بعد 18 سنة من التوقيع على اتفاقات أوسلو و15 سنة من مقتل اسحق رابين الذي اعتُبر «سيد الأمن»، يمكن أن نفكر في حكمة عقد هذه الاتفاقات. إن المعلومات الموجودة في حوزتنا اليوم والتي كانت في حوزتنا قبل 18 سنة أيضا، تدل على أنه لا احتمال مع النظام القائم لنجاح هذه الاتفاقات وذلك للأسباب التالية: وهي أن اتفاقات أوسلو وقعت في الظاهر مع ممثلي الشعب الفلسطيني. أما بالفعل فإن التفاوض والتنفيذ يتمان مع فصيلة واحدة فقط منهم وهي فتح.

دولة بلا سلاح

التفاوض لا يتم مع حماس أو الجهاد أو جهات متطرفة أخرى في العالم العربي. ولا يقبله حزب الله ولا إيران أيضا. ولنفترض أننا نفي بجميع مطالب فتح فماذا يكون آنذاك؟ هل تقوم حماس وتطلب تنازلات أخرى. وحينما تأتي دولة إسرائيل لترضي حماس هل يأتي الجهاد ويطلب نصيبه أيضا وإلا استمر على أعمال الإرهاب وجاء حزب الله بعده، وهكذا تصبح الحال مثل بئر بلا قاع، فلا يُنهي أي اتفاق الصراع.

هذا إلى أن السلطة الفلسطينية التي أنشأتها حكومة إسرائيل بيديها، يدوم بقاؤها اليوم على حراب الجيش الإسرائيلي. أخرِج الجيش الإسرائيلي من يهودا والسامرة لتنهار السلطة ولتحل حماس محلها وتوجه سلاحها إلى مواطني إسرائيل على قاب قوسين أو أدنى من مطار بن غوريون ومركز البلاد. والشروط التي تطلبها إسرائيل لاتفاق سلام، أي دولة منزوعة السلاح هو طلب غير قابل للتحقيق. فأولا لا يوجد مثال لدولة منزوعة السلاح قسرا. وثانيا لن يوافق العرب عليها، وثالثا وهذا هو الأساس حتى لو وافق العرب عليها مع تنازلات مؤلمة فلن يفوا بذلك كما لم يفوا بأية مادة من اتفاقات أوسلو، لهذا فإن الفروق بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يمكن التقريب بينها.

 

فكرة العودة

العرب يريدون دولة في حدود 1967 حتى آخر سنتيمتر، وعاصمتها القدس. وهم يريدون سيادة على رمات اشكول وعلى جفعات همفتار وعلى التلة الفرنسية. وعلى جبل الهيكل والحائط الغربي أيضا. وهم يطلبون إقامة فكرة العودة. وهذه مطالب لا تستطيع قبولها أية حكومة يهودية. لم يتنازل العرب ولا يتنازلون ولن يتنازلوا في المستقبل القريب عن إرادة القضاء على إسرائيل. وفكرة العودة وسيلة لإحراز هذا الهدف. لا يمكن أن تُهزم إسرائيل بمعركة بل برحم الأم العربية. قال هذا عرفات وسائر قادة السلطة الفلسطينية.

ولا تستطيع إسرائيل أن تسمح لنفسها بأن تعيد تأهيل اللاجئين العرب داخلها. يجب أن نفهم طلب العرب في هذا الشأن. في إطار اتفاق سلام، تُمكّن إسرائيل من إنشاء دولة للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، لكنهم غير معنيين أن تأتي جالياتهم إلى دولة تنشأ بل إلى الدولة اليهودية خاصة. وإذا وجدت حاجة إلى علامة واضحة على أنهم لم يتخلوا عن فكرة القضاء على الدولة اليهودية فإنه تأتي العلامة السكانية لتضيء مصباح تحذير يضاف إلى عشرات العلامات الأخرى. هذا إلى أن إنشاء دولة فلسطينية هو أفضل ضمان لإحداث نزع الشرعية عن إسرائيل.

 

نزع الشرعية

ليست فلسطين دولة ولم تكن قط. كانت حكومة إسرائيل هي التي أحيت الاسم فلسطين ورفعته إلى رتبة دولة في تلك الأيام. والفلسطينيون غير معنيين بدولة في هذه المرحلة بل بالقضاء على الدولة اليهودية. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه تبدأ بنزع الشرعية عن إسرائيل. وعلى العموم فإن إخلاء آخر لمستوطنات غير قابل للتطبيق. فبعد تجربة إخلاء غوش قطيف والصدمة الشعورية على أثره، لن يوجد إجماع على إجلاء آخر لنحو من 100 ألف شخص، فالأمر قد يفضي إلى مقاومة شديدة بل إلى حرب أهلية. والمضي إلى حرب أهلية لإنشاء دولة فلسطينية، على أنقاض المستوطنات اليهودية التي ستخلى ومن غير إنهاء الصراع، عمل أحمق غير معقول على نحو ظاهر.