، وكما يوضح مؤلف هذا الكتاب، ما يومئ إلى أن باراك أوباما الشاب تولدت، وتبلورت في عقله وفي وجدانه مشاعر يطلق عليها المؤلف الوصف التالي: حّس المسئولية، أو شعور المهمة أو الواجب التاريخي.

وكأنما كان بطل الكتاب يوجّه قارب حياته وسط صخور وأمواج وأنواء من حواجز العِرق واللون ومواريث تاريخ حافل بالمرارة والمظالم والعذاب والتنكر السادر في غيّه لحقوق الانسان.

بين كلينتون وبالين

مرة أخرى يضفي هذا الكتاب معنى متجددا وديناميا على كلمة «الجسر» التي تبدو مصطلحا مفضلا في معجم السياسة الأميركية: لقد سبق إلى استخدامه بيل كلينتون حين رفع شعار «جسر إلى المستقبل» وكان يقصد بذلك أن بلاده والعالم كانا بانتظار حلول حقبة سوبر - جديدة من تاريخ العالم هي القرن الحادي والعشرين، ولكن ابتذلت استخدام المصطلح نفسه «سارة بالين» التي دخلت وما برحت داخلةً في منافسة سياسية وانتخابية مع باراك أوباما، ومازالت بالين ترفع شعارها الأثير لتكون ناطقة باسم خصوم أوباما من الجمهوريين وهو: «جسر.. إلى اللامكان».

وسواء كان الاتفاق أو الاختلاف مع ما يذهب إليه مؤلف هذا الكتاب، فقد استطاع الرجل أن يغزل نسيج دراما من خيوط التفرقة العنصرية والظلم الاجتماعي، وتواريخ العبودية والاسترقاق، فضلا عن شعلة الطموح التي يمكن أن تصل بالفرد رغم ظروفه السلبية، إلى حيث يستعلي الإنسان بإرادة صلبة على كل هذه الظروف.

عدد الصفحات:‬656

تأليف ديفيد رمنك

عرض ومناقشة: د. محمد الخولي

الناشر: ألفردو نوف، نيويورك، ‬2010