هذا الكتاب هو في التحليل الأخير عمل يضع الرواية في بؤرته، ويجمع بين جهود البحث العلمي الدقيق على مستوى تاريخ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وفي انجلترا بالذات، التي شهدت صدور سلسلة الأعمال التي حملت اسم «شيرلوك هولمز» وأمكن من خلالها لمؤلفها سير «آرثر كونان دويل» أن يبلور معالم ذلك «النوع» الأدبي الذي يدور حول الجرائم وألغازها وأسرار ارتكابها ومن ثم على جهود حل هذه الألغاز وكشف هذه الأسرار من خلال عمليات «بوليسية» مرهفة الدقة، بالغة الإمعان، تبدأ بإخضاعها للتعمق العقلاني والتحليل المنطقي ثم تتطور على هذا الأساس إلى بذل جهود البحث والتحقيق الجنائي وصولا إلى تحديد الجناة من حيث لا يحتسب ولا يتوقع القراء. والرواية تعتمد أسلوب السرد السينمائي بين الرجوع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فلاش باك كما يقول المصطلح الفني حيث عاش وأبدع السير آرثر كونان دويل وبين مطلع القرن العشرين حيث توارت شهرة واسم المؤلف أمام شهرة الشخصية التي ابتدعها، ثم إلى ختام هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الذي شهد وقوع جريمة جديدة حقيقية هذه المرة في «بيكر ستريت»، الشارع والحي الذي شهد صولات وجولات شيرلوك هولمز في سالف الأيام. وبهذا الأسلوب المبتكر، وبفضل دقة دراسته لتلك المراحل الزمنية التي شهدت بداهة تنوعا في كل مظاهر الحياة، يطلعنا المؤلف على حقيقة استمرار شهرة شيرلوك هولمز، كشخصية روائية، ما زالت تتبناها عشرات الجمعيات والمنتديات التي تحمل اسمه وفي عضويتها آلاف وربما ملايين المعجبين بهذه الشخصية إلى حد الهوس في بعض الأحيان.

من كلمة العنوان، مجرد العنوان، يطرح هذا الكتاب إشكالية الترجمة، لقد اختار مؤلف هذا العمل الإبداعي عنوانا يلزم ترجمته في حال اتباع الحرفية على النحو التالي: الشيرلوكي وهي ترجمة دقيقة ولكنها تنطوي على إيقاع يصعب استيعابه في ضوء موسيقى العربية وذوقها الرفيع.

وتأبى محاسن الصدف ؟ كما قد نسميها ؟ إلا أن تسعفنا ونحن نبادر إلى تقديم عرض لهذا العمل الذي ما زال يشغل المشهد الفكري في أمريكا، حين تستعيد ذاكرتنا الأدبية المعاصرة كتابا آخر صدر بالإنجليزية منذ سنوات طويلة، عن الإبداع الفني عند واحد من أهم رواد الموسيقى العالمية في العصر الحديث، هو الموسيقار الألماني الأشهر ريتشارد فاجنر (‬1813،‬1883) وجاء عنوان الكتاب المذكور في الإنجليزية على النحو التالي Wagnerite وترجمتها المباشرة كان يمكن أن تكون كما يلي: الفاجنري.

وتلك بدورها كلمة يصعب استساغتها على جرس اللغة العربية وذوقها. ومن هنا فقد جاء الحل، السعيد بالفعل على يد واحد من رواد ثقافتنا الفنية والبلاغية وهو المثقف العربي المصري الكبير الدكتور ثروت عكاشة الذي ترجم العنوان المذكور أعلاه بعبارة تجمع في تصورنا بين الدقة والبلاغة في آن وهي: مولع بفاجنر.

من هنا تستطيع بقدر معقول من الاطمئنان أن نترجم عنوان الكتاب الذي نعايش فصوله وسطوره في سياقنا الحالي على النحو التالي: مولع بشيرلوك

مأساة السير آرثر

وبديهي أن ينصرف العنوان، بقدر ما انصرف الكتاب ذاته، للحديث عن شيرلوك هولمز، الشخصية المحورية، التي أبدعها خيال الروائي الإنجليزي الأشهر سير «آرثر كونان دويل» (‬1859،‬1930) وظلت تستأثر باهتمام وخيال أجيال من بعد أجيال على مدار عقود طويلة من الزمن، حيث توالت الروايات البوليسية التي كان بطلها بالطبع هو شيرلوك هولمز وساعده الأيمن الدكتور واطسون. وعاشت سلوكيات الشخصية وأنماط تفكيرها بل «عششت» في وجدان الملايين من قارئي الأصل الإنجليزي ثم في وجدان عشرات، وربما مئات الملايين من قارئي ترجمات هذا الإبداع المتقن بالغ الإثارة شديد التشويق.

مع هذا كله، فما كان لكل هذه الأعمال الفرنسية أو الأميركية أو حتى الإنجليزية أن تنافس «شيرلوك هولمز» الشخصية التي تميزت بفكر حاذق وملاحظة حادة وموهبة خارقة، كما شاء صانعها أو راسم معالمها في التحليل المنطقي، حتى ليروع القارئ مع تسلسل الأحداث أسلوب هولمز في حل ألغاز الجريمة التي تشكل محور الرواية مع تحديد شخصية الجاني الذي كان مع الفصول الأولى أبعد ما يكون عن الشبهات. ولقد بلغ من تأثير هذه الشخصية الروائية أن طغت باسمها وتصرفاتها حتى على اسم مؤلفها شخصيا، وبمعنى أن نسي الناس، أو كادوا ينسون، اسم المؤلف، المنشئ صانع الشخصية سير آرثر كونان دويل، بينما ظلوا، وما برحوا يذكرون اسم شيرلوك هولمز، وكأنه أصبح كائنا حقيقيا من لحم ودم، ولدرجة تصدق معها شهادة واحد من عمالقة الأدب الإنجليزي المعاصر هو الشاعر الناقد توماس إليوت (تي. إس. إليوت) حين أرسل عبارته الشهيرة في عام ‬1929 يقول: أعظم ما تنطوي عليه روايات شيرلوك ربما يتمثل هولمز فيما يلي: إننا حينما نتكلم عنه، فنحن باستمرار نقع في وهم التصور بأنه موجود في واقع الحياة.

عبادة الشخصية الموهومة

لا عجب إذن أن يسخر هذا المنحى من التعامل مع هذه السلسلة من الأعمال البوليسية، على نحو ما تشير إليه الناقدة الأميركية «جانيت ماسيلي» من ظواهر عبادة شخصية هولمز ومحاولات محاكاة هذه الشخصية بل وإنتاج أعمال أو تحف فنية تصلح لاقتناء المعجبين، هل نقول المهووسين، بشخصية شيرلوك هولمز: بدلاته الكلاسيكية القاتمة الألوان التي كانت من موضات أواخر القرن ‬19 وأوائل القرن العشرين، قبعاته العالية، عصاه التقليدية، غليونه الذي ينفث الدخان خلال عمليات تشريح وتحليل ألغاز الجرائم المكلف بحلّ طلاسمها، كل هذا الهوس بالشخصية البوليسية ظل ملّحا بين سطور الصفحات الأولى من كتابنا ليعكس ما قصد إليه مؤلف الكتاب ؟ الروائي الأميركي الشاب «جراهام مور» من تصوير ومعايشة ما أصبح يعرف في الأدبيات بالمصطلح التالي: «هولمزيانا»

هي صرعة الولع الشغوف إلى حدود قد تتجاوز المعقول وربما المقبول على السواء.

رحلة عبر الزمان

تبدأ الرواية بتمهيد (برولوج) يتناول المبدع الأول الأصلي لمغامرات شيرلوك هولمز، وهو آرثر كونان دويل، ثمة شعور رهيب يختنق به المؤلف المذكور ويدفعه إلى سلوك مدمر إلى حد ارتكاب الجريمة: هو شعور الذبول إلى حد، التلاشي بل الفناء بعد أن ظل الناس يذكرون الشخصية التي حفلت بها رواياته، بينما تناسوا ومن ثم نسوا تماما اسم وشخصية مبدع هذه الروايات. هكذا تُصور الرواية كونان دويل وهو يفكر في أنجع طريقة لقتل، بمعنى إنهاء هذه الشخصية التي طالما جلبت له السمعة والثروة. وتستغرق هذه التأملات والأفكار والمخططات واستعادات مشاهد روايات هولمز العديدة قرابة الصفحات المائة الأولى من روايتنا، أي ثلث العمل الذي نعرض له أو أقل قليلا. بعدها يتحول بنا مؤلفنا في قفزة زمنية قوامها ‬100 عام في المستقبل، ليصل إلى زماننا الراهن حيث نلتقي بشخصية «هارولد وايت» الذي يمكن وصفه على أنه من طائفة «الشيرلوكيين» عشاق هذا الفن الفريد ومن ثم فهو يتفاعل ويتراسل ويتواصل مع مئات من الجمعيات التي أنشأها هواة شخصية شيرلوك هولمز في أنحاء شتى من العالم.

وتدور الأحداث جيئة وذهابا عبر قرنين هما القرن ‬19 والقرن العشرين ويتقاسم وقائعها وتصاريفها شخصية كل من المبدع كونان دويل الذي ما زال المعجبون يبحثون عن مذكراته التي ضاعت ولم يعثر عليها أحد، ثم شخصية هارولد وايت مُعاصرنا الذي لم يصل إلى سن الثلاثين ولكنه ما برح مشغولا حتى أذنيه بما يدور في «بيكر ستريت»، الشارع الذي شهد صولات وجولات شيرلوك هولمز ومساعده واطسون في سالف الأيام.

وسط هذا التفاعل العجيب من الشخصيتين تقع حادثة قتل مروعة وحقيقية هذه المرة في «بيكر ستريت» راح ضحيتها مثقف مخضرم كان قد أعلن أنه عثر على مذكرات آرثر كونان دويل الضائعة. وكم كان عشاق هذا العمل شغوفين، عبر الأجيال، بالعثور على هذه المذكرات!. لماذا؟ لأنها تفسر لهم السبب الذي جعل السير آرثر دويل ينهي في إحدى الروايات حياة بطله شيرلوك حين أطاح به من فوق بناية شاهقة، ولكن السير آرثر، ويا للغرابة، ما لبث أن عاود إحياء هذه الشخصية بعد سنوات من يأس وحزن جماهير القراء! على أساس أن كان هناك سبل لإنقاذه ومبرر لإخفائه طيلة السنوات الثماني. كان ذلك في أولى سنوات القرن العشرين وسبق ذلك تصريح أدلى به السير آرثر في عام ‬1893، يعبر فيه عن استيائه الساخط إزاء الشخصية التي أبدعها من خياله الروائي فقال: إن والدتي تتكلم كأنما هي والدة هولمز وليست أمي أنا!

وبين مفتتح القرن العشرين وسنة ‬2010 التي صدر فيها كتابنا الروائي، يقف مؤلفنا مليا عند وقوع هذه الجريمة التي شهدت في عام ‬2010 بالذات وفاة المعجب الهولمزي المخضرم الذي ادعى، كما ألمحنا، أنه عثر على مذكرات سير آرثر المفقودة وبعدها عثروا عليه شخصيا، مخنوقا برباط حذاء.

أسرار السرد والبحث

ولقد نلاحظ أيضا أن هذا الأسلوب السردي الذي اتبعه مؤلفنا في المناقلة زمنيا بين قرنين وعصرين اقتضى منه أن يهتم بأمرين أساسيين:

الأول: هو سينمائية السرد كما قد نسميها حيث أن أسلوب الارتجاع بالأحداث ؟ «فلاش باك» كما يسمى في مصطلح الفن السابع، فضلا عن تكراره في أحداث الرواية كان يقتضي استخدام لغة بَصَرية قدر الإمكان توخيا لدقة التصوير والإمعان في رسم تفاصيل الزمان والمكان من أجل إقناع القارئ بما يدور من أحداث.

الثاني: أن القارئ المتمعّن يشعر ولا شك بما بذله مؤلف هذا الكتاب من جهد متعمق ومستفيض في مجال البحث التاريخي استعدادا لوضع هذه الرواية، تشهد بهذا دقة التفاصيل التي يرسم بها مثلا بيئة القرن التاسع عشر من حيث الملابس والسلوكيات بل واللغة المستخدمة وأنواع الطعام ونوعية الاهتمامات التي تستبد بالشخصيات. من هنا تذهب جانيت ماسلين، ناقدة «النيويورك تايمز» إلى أن العمل الذي نعرض له هنا جاء أقرب إلى سيناريو لفيلم سينمائي، ثم تسجل أنه يدين بالكثير في التحليل الأخير إلى عمل سابق حقق نجاحات مشهودة سواء في مجال القصّ الروائي أو في عالم الفن السينمائي وحمل عنوان «شفرة دافنشي» واتبع بدوره أسلوب المفاعلة أو المناقلة بين فرنسا ؟ الزمن الراهن وبين السنوات الأوائل التي شهدت ظهور ودعوة السيد المسيح عليه السلام.

ومن الطريف أن يسجل النقاد أيضا ملمحا سينمائيا بدوره من ملامح هذا الكتاب، وهو ما يتمثل في حاجة المؤلف إلى وجود امرأة تشارك بصورة أو بأخرى في سياق الأحداث. صحيح أن الجانب المتعلق بالقرن التاسع عشر لم يكن ليسمح بمشاركة فاعلة من جانب سيدة من قريب أو بعيد، كان مجتمع الإبداع ذكوريا في مجمله، وإن شهد استثناءات بارزة في أدب الإنجليز تمثلت في إبداع روائيات موهوبات ما بين «شارلوت وآن برونتي» أو ماري إيفانز التي اختارت اسم «جورج إليوت» وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه من ذكورية الإبداع في القرن ‬19 حتى في بلد مثل انجلترا، ومن قبلهن كانت بالطبع «جين أوستن» صاحبة الرواية الأشهر بعنوان «الكبرياء والأهواء» ؟ إلا أن النوع البوليسي في فن الرواية، بكل ما كان يحتويه بالضرورة من مشاهد القتل والدم والجريمة ثم التفرغ ؟ الهولمزي كما نسميه ؟ لحل هذه الطلاسم والألغاز، كان مقصورا أو يكاد على مجتمع الرجل (وربما حدث رد الفعل في سنوات لاحقة من القرن العشرين حين تخصصت وتميزت سيدة بعينها هي أجاثا كريستي في تطوير وتعميق فن الرواية البوليسية في أدب الإنجليزية فكان أن أخرجتها من عالم سير كونان دويل البريطاني أو الأوروبي الضيق، حيث ارتادت بها آفاقا أرحب وأبعد ما بين اسطنبول على ضفاف مضيق البوسفور إلى الأقصر وأسوان على ضفاف نهر النيل). هكذا التمس مؤلفنا «جراهام مور» وجود امرأة شابة اختار لها اسم «سارة» ليدمجها في سياق روايته وجعل منها صحفية طموحة جاءت من انجلترا كي تغطي وقائع المؤتمر الذي خططت لانعقاده جماعات المعجبين، هل نقول المهووسين، بحكايات وألغاز وسلوكيات وشخصيات شيرلوك هولمز، الذي أنشأوا باسمه جمعيات ومنتديات حتى ليكادون يجعلون منه ؟ كما سبق وألمح الشاعر إليوت ؟ كائنا حيا حقيقيا سبق وأن تناول الطعام وتجول في الأسواق.

عبقرية المبدع القديم

ربما اضطر مؤلف الكتاب إلى أن يبالغ في توسيع أو تفعيل الدور الذي اختاره لهذه الشخصية النسائية: هو يدرك بيقين كيف أن روايات شيرلوك هولمز تسند أهمية محورية أو تضفي ما يمكن أن نسميه بطولة مطلقة على «صنف الرجال» ممثلا في المحلل الجنائي شيرلوك والمساعد الدكتور واطسون ؟ فيما لا يكاد القارئ يلمح أو يتوقف عند أي شخصية نسائية يُعتد بها، اللهم إلا إذا ارتكبت جريمة هنا أو هناك، ومن ثم تحولت من سيدة أو آنسة إلى أن أصبحت «موضوعا» من موضوعات الجناية والإجرام. لذلك حاول المؤلف أن يقحم الصحافية الشابة «سارة» في خضم أحداث الرواية فكان أن جعلها تشارك أبطالها في فك أسرار جريمة رباط الحذاء التي أودت بحياة زميلهم، العاشق الهولمزي الذي سبق إلى إعلان اكتشاف أو ادعاء اكتشاف المذكرات الضائعة والحافلة بأسرار الإبداع الفني للسير آرثر كونان دويل دعك من أسرار ودخائل «العلاقة الفريدة» بين روائي ؟ إنسان من لحم ودم، وبين شخصية أبدعها الروائي الإنسان من نسج خياله ومن صنع أوهامه ممعنا في هذا الأمر لدرجة أن كاد يتلاشى الخط الموهوم الفاصل بين الشخصية الخيالية ومبدعها المنتمي إلى بني البشر. وبالمناسبة فلا بد في هذا السياق، من تأكيد أن حادثة رباط الحذاء هي جريمة حقيقية وقعت بالفعل في لندن عام ‬2010 وعمد المؤلف إلى استغلالها داخل سياق هذا العمل. ولا بد كذلك من تسجيل أنه لم يوفّق، كما أجمع نقاد العمل الذي بين أيدينا في إضفاء الدينامية المطلوبة على دور الصحفية «سارة» حيث يشعر القارئ أنه دور هامشي أو شبه هامشي افتعل المؤلف إقحامه ضمن خيوط الأحداث وتطور مجرياتها. صحيح أن المؤلف حاول أن يجعل من «سارة» شخصية أقرب إلى الدكتور واطسون من حيث مساعدة بطل الرواية «هارولد وايت» وهو هولمز زماننا الراهن على حل لغز جريمة مقتل مكتشف المذكرات، إلا أن المؤلف وهو يحاول محاكاة سير كونان دويل، لم يكن في براعة ولا عبقرية ذلك المبدع القديم.

تأليف: جراهام مور

الناشر: دارنوف،نيويورك،‬2010

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: