بين عامي 1968 و2011، تغيرت مصر والعالم ولكن رئيس مجلس الشورى السابق صفوت الشريف في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وجد نفسه بعد كل هذه العقود يقف في نفس المربع تقريباً. ففي العام 1968 جلس الشريف، رئيس منطقة العمليات بالاستخبارات العامة المصرية في ذلك الوقت على مقعد المتهم أمام المحقق في قضية انحراف الجهاز وهي القضية التي تفجرت عبر هزيمة الجيش المصري على يد الجيش الإسرائيلي في حرب يونيو.
وحاول الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ترضية الشعبين المصري والعربي في ذلك الوقت بأن أحال للمحاكمة قيادات سلاح الطيران المصري بالإضافة إلى عدد من المسؤولين بالاستخبارات وكان من بينهم الشريف، وهي تحقيقات انتهت بالنسبة لشريف الذي كان معروفا في هذه الفترة باسمه الحركي «موافي» بطرده من الخدمة بعد فترة حبس قصيرة وكان عمره في هذا الوقت 35 عاما. وبعد مرور 43 عاما على فترة الحبس الأول للشريف، عاد ليخاطب مرة أخرى بلقب المتهم متبوعا باسمه الثلاثي ولكن هذه المرة أمام جهاز الكسب غير المشروع والنيابة العامة في اتهامات تتعلق بالفساد والثراء غير المشروع والاشتراك في قتل ثوار ميدان التحرير في الواقعة المعروفة إعلاميا باسم «موقعة الجمل». وفي هذه المرة بلغ عمره 78 عاما بعد أن شغل أرفع المناصب السياسية والحزبية خلال فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك.
صفوت الشريف هو «الصندوق الأسود» لنظام مبارك يعرف كل الأسرار الخاصة بالرئيس السابق وأسرته وحتى ما لا يعرفه أفراد أسرته الآخرين عن الرئيس السابق، بل إن مبارك نفسه لم يستطع الاستغناء عن صفوت في أي مرحلة من مراحل حكمه التي امتدت لأكثر من 30 عاما. فمبارك ظل حتى اليوم الأخير له في السلطة يعتبر صفوت هو ذراعه اليمنى بل ذراعاه الاثنتين معاً. كان الشريف هو الرجل القوي في نظام مبارك وكان مجرد ظهوره علنا يعني أن كل شيء مستقر في مقر رئاسة الدولة في مصر.
ولكن هذا ما لم يحدث عندما ظهر الشريف على التليفزيون المصري بعد أول مظاهرة مليونية في ثورة 25 يناير، فقد خرج على التلفزيون المصري وهو يرتجف تقريباً ويقول بكلمات متلعثمة إن قيادات مصر شامخة في إشارة الرئيس السابق وله هو نفسه ثم يختفي بعدها عندما أدرك بحسه السياسي والاستخباراتي أن اللعبة انتهت بالنسبة لعائلة مبارك. ولم يظهر إلا عندما تم إحالته إلى جهاز الكسب غير المشروع محاصرا من عدد كبير من المصريين الذين حاصروا الجهاز الذي كان أول محطات التحقيق مع الشريف.
ويظل المصريون حتى ساعة متأخرة من الليل حول الجهاز وبل وتعلق بعضهم الأشجار ليروا بأعينهم ما لم يخطر في خيالهم أن يروه وهم على قيد الحياة، عندما اصطحب الحرس صفوت الشريف رجل كل العصور في مصر مقيداً بالأغلال في سيارة الترحيلات المخصصة لنقل المتهمين للسجن في رحلة إلى معتقل طره الشهير في مصر، وهي رحلة جديدة للشريف سوف يكشف خلالها عن أسرار أخطر بكثير من الأسرار التي كشف عنها وهو نزيل سجن القلعة في العام 1968 عند التحقيق معه في قضية انحراف جهاز الاستخبارات.
