صدر الكتاب مع الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر الماضي، واحتفلت به الأوساط الفكرية، وأيضا الدوائر الفنية في الولايات المتحدة حيث أجمع النقاد على أنه يندرج ضمن الجنس الأدبي المتميز الذي يجمع فيه المؤلف بين الفكر والفن، وبحيث جاءت صفحات هذا الكتاب لتجمع بين السرد التحليلي لحياة وأعمال الأكاديمية البولندية الأصل، «ماري» كوري وزوجها العالم الفرنسي «بيير»، وخاصة في مجال اكتشاف عنصر الراديوم المشع بكل ما أفضى إليه هذا الكشف العلمي من فتح آفاق واسعة أمام البشرية لاستخدامه، سواء بشكل إيجابي وبنّاء ولا سيما في مجال الطب والعلاج، أو لاستغلاله في صنع الأسلحة الذرية المدمرة على نحو ما شهدته مدينتا هيروشيما وناجازاكي باليابان. ولعل أهم ما تميز به هذا الكتاب فكريا أنه لم يقتصر على سرد السيرة الشخصية لماري كوري وزوجها وخاصة بعد حصولهما على جائزة نوبل العلمية في الكيمياء عام ‬1903 ثم حصولها شخصيا على نوبل ثانية في مجال الفيزياء في عام ‬1911 (وتلك حالة فريدة في بابها)، لكن المؤلفة عمدت أيضا إلى متابعة ما أصبح يشهده عالمنا بعد ‬100 عام تقريبا من هذا الكشف المرموق، من تطبيقات واستخدامات تتراوح ما بين الطب العلاجي إلى أنواع الشيكولاتة إلى معجون الأسنان ومساحيق الحمّام. والمؤلفة تجدل من هذه الخيوط كلها ضفيرة فكرية وفنية تتجلى فيها مواهبها كباحثة وكفنانة تشكيلية في آن معا.

«أحمد الصاوي محمد» كان واحدا من رواد الصحافة العربية الحديثة، وبهذه الصفة كان «الصاوي» أستاذا تعلمت على يديه أجيال من الصحافيين الشباب الذين استطاعوا أن يثروا مهنة وصناعة الصحافة في الوطن العربي على امتداد عقود من الزمن منذ أن أصدر الأستاذ «الصاوي» مطبوعاته الشهيرة في عقد الثلاثينات من القرن الماضي بعنوان «مجلتي» إلى أن أصبح الرجل رئيسا لتحرير «الأهرام» بوصفها أقدم الصحف العربية عمرا.

مع هذا كله، فربما ينسى الناس كتابا مهما أصدره أحمد الصاوي محمد تحت العنوان التالي: التلميذة الخالدة.

كان الكتاب يدور حول حياة وإنجازات امرأة ذاع اسمها وانتشرت شهرتها مع السنوات القليلة من مطلع القرن الماضي، وخاصة وقد استمدت هذه الشهرة، لا من عالم التمثيل أو تصميم الأزياء، ولكن من مضمار الاجتهاد المتعمق والدأب الشديد في دنيا العلوم الطبيعية أو القطبية داخل أروقة المعامل وبرودة المختبرات.

نتحدث عن ماري كوري، أشهر سيدة في ميدان العلم وألمع امرأة بين صفوة العلماء وكوكبه المكتشفين.

هي ماري كوري مكتشفة أشعة الراديوم التي ما برحت تطبيقاتها واستخداماتها سائغة ومتاحة في خدمة البشرية وخاصة في مجالات التشخيص والطب والعلاج.

مع هذا كله، فربما نجد أن حوليات الثقافة والصحافة العربية تذكر باستمرار اسم «أحمد الصاوي محمد» ناشرا ورئيسا للتحرير، فيما تكاد تنسى أو تتناسى كتابه عن ماري كوري، مكتشفة الراديوم.

وعندنا أن السبب يكمن في موضوع الكتاب الذي لم يعتد عليه القارئ العربي بل وجمهرة القراء العاديين في الحضارات والأقطار والثقافات الأخرى، صحيح أن في حياة العالمة ماري كوري قصة كفاح يعتد بها، لكن الصحيح أيضا أن عوامل الجاذبية المألوفة لجموع القراء العاديين ما بين الأساطير إلى الألغاز البوليسية، وما بين حكايات الغرام والانتقام إلى دنيا السياسة ومؤامرات السياسيين، كل هذه العوامل قد لا تتوافر أصلا، أو قد لا تتوافر بالقدر الكافي الذي قد يدفع الناس إلى سطور كتاب يتحدث عن أنابيب الاختبار وأجهزة القياس وصيغ المعادلات الكيميائية وعينات المواد المطروحة للدراسة، إلى آخر ما يشغل بال المشتغلين بعلوم الفيزياء والكيمياء بكل ما تحفل به من تجارب ومشاهدات واستنتاجات وحسابات رياضية قد تثير الملل بقدر ما تبعث أحيانا على الإرهاق.

لقاء الفكر والأدب

لعل هذه العوامل جميعا هي التي صرفت الاهتمام عن كتاب «التلميذة الخالدة».

ولعل هذه العوامل بالذات هي التي دفعت بمؤلفة الكتاب الذي نتناوله بالعرض والتحليل فيما يلي من سطور، إلى أن تلتمس سبيلا جديدا، عندما ندبت نفسها إلى معالجة الموضوع نفسه الذي سبق وأن تطرق إيه العم «الصاوي» منذ عقود عديدة في القرن العشرين.

نتحدث عن الكتاب الصادر في أواخر ديسمبر الماضي للمؤلفة الأميركية «لورين ردنس» تحت عنوان رئيسي يحمل كلمة باترة واحدة هي: الإشعاع.

وكان بديهيا أن تضيف المؤلفة عنوانا فرعيا آخر ليكون رديفا مفسرا على النحو التالي: قصة حب وغبار (إشعاعي).

وللقارئ أن يتبين من واقع الفصول والصفحات أنها قصة حب بين اثنين من كبار العلماء ما لبثت أن نجمت عنها ظاهرة من الغبار الذري ؟ الإشعاعي: المتساقط على نحو ما يحدث بعد وقوع تفجير ذري هنا أو هناك.

وفي كل حال نلاحظ أن مؤلفة هذا الكتاب حرصت على أن تدرج كتابها ضمن نمط نراه مهما في مضمار الكتابات التي تحتاجها المكتبة العربية المعاصرة.

أولا: هو ذلك النوع الأدبي ؟ الفكري الذي يتناول موضوعات جادة تدور حول سيرة وإنجازات أهل العلم والفلسفة والفكر الذين تحتاج الأجيال الناشئة في الوطن العربي إلى متابعة وفهم واستيعاب ما خلّفوه من مؤلفات وما طرحوه من أفكار.

وثانيا: إن هذا النوع من الأعمال الفكرية يتميز، كما يوضح عدد من النقاد الأميركيتين الذين اهتموا بأمر هذا الكتاب الجديد، بأنه يجمع بين موضوعية السرد النثري، وبين احتواء الصفحات على أكبر كمّ يحشده المؤلف من الرسومات والمواكبة والتصاوير التوضيحية التي تُعين القارئ على متابعة الموضوع من جهة، فيما تصلح لتشويق القارئ، الشاب بالذات، بما يحول دون الإصابة بالسأم أو الإرهاق.

بين النثر والرسم

من هنا بات هذا النوع الفكري يحمل ما يمكن أن نصفه بأنه ماركة مسجلة أو علامة مميزة على النحو التالي: الكتاب المصَّور، أو الكتاب، المرسوم مع التأكيد في هذا السياق على أن المحور الأساسي هنا لا يزال متمثلا في سطور النثر التي تنتظم منها صفحات الكتاب، فيما تعد الرسومات بمثابة عنصر مصاحب لتوضيح الفكرة المطروحة مع تزويد القارئ بمزيد من سبل التعمق في تمثل طروحات الكتاب.

من هنا تجَمع الفصول بين صور فوتوغرافية مستقاة بالطبع من أرشيف التصاوير التي تعود تواريخها إلى العقود المبكرة من القرن العشرين، وبين الرسومات التي صممتها المؤلفة بالذات، بوصفها متخصصة في دنيا الفن التشكيلي إلى جانب أعمالها الصحافية والتربوية، فضلا عن الرسومات التجميعية حسب فن الكولاج باستخدام أسلوب الموالفة بين عناصر شتى من الصور الواقعية والإبداعية في آن معا.

وبديهي أن كل هذه الاجتهادات أضفت على كتابنا طابعه المميز.

على أن الكتاب لم يأت كمجرد دراسة تاريخية لسيرة حياة الدكتورة «ماري كوري» وزوجها الدكتور «بيير كوري»

ينقسم كتابنا إلى جزأين رئيسيين يبدأ أولهما بإرهاصات حياة كل من ماري وبيير، وفي تلك الفترة الباكرة كانت ماري لا تزال تحمل اسمها الذي ولدت به في بلدها الأصلي بولندا في شرقي أوروبا. ماريا سكولودفسكا

طالبة جادة واعدة، وإن كانت تعاني مع أسرتها ورفاق طريقها من قسوة الاحتلال الروسي لبلدها في الفترة نفسها، أواخر القرن التاسع عشر، وكان الشاب بيير وقتها منكبا على دراسة

تشكيل البلورات، وبعدها جاءت الفتاة إلى باريس، كي تلتحق بجامعة السوربون. وتشاء أقدارها أن تتقاسم مع «ببيير» مساحة المختبر العلمي في الجامعة الفرنسية العريقة بعد أن أصبح اسمها «ماري»

هكذا جاءت بدايات حكاية الحب التي بدأت خيوطها تتشكل بين العالِميْن الشابين، وقد تحولت من شراكة في مختبر علمي إلى قصة حب رومانسية أفضت بدورها إلى زواج.

الفوز بجائزة نوبل

وكان طبيعيا أن ينصّب الجزء الثاني من كتابنا على جوهر حياة الزوجين الشابين وهو اكتشاف مادة الراديوم المشع، وهو ما أدى بدوره إلى صعود نجميهما وعلوّ شهرتهما في الأوساط والمجامع العلمية، خاصة في عام ‬1903 حين حصل الاثنان على جائزة نوبل العالمية في الكيمياء. وقد جاءت الجائزة الرفيعة تتويجا لسعادة مشتركة واكبت قصة الحب التي بدأت منذ قدوم ماريا أو ماري إلى فرنسا عام ‬1891 وتألقت الحكاية باقترانهما زوجين واعدين يبدآن حياة سعيدة رغم مواردهما المحدودة، ولدرجة أن أمضيا شهر العسل فوق دراجتين يذرعان بهما أرياف فرنسا المترامية الأطراف. وبعدها عادا لمواصلة البحث العلمي ليحققا منجزات كان منها ما أضافاه إلى «الجدول الدوري لترتيب العناصر الكيميائية حسب مكوناتها الذرية»، إلى أن جاء كشفهما المثير ؟ التاريخي بكل معنى للخواص الفريدة التي يتصف بهما عنصرا الراديوم واليورانيوم، ومن ثم استطاعا التعرف على العنصر الإشعاعي بوصفه إحدى الخواص الذرية، وهو ما يشكل، على نحو ما تسجله مؤلفة كتابنا مرحلة تحمل العنوان التالي: فجر جديد للحقبة العالمية في التاريخ الحديث.

كانت قصة ارتباطهما، ومن ثم الكشف أو الفتح العلمي الذي حققاه، فضلا عن فوزهما بجائزة نوبل التي كانت بدورها في مهد نشأتها الأولى منذ رحيل صاحبها، عالم الكيمياء السويدي الفريد نوبل في عام ‬1896 ؟ كان هذا كله موضع متابعة متواصلة وإعجاب عميق من جانب دوائر الصحافة والإعلام في تلك الفترة لدرجة تقول معها مؤلفة كتابنا أن المقالات، وأحيانا الدراسات التي كانت تؤرخ لهما كانت تبدأ، على منوال الأساطير بالعبارة المأثورة التالية: كان ياما كان، في سالف العصر والأوان، عالمان شابان،. إلخ

موزاييك الأحداث

لا عجب إذن أن تجد مؤلفتنا نفسها بإزاء مجال بالغ الاتساع، جمّ الثراء، وهي تخوض غمرات هذه الحكاية، ولا سيما قصة حياة ماري كوري بالذات، كيف لا وقد بدأت القصة، كما ألمحنا، بطغيان الروس غير المحتمل في بولندا، ثم أيام الصقيع القارسة في مختبرات السوربون، وبعدها أيام العسل المحدودة الموارد على متن دراجة هوائية في أرجاء الريف، إلى أن تفضي هذه الملابسات لكشف باهر واعتراف مشهود تسجله جائزة دولية لا يشق لها غبار كما يقولون،

هذا «الموزاييك» المتنوع المشاهد والشخوص والألوان الذي يحّف بالجزأين الرئيسين اللذين يشكلان قوام هذا الكتاب يحملنا إلى مشاهد باريس عند مغيب القرن ‬19 ومطالع القرن العشرين، وينتقل بنا ومعنا إلى أصداء الكشف العلمي وما اتصل بها من تقارير وأخبار وحوارات صحفية ما بين آسيا إلى أوروبا إلى أميركا، هذا بالإضافة إلى الأحاديث والحوارات التي جمعت أخيرا بين مؤلفة الكتاب مع كوكبة من المهندسين والكيميائيين والفيزيائيين والاختصاصيين في شؤون الأسلحة الذرية بالذات، فما بالنا بالفصل الذي خصصته المرلفة «ردنس» لحوار مع حفيدة الزوجين ماري وبيير كوري. بل لا تنسى مؤلفة الكتاب أن تدرج ضمن السطور لقاءات عقدتها مع عدد من الناجين بعد المحارق الذرية التي تفجرت كما هو معروف في كل من هيروشيما وناغازاكي باليابان كنوع من التذكير بأن الكشف العلمي المبهر الذي توصل إليه «آل كوري» كان موضعا لاستغلال من جانب صانعي القنبلة الذرية بقدر ما أن هذا الكشف ذاته وهو عنصر الراديوم المشع جاء استخدامه لصالح البشرية وخاصة في مجال الطب والعلاج.

لهذا كله كانت بطلة كتابنا، ماري كوري، أول امرأة في التاريخ تفوز بجائزة نوبل في العلوم، وفوق هذا كانت أيضا أول أكاديمية (أو أكاديمي) يفوز بجائزة نوبل مرتين، وربما تكون بدورها أول أستاذ أكاديمي يفوز بالجائزة العالمية في تخصصيْن مختلفيْن حيث كانت المرة الأولى في ميدان الكيمياء عن اكتشاف الراديوم، كما أسلفنا، فيما فازت في المرة الثانية في ميدان الفيزياء عن بحوثها المبتكرة والرائدة عن «النشاط الإشعاعي».

تراجيديا عائلية

مع ذلك فقد شاءت الأقدار أن تسلك الحكاية، الرومانسية التي ضمت الزوجين ضمن مسارات شتى وكأنها تعكس دراما البشر بقدر ما عكسته من إنجازات البشر. عاش الزوجان في سعادة غامرة منذ زواجهما في عام ‬1904، زادت السعادة حين رزقا بالذرية لكن أقدارهما تحولت بحياتهما إلى كارثة التراجيديا بكل معنى.

لقد لقي الزوج، البروفيسور بيير كوري مصرعه في حادث عبثي، كما وصفه المحللون. كان ذلك في عام ‬1906. خرج لبعض شأنه، ربما كان مشغول البال بشأن معادلة رياضية أو تفاعل كيميائي، صدمته عربة مسرعة يجرها جواد. وقع على الأرض، وفارق الحياة.

ثم عاودت الأقدار مسيرها الحافل بالمفارقات. عاشت الأرملة زمنا من الحزن وشعور الصدمة لكنها بعد سنوات تورطت في علاقة حب مع أستاذ آخر، كان يشتغل بعلم الفيزياء اسمه «بول لانغفان»، والمشكلة أن كان الرجل متزوجا، ومن ثم أصبحت سيرتها على أكثر من لسان، ولم يكن ليشفع لها سوى انكبابها المتعمق على مواصلة البحث العلمي. وربما جاء من هنا شعورها بالوحدة بيني جدران بيت بغير رفيق، وكذلك بالوحدة بين زوايا مختبر يسوده الصمت والبرودة وترقب نتيجة تجربة تتم هنا أو معادلة كيميائية تتفاعل هناك.

وربما خفف عنها وطأة هذا النهج في الحياة حصولها على عدد من شارات التكريم وميداليات الشرف ؟ بخلاف جائزة نوبل ؟ من جانب جمعيات وأقطار وقيادات مختلفة في طول العالم وعرضه، وفي مقدمتها الجائزة الأميركية لأصدقاء العلم التي قدمها إلى ماري كوري الرئيس الأميركي «هوفر» في عام ‬1929 وكان أن أحسنت صنعا حين استخدمت هذه الجائزة وقد بلغت قيمتها بأسعار تلك الأيام البعيدة ‬50 ألف دولار لإنشاء مختبر بحوث الراديوم في وارسو، عاصمة وطنها الأول. ثم اختاروها على رأس اللجنة العلمية المنبثقة عن «عصبة الأمم» وهي الجد الأعلى ؟ كما قد نصفه ؟ لمنظمة الأمم المتحدة، ولك بعد تشكيل العصبة المذكورة في عام ‬1920 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وظلت تنعم بهذه الشارات من الاعتراف والتكريم إلى أن رحلت عن الدنيا في ‬4 يوليه عام ‬1934.

الكتاب ـــ ماري وبيير كوري

عدد الصفحات: ‬205 صفحات

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: هاربر كولينز، نيويورك،‬2010