قلة هم من قدروا بأن هكذا ستبدأ المواجهة مع إيران. السيناريو المتصدر كان هجوماً جوياً مفاجئاً، كثيفاً ــ وقبله ربما موجة اغتيالات وحالات تخريب. الواقع الناشئ يختلف تماماً. وهو يشبه جداً حرب الاستنزاف. محافل عالمية تفجر للإيرانيين قاعدة هامة. الإيرانيون يردون في نقطة أخرى في العالم، أو في تصفية علاقاتهم مع بريطانيا من خلال حادث الاعتداء على السفارة في طهران، يمكن التخمين بأن هذه لن تكون النهاية. التاريخ يدل على أنه قريباً سنسمع عن تأهب عال في مؤسسات يهودية وإسرائيلية في أرجاء العالم.
دون صلة بالمواجهة الحادة المنسوبة للقيادة الإسرائيلية حول إمكانية الهجوم، فإن الحكومة الحالية تشذ في تصريحاتها العلنية عن الخط الإسرائيلي الكلاسيكي في الموضوع النووي الإيراني. هذا الخط وضعه أول مرة رابين، وتبنته لاحقاً حكومات شارون ــ أولمرت. كل هذه الحكومات قامت بالأعمال اللازمة، بعضها جسورة جداً، لضمان مصالح أمنية إسرائيلية. ولكن الخط الدبلوماسي الذي اتخذته يختلف جوهرياً عن خطاب نتنياهو ــ باراك. القول الأساس كان دوماً مشابهاً: موضوع النووي الإيراني ليس مشكلة إسرائيلية بل مشكلة عالمية. إسرائيل لا تدعي التصدر العلني لمعالجة المشكلة.
خلف الكواليس، قيلت الأمور بصراحة ــ إسرائيل ليست فقط لا تدعي بل ولا تريد. المصالح القومية لإسرائيل تملي ائتلافاً عالمياً ضد إيران وإقامة علاقة تماثل عميقة بين مكافحة إيران وبين القدس كفيلة بأن تؤدي إلى نتائج معاكسة. هذا الحديث عن الدبلوماسية أخفى أموراً جوهرية.
إذا ما وعندما كان يحصل حدث في إيران ما كانت أي جهة إسرائيلية تسارع إلى اطلاع الصحافيين الأجانب عن ماهية الحدث. وعندما كان زعماء إسرائيل يُسألون علناً كانوا يمتنعون عن الغمز. فالجميع يفهم الغمز. شارون ــ اولمرت فضلاً أن تبقى إسرائيل خلف الكواليس. جاء نتنياهو، وفجأة إيران هي ألمانيا ونحن في 1938 ويجب تجنيد الإعلام العالمي وما شابه. ويقول القادة الإسرائيليون الحاليون: المعلومات التي في حوزتنا مختلفة ومقلقة أكثر من تلك التي كانت لدى إسلافنا.
نحن ملزمون بالعمل هكذا. ليس الجميع يوافق على ذلك والدليل هو مقابلة دغان التلفزيونية مع ديان. الانشغال بنا مغرٍ جداً. ولكننا لسنا المركز. فضلاً عن ذلك، ما يبدو كتعاظم إيراني هو أيضاً وهم. الخاسرون الكبار، سواء اعترفوا بذلك أم أدمنوا على الشعارات القومية، هم الإيرانيون أنفسهم. حيال عراق مستضعف وتراجع أميركي من أفغانستان، في ذروة موجة الثورات في العالم العربي، يمكن لإيران أن تصبح زعيماً إقليمياً حتى دون برنامج نووي عسكري. حجم السكان، مستوى التعليم، مداخيل النفط، الوضع السياسي، كل هذه تمكنها أن تؤدي بها إلى عقد من الازدهار السياسي والاقتصادي.
ولكن الثورة الإسلامية التي لم تنجح حتى اليوم في استعادة مستوى المعيشة في إيران تحت حكم الشاه، تعود الآن إلى أعقابها. على مدى عشرات السنين حاولت إيران بطريقتها الحصول على اعتراف عالمي. جهود هائلة بذلت في خلق مؤسسة علاقات تجارية بل وسياسية مع دول في أوروبا، في آسيا وفي جنوب أميركا. الآن، في العقد الرابع للثورة، يجد الإيرانيون أنفسهم بالضبط حيثما بدؤوا. العالم الغربي نظر إليه بقلق وبتقزز في حينه، وقد عاد لينظر إليهم ذات النظرة اليوم، بعد أكثر من 30 سنة.
الإيرانيون يمكنهم أن يرووا لأنفسهم بأن المنطقة كلها أصبحت إيران ولكن في طهران لا تزال الكهرباء تنقطع بمبادرتهم بسبب نقص الطاقة. وهذه هي إحدى أول الدول المنتجة للنفط في العالم. ليس لدى إيران قدرات لتصفية النفط ذاتياً، صناعتها قديمة، الاقتصاد يعرج. الدعم الشعبي للثورة حل محله تمرد علني مقموع بوسائل عنيفة للغاية. قادتهم العسكريون هم ضحية للاغتيالات، وفي قواعدهم يعانون من التسلل والتفجير الغريب. إيران هي دولة معزولة، دولة تثير حتى لدى البريطانيين باردي المزاج ردود فعل انفعالية من النفور.